زايد مبع بفلسفة العلم والتعليم

     العلم هو الوجه الآخر للعقل؛ كونه حصيلة فعل أو أفعال، تجسد نظرية العقل، وتعكسه كمدارك معرفية، أو منظومات فكرية، نستدل بها على حقيقة نجهلها، فإما نعمل بها لفائدة نرتجيها، أو نتجنبها لضررها. هكذا هو شأن الإنسان العاقل في صراعه الأزلي مع حركة الواقع أو سيرورة وصيرورة الوجود، في بناء الحضارات، التي تعتبر بمثابة شواهد على مدى عقلانية الإنسان وتمدّنه.

      العرب شأنهم بذلك شأن بقية الأمم، أدركوا مبكراً أهميّة العلم كقيمة إنسانية عليا، تسمو بالنفوس إلى المعالي، وأنّ العِزَّ أو المِنّعَة والرِفعَةَ مهددة بالزوال؛ إن لم يكن العلم قرين لأهلها، كما يقول الأحنف بن قيس: «كل عزٍّ لم يؤيد بعلم إلى ذُلٍ يصير».

      ويقارب هذا المعنى لجهة رفع مقام أهل العلم إلى موازاة الملوك أو أهل العزّ، شيخ ثقيف قبل الإسلام عروة بن مسعود، حيث يقول:

«العلم يوطئ الفقراء بسط الملوك». ما يعني أنّ العرب أدركت منذ ما قبل الإسلام مكانة العلم، وأنّه متاح لمن يطلبه، فقالوا: «الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم». ومنه جاء حديث رسول الله  بخصوص فهم القرآن الكريم، حيث يقول صلوات الله عليه وسلامه: «من يُرِد الله به خيراً يفهمه، وإنما العلم بالتعلم».

وكذلك في قوله عزّ وجلّ في سورة آل عمران (الآية- 18):  ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط﴾.

      نرى أنّه سبحانه وتعالى، شهد بنفسه أولاً، وثنّى بالملائكة، وثلّث بأهل العلم. وفي آية أخرى يضع سبحانه وتعالى المتعلم بمنزلة المؤمن، حيث يقول جلّ وعلا في سورة المجادلة (الآية 11): ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات﴾

      إذن بحقيقة العلم وحدها؛ كونها متماهية مع فطرة الخلق السليمة، جاء تفضيل آدم على الملائكة، حينما استخلفه وأبناءه من بعده في الأرض. وبحقيقة العلم وحدها، استهل جلّ جلاله كتابه الكريم، فأوحى لنبينا الأمي صلوات الله عليه وسلامه بقوله تعالى: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم﴾. سورة العلق (الآيات 1-5).

      ربما يكون القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد، الذي يتضمن أكثر من ثمانمائة وخمسين آية تَذكُرُ العلم وتحث عليه. وبِهَديه، رفع رسولنا الكريم، العلم الى الدرجات العلا، فجعله بمقام الإسلام، أو أدنى قليلاً، لجهة التَكْفير عما مضى من الجاهلية، حيث يقول صلوات الله عليه: «من طلب العلم كان كفارة لما مضى». (رواه الترمذي). ما يعني أنّ الرسول كاد يضع العلم بمقام الدين، وفقاً لحديثه، الذي طَيًّبَ به خاطر الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، حينما أتاه مسلماً وخائفاً مما مضى، فقال له رسول الله : «الإسلام يجب ما قبله». أي يحول أو يمسح ما قبله من آثام وخطايا. وفي حديث آخر، جعله يقوم مقام الجهاد، فيقول سلام الله عليه: «من خرج في طلب العلم، فهو في سبيل الله حتى يرجع».(رواه الترمذي). وفي حديث رابع جعله فريضة على المسلمين، بقوله : طلبُ العلم فريضة على كلّ مسلم. (رواه ابن ماجة وابن عدي وابن عبد البر). وفي حديث شامل يضع المصطفى عليه الصلاة والسلام، العلم والعلماء، بعد الأنبياء مباشرة بقوله:

      «من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لَتَضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالِم لَيَستغفر له من في السموات، ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفَضْلُ العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورِثوا العلم. فمن أخذه، أخذ بحظ وافرٍ، ومن سئل عن علمٍ فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ». (رواه أبو داود والترمذي).

      من هذا المنهل الرائق، العذب، نهل المغفور له زايد الإنسان مفهومه الخاص بفلسفة العلم والغايات الأسمى للتعليم، وكأنه يحاكي الأحنف بن قيس فيضيف عليه ويقول:

لقد آن لنا أن نستعيد عزتنا ومجدنا، ولن يكون ذلك بالمال وحده، وما لم يقترن المال بعلم يخطط له وعقول مستنيرة ترشده؛ فإن مصير المال إلى الإقلال والضياع. إن أكبر استثمار للمال هو استثماره في خلق الأجيال من المتعلمين والمثقفين.

إذن لا يدوم العزّ بغير العلم، وما الثروات إلا زائلة، إن لم تخدم العلم ونهضة الإنسان. وبضوء ذلك وعى الشيخ زايد بفطرته العفوية حاجة الإمارات والأمة عموماً للمتعلمين والمتنورين، في عملية التنوير وقيام الحضارات فيقول رحمة الله عليه: «إنّ العلم والثقافة أساس تقدم الأمة، وأساس الحضارة، وحجر الأساس في بناء الأمم، إنه لولا التقدم العلمي، لما كانت هناك حضارات، ولا صناعة متقدمة أو زراعة، تفي بحاجة المواطنين».

      من دون أدنى شكّ أنّ زايد الإنسان كان يدرك حق الإدراك أن العلم بمقام البصر والبصيرة من الإنسان. وأنّ الأمم لا تقوم إلا بعزيمة أبنائها، وأن العزيمة لا تكون ذات جدوى إلا بالعقل المتعلم أو الذهن المتنور. وعندما يقول إنّ العلم هو أساس تقدم الأمة، وأساس الحضارة، وحجر الأساس الأول في بناء الأمم. فهو يقرر استحالة قيام الحضارات من دون التقدم العلمي. ولأنه مُطَبَّعٌ بفطرة البدوي السليمة، القائمة على التسامي وطلب المعالي، فهو بطبيعته العفوية يرفض المهانة وذُلَّ الحاجة لغيره كما يرفضها لنفسه. لذلك نراه على الدوام مهجوس برفاهية وراحة مواطنيه قبل راحته؛ ليس من موقع مسؤوليته الشخصية كحاكم للبلاد فقط، وإنما بالدرجة الأولى؛ بدافع مقتضيات قيمة الإباء، أو فطرة الخلق، عمود خيمة "مكارم الأخلاق"، التي شب وشاب عليها، كونها تُحَتِمُ بالسليقة رفض الذل أو الخنوع أو كلّ أشكال المهانة والعبودية لنفسه كما لغيره، لأنّ الله خلق الناس جميعهم أحراراً. وهو يعلم يقيناً أنّ الراحة لن تأتي بعزٍ وكرامةٍ من دون تقدم وتطور الصناعة والزراعة. وعندما كان التطور مرتبطاً بالعلم فهو يقرر أهدافه ومراميه وانشغالاته بوعي ووضوح لا يخالطهما ريب أو بهتان: «إنني أريد أن يتعلم كلّ أبناء الخليج. أريد أن يبني ابن الخليج بلاده بنفسه وبعلمه. إننا نرسل بعثاتنا من الطلبة إلى كلّ مكان من الأرض ليتعلموا. وعندما يعود هؤلاء إلى بلادهم سأكون قد حققت أكبر أمل يراود نفسي؛ لرفعة الخليج وأرض الخليج».

      إذن الهمّ الأوّل والأخير لدى زايد الإنسان، هو رفاهية مواطنيه، وعِزَّةُ أهله أو شعبه، ورفعة الخليج، وحماية أرض الخليج، وكرامة أهل الخليج، فهذه هي أهداف الاستراتيجية التعليمية، التي كان يرمي إليها من وراء التعليم. لأنه بمفهومه البسيط لعملية التنوير والتطوير أو التحديث يدرك أنّ النفط قد يكون وسيلة للتعليم ليس إلا، لأنه بكلّ الأحوال لا يكتسب ديمومة التعليم، ولأنه بالعقل والمنطق لا يمكن له أن يحفظ للجميع رفاهية دائمة. لذلك يعتبر أنّ الثروة الحقيقية تكمن بالتنمية الإنسانية القائمة على المعرفة العلمية، كضمانة ناجزة ودروع واقية من غدرات المستقبل ومكر التاريخ، ولا بأس باستعمال عائدات النفط في غاية التعليم، الهدف الأسمى والأرقى والأكثر ديمومة وفاعلية في بناء حصون المستقبل الآمن. فيقول:

«إنّ تعليم الناس وتثقيفهم في حدّ ذاته ثروة كبيرة نعتزّ بها، فالعلم ثروة، ونحن نبني المستقبل على أساس علمي».

      ويعتبر المغفور له الشيخ زايد أنّ الأمر ليس مجرد اجتهاد أو مجرد رأي، وإنما هو واجب وطني بل قومي، غرضه الرئيس حماية مستقبل الأمة، ولذلك هو يجند الدولة بكل أركانها وكافة إمكانياتها في سبيل تحقيق هذا الهدف الجليل. حيث يقول:

      «إنّ نشر التعليم هو واجب قومي، والدولة وفرت كلّ الإمكانات من أجل بناء جيل الغد وتعويض ما فاتنا، وهذا الأمر يضع العلم في أعزّ مكانة وأرفع قدر». مؤكداً مراراً وتكراراً أنّ الدول تزهو بمواطنيها، وأمنهم وأمانهم على كلّ مستويات الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، إذ:

      «إنّ حجم الدول لا يقاس بالثروة والمال، وإنّ المال ما هو إلا وسيلة لغايات عظيمة لا يحققها إلا العلم، وقدرة الدول على توفير الحياة الكريمة والآمنة لأبنائها، ونحن هنا في دولة الإمارات نعطي أهمية للعلم والعلماء في شتّى المجالات».

ولأنّ زايد الإنسان مشبع بفلسفة الروح المتعالية على القشور وبهرجة الصورة المادية، ونجا من حداثة التشييء أو التسليع، التفت إلى الدين كعروة وثيقة بين الروح والجسد، بين الرفاهية الآنية وإشباع الغرائز وبين ديمومة المعرفة واستمرارية السعادة الإنسانية الراقية، فربط العلم بالدين كسبيل أكثر ضماناً للنجاة والخلاص بأيسر الطرق وأقلها كلفة، فيقول:

      «إنّ المسيرة التعليمية والتربوية تقوم على أساس ربط الدين بالدنيا في تربية النشىء، وإعداد وتأهيل الشباب».

ما يعني أنّ ثقافة زايد الإنسان تتوافق أو تشارك بعض كبار علماء الدين رؤيتهم؛ بأن العقل أو العلم لا يتنافيان مع الشريعة، بل ربما هما من جليل مقاصد الشريعة في الإسلام، حينما يقول:

      «لن تكون هناك ثروة بشرية حقيقية ومؤهلة وقادرة على بناء الوطن إن لم تتمسك بمبادئ ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء، لأنّ القرآن الكريم هو أساس الإيمان وجوهر الحياة والتقدّم عبر الأجيال».

      وربما ما يميز زايد الإنسان في حدبه على مجتمعه وحرصه على تعليمه، وحمايته من غدرات المستقبل؛ على أساس النهوض به على المستويات الحضارية والإنسانية، أن المغفور له كان حكيما في تدبير المجتمع البدوي، والانتقال به إلى ميادين التنمية والحداثة بسلاسة مدهشة؛ من دون خضات اجتماعية، بمعنى أنه كان يقود التغيير ببساطة ويُسر، تجعله مقبولاً من المجتمع؛ بل مرغوباً ومحببا.

المعروف أن المجتمع البدوي التقليدي في الستينيات الماضية كان لا يقبل بأي شكل من الأشكال تعليم البنات؛ بالحواضر العربية الحديثة مثل بلاد الشام والعراق ومصر والمغرب العربي، فكيف يكون الحال بالنسبة إلى منطقة الخليج العربي؟

      ولما كان الشيخ يدرك جيداً أهمية دور المرأة في التنمية والحداثة قرر مبكرا تعليمها وجعلها شقيقة الرجل؛ بل شريكة الرجل في كل المجالات التنموية. لذلك أمر بافتتاح مدارس خاصة بتعليم البنات. ولكنه فوجى بعد نحو ثلاثة شهور بالقائمين على أمر المدرسة يقولون له: لم تحضر فتاة واحدة إلى المدرسة، فما العمل؟

لم ينفعل الشيخ زايد، ولم يغضب، ولم يتسرع بقراراته، وقال ببساطة وعفوية هادئة ورصينة؛ على جري عادة الحكماء: دعوهم وشانهم.

وبعد مدة قصيرة طلب من معاونيه والمقربين منه والمهتمين بشؤن المدرسة، أن يشيعوا خبراً، مفاده، أن كل مالك سيارة يأتي بطفلة إلى المدرسة له أجر شهري مقداره سبعمائة درهم. وهذا مبلغ ليس بقليل في الستينيات الماضية، ففوجئ القائمون على المدرسة أنها راحت تعج بالطالبات؛ لا بل وصل الأمر أن الآباء راحوا يقودون بناتهم إلى المدرسة بانفسهم.

      وجاء في كتاب "زايد.. تاريخ إنسان وحضارة وطن" عن التربوية التربوية زهرة محمد حسن الحطاب، التي واكبت حركة التعليم في الإمارات منذ عام 1969، حتى عام 2004، فتقول إن (المغفور له) الشيخ زايد كان حريصاً على تعليم البنات، وأنّه كان يتفقد مدارسهن بنفسه، ويجلس معهن ليمتحن معلوماتهن، والتأكد من أنّهن يستفدن من المدرسة، وأنه كان يفرح كثيراً عندما تتلو عليه إحداهنّ بعض الآيات القرآنية من الذكر الحكيم.

      ولا تغفل زهرة الخطاب دور «أم الإمارات» في حرصها وحدبها على تعزيز مكانة العلم، حيث كانت ترعى بنفسها الكثير من المدارس وبخاصة مدارس الفتيات. ما يعني أنّ الفرع زايد كان يتسامى بالعلم عفوياً؛ بنسغ الجذر بل الجذور الضاربة عميقاً في وعي الآباء والأجداد لجوهر العلم وحقيقة دوره في رفعة الأمم.

 والشواهد كثيرة، وربما لا تُعد ولا تُحصى على مدى وعي الشيخ زايد المبكر؛ بدور المرأة في التنمية والحداثة، وليس أقلها حرصه رحمة الله عليه على رعاية وافتتاح المعارض التراثية، التي تقوم على المشغولات اليدوية التي تنفذها النساء. وكيف كان يقبل على شراء بعض منتجاتهن بمئات أضعاف أثمانها، تشجيعاً لهن من جانب، ومن جانب آخر حتى يعلم مرافقيه وصحبه كيفية العناية بالمرأة، وكيفية مؤازرتها وتشجيعها؛ ببساطة تليق وعفوية تليق بهن، وتليق بدور الوالد الحادب على أبنائه.  

      الشيخ زايد لم يكن يعلم أهمية التعليم الأولي للبنات والصبيان فقط، وإنما كان يدرك تفاصيل وحيثيات جميع المراحل التعليمية، وصولاً حتى الجامعة، التي يعتبرها بمثابة منارات هادية على الطريق الصحيح، فيقدرها حق قدرها ويوليها من العناية والاهتمام، ما يجعلها بمراتب عليا في اهتمامات الدولة والحكومة والنشئ عموماً، فيقول: «تعتبر جامعة الإمارات العربية المتحدة أوّل منارة للفكر الإنساني والنشاط العلمي في وطننا». ويشدد على هذه المعاني، بقوله: "كانت الجامعات وستظلّ دائماً المشاعل التي ستنير طريق المدنية، وتمهد السبل للرقي والتقدم". ويكرر التشديد والتسديد، بقوله: «إنّ رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون، وإنّ تقدم الشعوب والأمم إنما يقاس بمستوى التعليم وانتشاره».

هذا هو القول الفصل في فلسفة زايد الإنسان التعليمية، فالعلم هو السبيل الوحيد لعز الأمم، ومن دون العلم لا قيمة للأمة مهما عَظُمَ إرثها، أو تعال وتطاول مجدها في التاريخ.

      إنها معرفة مطرزة بالخبرة، معرفة معحونة بالحكمة؛ بل معرفة مصقولة بالوعي، ذلك الوعي الذي يحفر علاماته على صفحات الوجود بتؤدة، ولكن بعزيمة وثبات، كما قال أحد الحكام القدامى: معرفة لها من القوة ما تمكن العاقل من أن يسود، والقائد الخير من أن يدافع بلا مخاطر، وأن ينتصر بلا إراقة دماء، وأن ينجز ما يعجز عنه الآخرون.

      هذا هو زايد الإنسان، فيلسوف حكيم، وقائد ملهم، ورائد حداثي بامتياز.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية