زايد حاذق بدقائق التاريخ وحقائقه الجوهرية على المستويين الفلسفي والمعرفي

       ومن لا يدرك حقائق التاريخ ومكوناته العلمية ليس بعاقل، وربما يكون من الجاهلين. أما من ألمَّ به وسَبَرَ مجاهله وكشف خفاياه، أضاف لعمره أعماراً، بالمعنى الإنساني الفاعل في الوجود. كما يقول الشاعر العربي:

ليس بإنسان ولا عاقل            من لا يعي التاريخ في صدره

ومن درى أخبار من قبله         أضاف أعماراً إلى عمره

 

       المؤكد أنّ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طَيَّبّ الله ثراه) كان عارفاً، بل حاذقاً بدقائق التاريخ وحقائقه الجوهرية على المستويين الفلسفي والمعرفي؛ بكلّ المفاهيم الأنثربولوجية والسيوسيولوجية المعاصرة، كما لو أنّه رحمة الله عليه كان ينتمي إلى جيلها؛ بالمعنى التأصيلي. ذلك لأنّ معرفته بالتاريخ تكاد تكون شاملة؛ بكل المقاييس أو المفاهيم العلمية الحديث؛ رغم ما يبدو عليه إرثه الثقافي – أقواله - من البساطة في التعبير والتصوير، إلا أنّها مقولات معقولات كما تقول العرب، أي مقولات وافية وشافية، كونها تحيط بدلالاتها العميقة مختلف أبعاد المعنى على كل المستويات المعرفية الكامنة؛ بعلوم التاريخ ودراساته، التي قام بها الفلاسفة وعلماء الاجتماع والإناسة في الماضي والحاضر.

 

       يقول الدكتور منير طه يوسف في كتابه "الكشف عن الأبجدية الأولى لتاريخ الإمارات" إنّ الشيخ زايد كان يكرر على مسامعهم مقولته "إن الدول التي لا ماضي لها لا مستقبل لها". يريد الشيخ زايد أن يقول: إن معرفة الذات أو "الأنا" تحدد مكانتك وقيمتك قبالة الآخر، فالهُوية الثقافية هي وعي بالتمايز في الدرجة الأولى. ويمكن القول بمعنى آخر، إن الشيخ زايد يريد أن يقول: إنّ الذي لا يستطيع أن يعرف نفسه، لن يكون بمقدوره معرفة الآخرين. وينسحب الأمر عينه على الأمم أو المجتمعات، فالأمة التي لا تعرف خصوصياتها الثقافية، لا تستطيع أن تحجز لنفسها مكانة سامية تحت الشمس؛ لأنّها لا تستطيع أن تتواصل أو تتفاهم مع الآخر، ولن يكون بمقدورها التفاعل معه بإيجابية ندية فاعلة، وبالتالي لن تضيف له من روافدها ما يزيده أنسنة. وهو الأمر الوحيد، الذي يجعل من حضورها في الآخر حضوراً لازماً، ولا غنى عنه. وهكذا كانت تتواصل العملية الحضارية في سيرة الإنسان. وهكذا كانت تتكامل الإنسانية في مساعيها منذ فجر التاريخ؛ من أجل السلام والوئام والمزيد من انتصارات الأنسنة والحداثة؛ لتحقيق السعادة، وهي الهدف الأسمى للجنس البشري.

       يحرص زايد الإنسان على تقديم حصيلته المعرفية في التاريخ بأكثر الصور تواضعاً وفهماً وإحاطة بالهدف في آن واحد، من خلال الكشف عن القنوات التي يستقي منها خلاصاته المعرفية، فيقول رحمة الله عليه: "أفضل قراءة الشعر والتاريخ وأخبار القبائل والسِيَرْ؛ لأنني اطلع من خلالها على تجارب الناس، الذين كان لهم دور بارز في خدمة الإنسانية وإدارة شؤونها عبرالعصور". ما يعني أنّ المغفور له الشيخ زايد قارئ نهم للتاريخ العربي قبل الإسلام وبعده – على أقل تقدير- بالإضافة إلى الكثير من التاريخ الإنساني عموماً؛ بهدف الإطلاع على أخبار الناس وسيَرَهُم وتجاربهم. وهذه المعرفة بأحوال الناس هي – بمعنى من المعاني- فحوى وخلاصة الدراسات الأنثربولوجية والسوسيولوجية الحديثة. الأمر الذي يؤكد أنّ مدارك الشيخ زايد المعرفية قائمة على أصالة هُويته الثقافية، التي استقاها من التاريخ العربي والاسلامي، وليس من الجامعات الحديثة، ويعبر عن تلك الحقيقة بالكثير من أقواله وتصرفاته ومواقفه في مختلف المجالات الإنسانية.

       يلخص الشيخ زايد مفهوم الفصل بين الجاهل والعاقل كما ورد في الثقافة العربية قبل الإسلام وبعده؛ بقول بليغ وجامع: "إنّ الجاهل هو الذي يعتقد أنّه تعلم واكتمل في علمه، أما العاقل، فهو الذي لا يشبع من العلم، إذ إننا نمضي حياتنا كلها نتعلم". وهي مقولة لا تبعتد كثيراُ عن مقولتي حكيم العرب قبل الإسلام صيفي ابن رياح: "ويل لِعالم أمِن من جهله". فقول ابن رياح: ويلٌ لعالم، يتجاوز منتهى التحذير، إلى تهديد العالِم، الذي يظن بنفسه، أنها حازت العلم كله، لأنه يدرك مُسَبَقاً، أنّ العلم لا نهاية له، حيث يقول أيضاً: "البَطرُ عند الرخاء حُمق، وفي طلب المعالي يكون العِز". أي أنّ التراخي والغرور أو التشاوف من صفات الحمقى والمغفلين، وليست من صفات العلماء، الذين يدركون بعلمهم، أنّ العلم بحر لا قرار له. وتأكد هذا المعنى بعد الإسلام في القرآن الكريم بقوله تعالى :"وفوق كلّ ذي علم عليم" (سورة يوسف - الآية 76 ).

       وهكذا كان الشيخ زايد سواء بثقافته أو بمكانته، حيث لم تأخذه "طفرة النفط" التي جادت بها الرمال الحارقة بغزارة في عهده، إلى متاهات التعالي أو الانغماس برتعة العيش الكريم، وإنما فاض من وحي قراءته الواعية للتاريخ، بدعوة حازمة عارمة، تنطوي على قدر كبير من الأوجاع، التي تصيب بصدقها وعفويتها الروح والعقل بالصميم، فيقول: "لقد آن لنا أن نستعيد عزتنا ومجدنا، ولن يكون ذلك بالمال وحده. وما لم يقترن المال بعلم يخطط له وعقول مستنيرة ترشده، فإنّ مصير المال إلى الإقلال والضياع".

 ولا يتردّد رحمة الله عليه بتوصيف مكانة كلّ من يتجاوز أو يهمل بوعيه وإدراكاته المعرفية معطيات التاريخ وإشراقاته المُلهِمَةِ، فيقول بثقة العارف أو الخبير المتمكن من أدواته المعرفية: "إنّ الذي لا يفكر في ماضيه واحد من اثنين، إما أن يكون هذا الماضي عاراً، أو يكون إنساناً جاهلاً، فالإنسان الذي لا يفخر بماضيه الناصع لا تكون عنده مقاييس ولا بدّ أن يتعلم".

       يفصل الشيخ زايد بالأمر من دون أدنى لَبْسّ - كونه يخاطب الأجيال الشابة عموماً-، مؤكداً أنّ تاريخهم أو تاريخنا العربي هو ناصع بالدرجة الأولى، وهو مُلهِمٌ بالدرجة الثانية، لأنّه يقرّر أنّ الجاهل بالتاريخ  "لا تكون عنده مقاييس" يقيس بها الأمور، وهي بالتأكيد مقاييس للحاضر الذي نعيش به، وفي الوقت عينه هي مقاييس للمستقبل الذي ينتظرنا، أو كما يقول حكيم الصين كونفشيوس "من أراد المستقبل فليعرف الماضي". ويختتم زايد مقولته بعزم وحزم وحسم، يجعل منها ضرورة مُلِحَّةٍ لا تقبل التأجيل أو التراخي، حينما يجزم بأمر الجاهل بالتاريخ فيقول "ولا بدّ أن يتعلم"، أي لا مناص للجاهل له من التعليم إن أراد الخلاص، الذي هو بالضرورة هدف كلّ عاقل.

       لا ينفكّ الشيخ زايد رحمة الله عليه يكرر بإلحاح، ويشدّد بإصرار على أهمية الوعي بالتاريخ، باعتباره الوعاء الحاضن لموروث الآباء والأجداد بكلّ المعاني المادية والمعنوية، وأيضاً باعتباره إحدى المنارات المرشدة في ظلام الحاضر إلى دروب المستقبل، حسب أكثر الرؤى النقدية الحديثة، فيقول: "إنّ الإلمام بالتراث ينير الأفكار وينير طريق الحياة"؛ لأنّه طوق النجاة والخلاص من ربقة التخلف والجهل؛ كون الموروث التاريخي، وفق المفاهيم الحديثة، يشكّل أهمّ مكونات الهُوية الثقافية للأمّة؛ باعتباره من أهمّ علامات أصالتها، وهي بالضرورة أصالة فاعلة بالمعنى الإنساني - في الحالة العربية -  كونها تختزل مخزوناً ثقافياً قادراً على مقابلة الآخر بندية إيجابية، وخصوصاً في معياريتها التاريخية؛ ببعدها الأخلاقي والديني، التي تكتسب بعض قيمها منذ ما قبل الإسلام - مثل قيم الإجارة والجود والوفاء بالعهود والمواثيق ومحاربة الجوع وحرية التنقل-، وهي قيم تكتسب مشروعيتها الإنسانية في الوقت الراهن من خلال تشريعات ومواثيق الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية، متمثلة بمنظمات "حقوق الإنسان" و"الفاو" و"الأنروا" وغيرها. ما يجعل الشيخ زايد يقطع بضرورة ديمومتها، فيقول: "لا بدّ من الحفاظ على تراثنا القديم لأنّه الأصل والجذور وعلينا أن نتمسك بأصولنا وجذورنا العميقة"، كونها ناصعة وغنية بمضامينها الإنسانية، على كلّ المستويات الأخلاقية والدينية من جهة. ومن جهة أخرى كون الموروث التاريخي يمثّل كينونتنا وسيرورتنا وصيرورتنا الذاتية الفاعلة بالمعنى الحضاري في هذا الوجود.

       يلاحظ الشيخ زايد بعين نقديّة "أنّ العلم والتاريخ يسيران جنباً إلى جنب، فبالعلم يستطيع الإنسان أن يسيطر على تاريخه ويحفظه للأجيال ليطلعوا عليه ويعرفوا ما قام به الأجداد والآباء"، وهي دعوة مفتوحة للتسلح بالعلم للإضاءة على تاريخنا وموروثنا الثقافي بكلّ مستوياته دون تمييز أو شطب أو إلغاء، ومن ضمنه الموروث الشعبي، فيقول: "لقد ترك لنا الأسلاف من أجدادنا الكثير من التراث الشعبي الذي يحقّ لنا أن نفخر به ونحافظ عليه ونطوره ليبقى ذخراً لهذا الوطن وللأجيال القادمة ." ؛لأن الشيخ زايد يعي أن مداميك الحضارة الإنسانية هي تراكم للمنجزات البشرية على مرّ التاريخ، وأنّ الحضارة العربية والإسلامية هي جزء أصيل منها، ويمكن أن تكون فاعلة في المقبل من الأيام على المستوى الإنساني؛ إذا ما جرت عملية محاكاة تاريخنا بعقل علمي نقدي مُلّهِمٍ، يؤسس لهُوية ثقافية جديدة تستمد إنسانيتها من موروثنا الحضاري. لذلك نرى زايد الإنسان يؤكد مجدّداً على "أنّ الإلمام بهذه الحقائق لا يتم إلا عبر قراءة واستيعاب تاريخ آبائنا وأجدادنا على أرض الوطن"، وأنّ "إمكانيات" الاطلاع متوفرة الآن لكلّ راغب من الشباب.

       إذن كان المغفور له الشيخ زايد (طيب الله ثراه) يدرك بالفطرة أنّ التاريخ هو الحاضن للمكونات المعرفية الإنسانية في الماضي، وبهذا المعنى، هو يدرك أنّ التاريخ أو الموروث الثقافي لأيّ أمة، يمثل بوابتها الأكثر رحابة إلى المستقبل؛ بكلّ المعاني الفلسفية والإنثربولوجية والسوسيولوجية، ويدرك في الوقت عينه أنّ التاريخ العربي مازال يكتسب حيويته وشرعيته الإنسانية بالمعنيين الأخلاقي والديني من منظومته القيمية، كونه صيرورة ثقافية لأمّة "مكارم الأخلاق" ومحاسن الأعمال، التي أبدعتها عبقرية الصحراء الفذة في شبه الجزيرة العربية وطرزتها بالعلم والمعالي.

       ونعتقد أنّ سيرة "مكارم الأخلاق" أو محاسن الأعمال العربية، ستبقى بوحي وإلهام ثقافة "زايد" خالدة بعمق فلسفتها الإنسانية على مرّ الدهور وكرّ العصور، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية