زايد ومسيرة التسامح

"إن الواجب يحتم على أهل العلم أن يبينوا للناس جوهر الإسلام ورسالته العظيمة بأسلوب يليق بسماحة الدين الحنيف، الذي يحث على الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يستجيب الناس ويواجهوا الإرهاب باسم الدين والقتل باسم الدين".

إنها إحدى مأثورات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان التي حث فيها على التمسك بسماحة الدين الحنيف في الدعوة إلى توضيح جوهره ونشر رسالته العظيمة، هي دعوة مفتوحة لنشر ثقافة التسامح بين الناس واستخدام الأساليب المناسبة لذلك.

لقد أرسى طيب الله ثراه دعائم التسامح من خلال تلك الكلمة المأثورة وأسسها بحكمته وقراءته الدقيقة للواقع على خمس: أولها التأكيد على أن نشر التسامح بين الناس واجب تقع مسؤولية القيام به على أهل العلم.. وثانيها التنبيه إلى أن شيم التسامح تخلو من العنصرية فهي موجهة إلى جميع الناس لا تفرقة فيها بسبب الدين أو العرق أو غيرهما.. وثالثها أنه لا سبيل إلى نشر التسامح بين الناس إلا باتباع الأسلوب اللائق الذي حض عليه الدين الحنيف.. ورابعها الالتزام بمبدأ الحكمة والموعظة الحسنة.. وخامسها أن يهدف التسامح إلى العيش السلمي بين الناس والقضاء على العنف والإرهاب.

 

أولاً: واجب ومسؤولية أهل العلم:

جعل الشيخ زايد من نشر التسامح واجباً يقع عبء القيام به على عاتق أهل العلم.. كان المغفور له ملهماً بالفطرة.. يقرأ الواقع قراءة دقيقة ويعلم كيف يتعامل معه..أنبأه حدسه وحدثته بصيرته بأن التسامح بين الناس سيكون أوسع انتشاراً والاستجابة ستكون أقوى والأثر سيكون ممتداً إذا عهد بنشر رسالة التسامح لأهل العلم.. نعم أهل العلم.. لِمَ لا وقد رفع الله منزلتهم لعظم تأثيرهم في الناس ولثقة الناس فيما يتلقونه عنهم.

لم يختر زايد العلماء لنشر التسامح بين الناس إلا لأنه يعلم تقواهم وورعهم وقوة تأثيرهم ومدى تعلق الناس بآرائهم وأفكارهم، وقبل ذلك يعلم منزلتهم الرفيعة التي كرمهم الله بها.. هكذا كان الشيخ زايد رحمه الله يتخذ من القرآن دستوراً ومن مبادئ الإسلام منهجاً.

 

ثانياً: التسامح ورفض العنصرية:

وجه الشيخ زايد دعوته إلى التسامح لكل الناس بعيداً عن التعصب والتشدد والعنصرية.. قال لأهل العلم: "بينوا للناس" هكذا قال "الناس" بنص عام ولم يحصر دعوته في دين أو عرق أو نسب ومن دون تفرقة بين النساء والرجال أو بين الشباب وكبار السن، فلا تمييز عنصري بسبب اللون أو الانتماء أو غير ذلك من ألوان التفرقة.

كانت دعوته لنشر التسامح بين الناس جميعاً.. وهكذا أرسى رحمه الله مبدأ رفض العنصرية لكونها تتعارض مع دعوته للتسامح بين الناس، فلا سبيل للتسامح في مجتمع تسوده العنصرية والتفرقة لأسباب ترفضها الأديان وتجرمها القوانين.. لذلك جعل الإمارات واحة تستقبل الناس من مختلف الأديان والأعراق ليعايشوا معاً في وئام وسلام.

 

ثالثاً: اتباع الأسلوب اللائق في نشر التسامح بين الناس:

وجه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد دعوة صريحة واضحة لاتباع الأسلوب المناسب "اللائق" لنشر ثقافة التسامح بين الناس.. كان يعلم أن الناس مختلفون في عاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم، لذلك فإن الأسلوب الذي يحقق نجاحاً مع البعض قد لا يفلح مع البعض الآخر، فلكل ثقافة أساليبها في التعامل وطرقها في الاستيعاب والاستجابة.

لذلك أكد رحمه الله على العلماء القائمين على نشر ثقافة التسامح أن تتعدد أساليبهم بتعدد الثقافات التي يتعاملون معها، وهذا ما يمكن استلهامه من تعبير الشيخ زايد بكلمة "لائق" التي تأتي بمعنى مناسب وموافق وملائم.. وبهذا المعنى تكون الدعوة إلى التسامح بالأسلوب الذي يناسب ويوافق ويلائم الوسط الذي توجه فيه هذه الدعوة.. فلا نجاح لدعوة التسامح إذا استعملت فيها أساليب تصطدم بجوهر الثقافة الموجهة إليها.

رابعاً: الحكمة والموعظة الحسنة:

هذا هو المبدأ العام الذي كان المغفور له بإذن الله الشيخ زايد يعمل به طوال حياته في مختلف المواقف الإنسانية.. وحين وجه دعوته إلى العلماء لنشر ثقافة التسامح بين الناس أكد على أن ذلك يجب أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة.. وهي مبدأ مستلهم من جوهر الإسلام ومنهجه.

ينصرف ذلك إلى معنى استعمال الرأي الموافق للحق والصواب الذي يصدر عن معرفة وتبصر بحقائق الأمور وجوهرها وتذكير بالواجبات والدعوة بالقول الرقيق.. كما يأتي ذلك في معنى الاستعانة بالكلام الحق الذي يوجه للشخص المناسب في الظرف والوقت المناسبين، فلا يفرض بالقهر والزجر والعناد، بل يتخذ من الصبر منهجاً ومن اللين وسيلة للإقناع.

 

خامساً: العيش السلمي بين الناس ونبذ العنف والإرهاب:

هذا جانب آخر من ثقافة التعامل بين الناس أكد عليه الشيخ زايد في مناسبات عدة.. رأى أن التسامح لا يعني التهاون في مواجهة من يرهب الآخرين ويقتلهم باسم الدين.. تلك فئة من البشر يجب مجابهتها والتصدي لها بشتى الوسائل حتى تعود الأمور إلى طبيعتها ويعم الاستقرار داخل المجتمع.. وكأنه رحمه الله جعل من هذه المواجهة ضد الإرهاب والقتل باسم الدين وسيلة تفرضها الضرورة لاستكمال مسيرة التسامح بين الناس بغض النظر عن انتماءاتهم ودياناتهم.

تلقفت دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الإستراتيجية التي صاغها الشيخ زايد طيب الله ثراه وهذا المنهج الإنساني الذي دعا إليه فوضعت البرامج المناسبة لتنفيذ تلك الإستراتيجية فكانت الثمرة أن أسست مجتمعاً يقوم على التسامح بين الناس جميعاً أياً كانت انتماءاتهم حتى أنها في سابقة فريدة استحدثت وزارة للتسامح تتفرغ خصيصاً لنشر هذه الثقافة تحت رعاية السلطة السياسية والحكومة. كما أنشأت حساباً رسمياً للتسامح على توتير، كما تم إطلاق "المهرجان الوطني للتسامح" تحت شعار (على نهج زايد) والذي يهدف إلى تعزيز قيم التسامح والتعايش والسلام ونبذ الكراهية والتطرف لمختلف الجنسيات والأديان وقبول الآخرين فكرياً وثقافياً ودينياً وطائفياً وستتعاون كافة الجهات الاتحادية والمحلية والقطاع الخاص بالدولة ويأتي المهرجان متزامناً مع اليوم العالمي للتسامح بتاريخ 16 نوفمبر من كل عام والمعتمد لدى الأمم المتحدة.

وقد نشر الموقع الرسمي لحكومة الإمارات حول ثقافة التسامح والاعتدال مقولة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي جاء فيها: "لا يمكن أن نسمح بالكراهية في دولتنا ولا يمكن أن نقبل بأي شكل من الأشكال التمييز بين أي شخص مقيم عليها أو يكون مواطناً فيها".

كما صدر قانون لمكافحة التمييز والكراهية في يوليو 2015م الذي يهدف إلى إثراء ثقافة التسامح ومواجهة مظاهر التمييز العنصري. وتم إنشاء المعهد الدولي للتسامح في إمارة دبي الذي يهدف إلى بث روح التسامح في المجتمع. وأيضاً اعتمد مجلس الوزراء في يونيو 2016م برنامجاً وطنياً للتسامح بهدف إظهار الصورة الحقيقية للاعتدال واحترام الآخر ونشر قيم السلام والتعايش يقوم على سبعة أركان هي: الإسلام.. الدستور.. إرث المغفور له الشيخ زايد والأخلاق الإماراتية.. المواثيق الدولية.. الآثار والتاريخ.. الفطرة الإنسانية.. القيم المشتركة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية