فلسفة النهضة الإنسانية في الامارات

إنّ أية مقاربة بحثية لفلسفة الحكم في دولة ما، إنما هي استقراء للخطاب السياسي في تلك الدولة بمفرداته المختلفة، والأسس التي قام عليها، والمسيرة التي اختبرها في مختبر الزمن، وبالتالي العلاقة بين الكلمة والرؤية والفعل.

      وباستقرائنا لفلسفة الحكم في دولة الإمارات العربية المتحدة، في مرحلة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله إنّما نستقرئ مرحلة فارقة في التاريخ العربي، لأنّها نهضت بحكمة قائد حكيم، ورث من الصحراء حكمتها، واتساع رؤيتها، ومن التجارب خبرتها، ومن المعرفة فطرتها، ومن الفطرة بصيرتها التي وضعت أسس النهضة على خلفية من يقين الرؤية للمستقبل بالاستناد القوي إلى الماضي، والتأمل العميق في الحاضر، والاستبصار البعيد للمستقبل، وذلك عبر جدل العلاقة بين حركة الزمن وقابلية المكان للتحوّل وإرادة الإنسان في التقدم والرقي.

      لاشكّ أنّ معيارية فلسفة الحكم تستجيب إلى طبيعة العقد الاجتماعي بين القائد والرعية، لأنّ تلك العلاقة هي التي تتحدّد بموجبها المسافة بين السياسي والاجتماعي وبين السياسي والثقافي. وما اختلاف نظم الحكم إلا نتيجة اختلاف في هذه المعيارية، فبقدر ما تكون المسافة متقاربة بقدر ما تكون فلسفة الحكم مستجيبة لرؤى وطموحات الشعوب، وكلما تباعدت هذه المسافة ازدادت الفجوة، واختلت العلاقة، وانفرط العقد الذي ينبغي أن يكون بين الحاكم والشعب، وقد أشار فلاسفة العرب قبل الغرب إلى هذا العقد الاجتماعي بين طرفي الحكم فكما يرى الماوردي في الأحكام السلطانية أنّ العلاقة بين الإمام أو الحاكم من ناحية والرعية من ناحية أخرى هي عقد اجتماعي، عرفي ينظم العلاقة بين الحاكم ورعاياه، في ظل مجموعة من الحقوق والواجبات المتبادلة بحيث إذا أخل أحد الطرفين بشرط العقد وأهمل من واجباته نحو الطرف الآخر، جاز لهذا الطرف الأخير التحلل من شروط العقد.. فالشعب هو المرجعية الوحيدة والمعيارية لفلسفة الحكم، التي ينتهجها الحاكم. أي على الحاكم ألا ينعزل عمن تعاقد معهم، وأمّنوه، على قيادتهم، لأنّ عزلته عنهم تنمّي فرديته، فتصبح قراراته استجابة لهواه، بدلاً من أن تكون منبثقة من رؤية الشعب.

      وقد أورد أبو حيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة مقولة لديوجانس حين سئل "متى تطيب الدنيا قال إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها" ذلك لأنّ الفلسفة حكمة في الرؤية والسلوك وبصيرة في استقراء الكينونة الإنسانية في اتصالها مع العالم. وما ربط أبي حيان بين الفلسفة والحكم إلا لأنه كان على بصيرة في فهم العلاقة الجدلية بين الظاهرة السياسية والرؤية الفلسفية كمقدمة للعلاقة السوية بين النظام السياسي والرعية لتكون النتيجة سعادة للفرد والمجتمع.

      ومن جهة أخرى تشير هذه المقولة إلى خصوصية الشخصية القيادية ودورها في ترسيخ القيادة الراشدة، والفاعلية في التجربة السياسية، فعلى القائد السياسي أن يكون ذا رؤية كاشفة، وبصيرة نافذة، وعقل مستقرئ، وفكري يعي، أي أن يكون فكره وفلسفته محصلة لوعيه، فحسب برغسون «من يقلّ فكراً يقل قبل كلّ شيء وعياً» حيث الوعي «همزة وصل بين ما كان وما سيكون إنه جسر بين الماضي والمستقبل» وبالتالي  ينفتح المعنى الفلسفي للوعي على طاقة الإنسان الروحية والاستبصارية، وعلى طاقته في معرفة الوجود والعالم انطلاقاً من قاعدتي الاستناد والتطلع.

      وقد حدّد ابن طباطبا خصال الحاكم الفاضل بعشرة خصال هي العقل والعدل والعلم والخوف من الله تعالى والكرم والهيبة والسياسة والوفاء في العهد والاطلاع على غوامض الأحوال، ودقائق أمور الرعية،..وحين نستقرئ هذه الخصال  في شخص المغفور له بإذن الله الشيخ زايد  نجد أنّ تلك الخصال هي التي تمثلها الشيخ زايد فكراً وقيماً وعملاً وسلوكاً في علاقاته المختلفة سواء أكانت بينه وبين المراكز القيادية في الدولة، أم كانت بينه وبين أفراد الشعب، أم كانت بين دولة الإمارات وبين الدول الأخرى، أي أنّ الشيخ زايد جعل من هذه الخصال معياراً لصلاح الدولة والمجتمع، ومعياراً لسلامة العلاقات الدولية المتبادلة. فقد كان المغفور له الشيخ زايد حاكماً وحكيماً اتخذ من الحكم سبيلاً لإقامة العدل بين الناس فساسهم بالتقوى والحكمة والموعظة الحسنة، فأمّنوه ووثقوا به لأنّه كان على اتصال مباشر معهم لا كمحكومين وإنما كشركاء في الحكم، وشركاء في الوطن وشركاء في تأصيل الحاضر في المستقبل.

      «إنني أريد من كلّ مواطن أن يعبر عن رأيه بصراحة، لأننا نتلمس من هذه الآراء رغبات المواطنين، ونعمل على حلها، وأنا مع النقد البناء، وكل مجاملة على حساب المصلحة العامة أرفضها رفضاً باتاً، فالذين يربطهم مصير واحد لا تجوز بينهم المجاملة في غير حق» فالشيخ زايد رحمه الله كان يؤسس لدولة ديمقراطية تنسجم مع القيم والمثل العليا الراسخة في ذات الإنسان العربي، فهو يقدّم مفهوماً للديمقراطية ينهض من خصوصية المكان والزمان والإنسان، كما ينهض من مفردات الواقع بعيداً عن الشعارات التي لا تطعم ولا تغني من جوع: "إنّ بعض الناس يظنون أنّ هذا المجتمع لم يعرف النظام الديمقراطي من قبل، وهذا خطأ لأنّ الآباء والأجداد عرفوا الشورى وآمنوا بها من قبلنا لقد فعلوا ما نفعله الآن، لكن كل بطريقته ومفاهيم عصره، وسوف يظل مبدأ الشورى من أهم أسس حياتنا وإلى الأبد، وأنا أتطلع إلى المستقبل عندما يأتي الأبناء ويستمرون في تطبيق هذا المبدأ بما يتلاءم وحياتهم وعصرهم ونظمهم «ومن هنا تصبح الديمقراطية الإماراتية معياراً للعلاقة الصحيحة بين الحاكم والشعب، لأنّها تنطلق من خصوصية المجتمع، بإنسانه ومكانه وزمانه وقيمه وتراثه، ووعيه للتحولات الحضارية، وإيمانه بقدراته على صنع مستقبله، لذلك كما يقول الشيخ زايد "الديمقراطية في دولة الإمارات العربية المتحدة ليست شعارات وليست مجرد نصوص في الدستور، إنها واقع عملي، سواء على مستوى السلطة العليا للبلاد، أو على المستوى الشعبي».

وكما يرى الباحث حمدي تمام "إن لقاءات زايد بالشعب مبدأ أساسي من مبادئه في الحكم، وديمقراطية الحكم، وقد دفع سموه إلى تحقيق هذا المبدأ بكل إصرار، لأنّ نجاح أي حاكم في رأيه يتوقف على عوامل كثيرة أولها إيمانه بالشورى وديمقراطية الحكم، كما أنّ أحد أعمدة الدولة في رأيه يكمن في الحرية حرية المواطن في إطار التقاليد والعادات التي تحفظ كيان هذه الدولة على أن تحمي الحرية الفردية وتنظمها القوانين، ففي ظلّ الحرية يعيش المواطن بلا خوف، ويحافظ على المكاسب العظيمة التي حققتها له الدولة، ويدافع عن الاتحاد، كما أنّ الحرية لدى زايد هي الغذاء الرئيسي والطبيعي الوحيد للشعب المتطلع إلى الرقي" وهذا ما أكد عليه الشيخ زايد بقوله "إنّ الحاكم يجب أن يلتقي بأبناء شعبه باستمرار ويجب أن لا تكون بينه وبينهم حواجز مهما كانت الظروف.. وأنّ الحاكم حين يكون مطمئناً وواثقاً يوكل إلى أبنائه وإخوانه المسؤولين مساعدته للوصول إلى ما هو أفضل للوطن .... إن بابنا مفتوح وسيظل كذلك دائماً".

      فلم تكن القيم الديمقراطية قيماً وافدة أو طارئة على مجتمع الإمارات وإنما هي قيم راسخة وأصيلة في ضمير الإنسان الإماراتي وفي ضمير السياسة الإماراتية، وبالتالي أسس الشيخ زايد حكمه وقيادته على ثوابت من القيم والمثل العليا التي أصبحت معيارية لاستقرار الحكم والنظام للنهوض والتقدم والارتقاء، ومعيارية للآخرين في فهم ديمقراطية الحكم على هدي من الحكمة و المعرفة والتقى.

ولا بأس أنّ نقارب مفردات هذه الفلسفة التي جعلت من الصحراء جنة خضراء، ومن الرمل أبراجاً شاهقة ومن الحلم واقعاً ملموساً، ومن العزم طاقة خلاقة ومن الطاقة عملاً مستمراً، ومن العمل سعادة ومن السعادة وطناً يشهق برؤيته إلى الفضاء.

      وستكون لنا وقفة مع مفردة كانت لبنة راسخة في بناء الاتحاد، وفي بناء مشروع النهضة الإماراتية وهي مفردة (الإنسان) لنتوقف في مقالات قادمة عند المفردات الأخرى التي شكلت بتكاملها أساساً قوياً لبناء نهضة معيارية لا مثيل لها في التاريخ العربي المعاصر. 

 

الإنسان أولاً الإنسان دائماً

أدرك الشيخ زايد منذ البداية أنّ الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأنّ بناء الإنسان هو أوّل حجر في بناء صرح النهضة، وفي تأسيس دولة قوية راسخة قادرة على مواجهة كلّ التحديات، لأنّ النهضة لا تستوي على مقامها ولا الحضارة على رؤاها، إذا لم يكن الإنسان محورها ووسيلتها، وغايتها، وباستقرائنا للتاريخ الإنساني عبر تحولاته الحضارية، يتكشف لنا أنّ المشاريع النهضوية التي شكلت حركة أصيلة في المجتمع الإنساني، كانت على بصيرة في فهم العلاقة بين النهضة والإنسان.

فالنهضة تَحوّلٌ في الفكر والمفاهيم والرؤى على خلفية من الوعي الراسخ في استشراف العلاقة بين الحاضر والماضي والمستقبل، أي فهم العلاقة بين الكائن والزمن، لأنّ الإنسان هو الذي يجعل للزمن معنى، وهو الذي يجعل للتحولات الحضارية قيمة في بناء مجتمع إنساني تحكمه المثل العليا والمبادئ والقيم، وتؤصله الحكمة والمعرفة والرؤى.

      وإذا كان الإنسان محوراً في كلّ النظريات الفلسفية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية والإدارية، لأنه أساساً غاية الوجود، فإنّ هذه المحورية تختلف في طبيعة معالجتها وطبيعة اقترابها من الإنسان كقيمة، وكذات.

      ولعلّ تفاوت هذه المحورية بين منهج ومنهج ونظرية ونظرية، مرده إلى الغاية التي تقف وراء تلك النظريات في اكتشاف الإنسان، فغاية الفيلسوف تختلف عن غاية عالم الاجتماع وتختلف عن عالم النفس وكذلك عن عالم الاقتصاد والإدارة ..الخ أما عندما يكون الإنسان مبدأ ووسيلة وغاية لا لاكتشافه، وإنما لاكتشاف العالم من أجله، تصبح النظرية عندئذ في أقصى حالات الاقتراب من روح الإنسانية وفي أقصى حالات الانسجام بين المبدأ والغاية.

      وباستقرائنا لفلسفة النهضة الإنسانية في دولة الإمارات العربية المتحدة، يتبيّن لنا ذلك الانسجام الذي أنشئت عليه فلسفة التأسيس وتابعتها فلسفة التمكين، ذلك لأنّ هذا الانسجام لم يكن مستدرجاً من خارج الذات، ومن خارج الفلسفة النهضوية، وإنما هو مكون من مكوناتها، ومبدأ من مبادئها التي نهضت عليه تلك الفلسفة.

      ففلسفة الشيخ زايد منبعها الإيمان المطلق بالله وأنّ للإنسان ما سعى، ومبدؤها الاجتهاد والتجربة، وإذا استوت هذه المقدمات في العقل والروح، والسلوك، كانت النتيجة الوصول إلى السعادة القصوى، وذلك بتحقيق الانسجام بين مسعى الإنسان وإرادته الذاتية، وبين إيمانه العميق بإرادة الله، لتستوي هذه السعادة في رؤى الكائن البشري، ما يحقق الشكل الأرقى للمجتمع الإنساني.

      ولاشك أنّ محورية الإنسان هي محورية دولة الاتحاد، تأسيساً وتمكيناً، فالإنسان كما يراه المغفور له الشيخ زايد هو أساس أية عملية حضارية، ومحور كل تقدم حقيقي مستمر، وهو الثروة الحقيقية التي تُسخَّر لها كل الثروات، لأنّ الإنسان هو الذي يمنح الروح للفكرة والنظرية والحضارة.

      ومن هنا فإنّ التنمية في الإنسان هي التنمية في الوطن والتنمية الوطنية هي بالضرورة تنمية في ذات المواطن، وهذا ما يجعل التنمية منشأة على رؤى تكاملية شاملة، فطاقة الإنسان هي التي تتفاعل مع البيئة المحيطة بإمكاناتها المختلفة كذلك الأمر، إن الطاقة المحيطة بالإنسان تحفز وتسهم في تفجير طاقاته على الإبداع والعطاء لذلك سعى المغفور له الشيخ زايد رحمه الله منذ الخطوات الأولى إلى تسخير كل الإمكانات المتاحة لتنمية الإنسان باعتبار ذلك ضرورة وطنية لتكون هذه الضرورة هي المعيار الذي تستجيب له التنمية الشاملة. ومن هنا فإنّ فلسفة التأسيس كانت واثقة بالنتائج ثقتها بالمقدمات، لأنّ المقدمات نشأت على خلفية فلسفية من رؤى العقل والبصيرة، فنظرية الحكم في فلسفة التأسيس لا تنفصل عن نظرية البناء، والانتماء، ويمكن أن تستوي في معناها الكلي كنظرية للإنسان، بالإنسان من أجل الإنسان. «إنني مثل الأب الكبير الذي يرعى أسرته ويتعهد أولاده ويأخذ بيدهم حتى يجتازوا الصعاب ويشقوا طريقهم في الحياة بنجاح».


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية