إنسانية زايد تعبق بالرحمة

     عندما يدور الحديث في فلك قامة وقيمة بحجم الراحل الكبير المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات وباني نهضتها الحديثة ومشعل جذوة فتيل صعودها إلى مصاف الدول التي يشار إليها بالبنان، فإن الحروف تقف إجلالاً والمعاني تتمعن في ذاتها والأفكار تزدحم عند مداخل الطرح نظراً لما يمثله هذا القائد الإنسان من مكانة مميزة في وجدان كافة مكونات هذا الوطن الكريم خاصة وفي ضمير كل منصف في شتى أنحاء المعمورة على وجه العموم.

      لن يتسع مقام ولا مقال لسرد مزايا وسجايا هذا الرمز الإنساني الكبير الذي احترمه القاصي والداني وجمع بين المحبة والهيبة فكيف إذا كان الطرح يستدعي بعض التبحر للوصول إلى فهم أفضل ووعي أكبر بما جعل هذه الشخصية تحقق هذه الإنجازات الهائلة على مختلف الأصعدة.

      بناء على هذه الرؤية فإن التركيز على جوانب مختارة من شخصية زايد يمثل المدخل الأكثر ملائمة لتحقيق هدف هذا المقال حتى نتمكن من الولوج إلى صلب هذا الموضوع الذي يرنو إلى تسليط الضوء على محاور الإنسانية والتعايش والتسامح في شخصية هذا القائد الفذ.

      إنسانية زايد بن سلطان تمثل حالة جديرة بالتأمل والتدبر. هذا القائد الإنسان الذي نظر إلى شعبه، مواطنين كانوا أم مقيمين بعين الرحمة، فأمر بتوفير السكن الملائم بكلفة محدودة أو بالمجان، وقدّم لهم فرص العمل لتحقيق العيش الكريم، وأنفق أموال النفط في بنية تحتية خدمية عصرية، ودعم كل محتاج بطرق مبتكرة مثل: دعم الصيادين والمزارعين منطلقاً من زاوية نظر اجتماعية لا تحفل كثيراً في تلك المرحلة بالعائد الاقتصادي المباشر، إيماناً منه بأهمية تأهيل المجتمعات لتحديات المستقبل وتعويض ذلك الجيل الذي عانى من شظف العيش طويلاً من خيرات ثروة النفط التي منحها الله لأهل هذه البلاد وقيض لهم قائداً كزايد، كان زائدا عما سواه بالإحساس بالمسؤولية الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية حتى تمكن في زمن قياسي لم يتجاوز العقد من الزمن من الوصول إلى مجتمع الرفاة، وتجاوز ذلك لاحقاً إلى دولة التطور والحداثة في مراحل لاحقة.

      البعد الإنساني في نظرة القائد المؤسس تجاوز النظرة المحلية فكانت أيادي الإمارات البيضاء حاضرة وممتدة للإنسان حيثما كان بغض النظر عن العرق والجنس واللون، ومن هنا نلج إلى محور التسامح الذي قامت عليه دولة الإمارات واستمرت عليه في عهد زايد وفي عهد أبنائه الكرام في المراحل اللاحقة حتى أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة عنواناً للتعايش. هذه الدولة الفتية التي يعيش فوق أراضيها مواطنون لأكثر من 200 دولة في سلام  وأمان  وتجانس تمثل نموذج التعايش العملي الأبرز على أرض الواقع، خاصة إذا ما علمنا أن عدد الجنسيات التي تحتضنها دولة الإمارات اليوم يتجاوز عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة في دلالة واضحة على سيادة قيم التعايش والسلام وقبول الآخر التي أرسى دعائمها الراحل الكبير برؤيته الاستشرافية للمستقبل، والتي أدرك من خلالها مبكراً أن السلم والتعايش بين البشر هو الطريق الوحيد لتحقيق أهداف البقاء والنمو والتطور والإزدهار وهذا ما غرسه شيخ التعايش والتسامح وها نحن نجني ثماره هذا اليوم.

      التعايش والتسامح وتجاوز مناطق الاختلاف للوصول الآمن إلى مناطق الالتقاء هي السبيل الوحيد للعبور إلى الأمام في عالم يعج بالإقصائيين الذين لا يرون الحق إلا في نظرتهم للأمور، ويتعاملون مع من لا يتقاسم وجهات نظرهم تعامل الخصم مما يحرم كافة الأطراف من فرص الاستقرار والأمن والأمان التي تعد ركيزة أساسية لاستقرار أي مجتمع . بهذه الرؤية انطلق زايد بن سلطان آل نهيان بدولة الإمارات العربية المتحدة في طريق التسامح مع التمسك بثوابت الدين والعقيدة والأخلاق والقيم. أدرك زايد برؤيته الثاقبة أن لا تعارض بين الحفاظ على الثوابت وقبول الآخر المختلف طالما أن قيم العدالة والمساواة وحفظ الحقوق العامة والخاصة تمثل ملامح الحياة وأدوات التعامل ما بين مكونات المجتمع المختلفة.

      هذا الإدراك العميق تحول لقناعة راسخة انطلق منها هذا القائد الإنسان بتسامح منقطع النظير إلى ورش بناء الوطن مستخدماً قدرات وطاقات من يماثله ومن يخالفه في  الشكل والاعتقاد والعرق واللغة والثقافة والفكر طالما لم يؤثر هذا على تماسك المجتمع وترابطه محيداً قيم الاختلاف، ومركزاً على ما يجمع أكثر مما يفرق، مما أتاح لهذا الوطن الذي قاده زايد أن يكتسي ملامح فسيفسائية تجعل من جميع المكونات تشعر بمساهمتها على هذه الملامح ذات الهويات المتعددة والمذاقات المتباينة.

      المغفور له باذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد المؤسس لدولة الإمارات العربية المتحدة مع إخوانه حكام الإمارات الست الأخرى، دبي، الشارقة، رأس الخيمة، الفجيرة ،عجمان وأم القيوين قدموا لنا من خلال نموذج هذه الدولة الناشئة دروساً في إمكانية احتواء الآخر مع الحفاظ على هوية الذات المرتكزة على القيم والمبادئ الثابتة. أسلوب التعايش الذي رسم ملامحه الراحل الكبير مع إخوانه حكام الإمارات منذ التأسيس أصبح نموذج المجتمع السلمي الإنساني يقوم على مرتكزات يمكن لها أن تستمر وتتطور بوجود ومساهمة الآخر مع الإحساس أن الآخر هو شريك في تحدي التنمية وليس معيقاً له بأي حال من الأحوال. ما قام به زايد وإخوانه مثل تبياناً واقعياً ونموذجاً ملموساً للرد على أنصار التقوقع والانغلاق على الذات ورفض الانفتاح على الآخر خوفا ًمن التأثيرات السلبية على الهوية الوطنية.

      لا يمكن أن ننكر أن كل وجود مختلف يمكن أن ينشأ عنه ظواهر سلبية وانعكاسات غير مرغوب فيها في كثير من الأحيان، ولكن  رغم هذا الثمن المتوقع فإن هذه التحديات ومواجهتها والتعامل معها لاتعادل خطر فقدان قدرة التعايش والتأقلم مع وجود الآخر والإنغلاق على الذات في عالم اصبح بسبب ثورة المعلومات قرية كونية واحدة وذلك حتى يشتد العود وتتمكن الذات من من ان تصبح اكثر قوة وتماسكا واكثر استعدادا لمواجهة تحديات العالم المتغير باستمرار والذي يحتاج إلى قيم التعايش والسلم  والإنسانية أكثر من أي زمن مضى، وهذا تماماً ما حرص على غرسه القائد المؤسس في ضمير ووجدان هذا الوطن بكل مكوناته، وكان لشيخ السلم والسماحة والتعايش ما أراد.  رحم الله زايد بن سلطان، نظر بعين ملهمة إلى المستقبل فأدرك أن قيم السلم والسلام والتعاون ونبذ الفرقة واكتشاف مساحات الالتقاء ونبذ التعصب والانغلاق هي مفاتيح الولوج إلى مستقبل مزدهر، فمضى في هذا الطريق وتبعه فيه كل من أنعم الله عليه برؤية عميقة من قادة هذا الوطن المعطاء.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية