زايد .. رب أسرة إماراتية عربية إنسانية كبيرة

يظنّ البعض أنّ لفظة "بدويّ" ناشزة، نافرة، أو أنّها مما هو وعريّ أو حوشي، حسب أرباب اللغة، أو هي على الأقل لا تليق بالمقام ولا بالمقال. ويزيد الأمر بشاعة وشناعة؛ عندما يتمادى البعض فيذهبون بالدلالة إلى معانيها السوقية أو العامية. وهذا جهل فاضح ونقص واضح في فهم الهُوية الثقافيّة العربيّة أو ثقافة الانتماء للغة العرب وأهلها.

 

البدويّ هو نسب لأهل البادية، وفي اللغة هو اسم مشتقّ من الظهور، أي عدم الخفاء، وليس من البدائية، حسب "لسان العرب". والبادية هي الصحراء، والصحراء هي الرحم الذي أنجب الشخصيّة العربية، وكما يقول عمر رضي الله عنه: "البدو هم أصل العرب ومادة الإسلام". وهم الموصوفون بالشجاعة والكرم وسلامة الفطرة والبداهة وتوقّد الذهن والحذاقة. وهم أثقف وأدرَكُ للمعارف من أهل السهول والتلال، أي أهل الحَضر، حسب الجاحظ في "البيان والتبيين"، وابن خلدون في "المقدمة". وفي هذا الشأن يقول المتنبي:

حُسنُ الحَضارَةِ مَجلوبٌ بِتَطرِيَةٍ               وَفي البَداوَةِ حُسنٌ غَيرُ مَجلوبِ

 

وكانت البادية في تاريخ العرب مهد الفصاحة وموطن البلاغة والبيان، وحتّى صدر الإسلام الأوّل، كان الفقهاء والعلماء عندما يستعصي عليهم استبطان معاني القرآن أو الحديث يلوذون بالبادية للبحث عن ضالتهم. كذلك كان المؤرّخون والأدباء يستنجدون بأهل البوادي عندما يصعب عليهم تقويم اللسان العربي وضبط الشعر.

 

يروي ابن اسحق عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم أنّه كان يقول لأصحابه، "أنا أعربكم، أنا قرشيّ، واسترضعت في بني سعد بن بكر". فالرسول الكريم عندما يردّ فصاحته وبلاغته أو بيان خطابه المدهش إلى نسبه القرشيّ، وإلى كونه استرضع طفلاً في بني سعد، إنّما هو يؤكد على منبته الكريم في قريش، ومنشئه السليم في البادية. ومعروف لكلّ الباحثين والدراسين أنّ قريش كانت قبل الإسلام حاضرة العرب ومركز مدنيتهم، أي مركز تجارتهم وعباداتهم وفنونهم وآدابهم؛ بل حاضنة قيمهم ومكارمهم (هذا ما سنوضحه لاحقاً). ورغم ذلك وازى الرسول الكريم في تكوينه الثقافي، أي في سلامة خطابه، الذي يُعدّ في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم.. وازى بين قريش وبين البادية؛ باعتبارها موطن الفطرة السليمة والسليقة اللغوية الفصيحة. وعلى الرغم من الدلالة المنطقية أو العقلانية في صحّة التأويل، أو صحّة ما نذهب إليه، إلا أنّه يمكن القول: يكفي البادية فضلاً وشرفاً أنّها احتضنت خير البريّة قاطبة، وأنّها أنشأت أكرم الأكرمين في الدنيا والآخرة خير إنشاء؛ حتى يكون لها حقّ الفخار والسبق في المكارم الإنسانية والمغانم القيميّة السامية.

 

ومع ذلك لم تكن البادية أو الصحراء في شبه الجزيرة العربية مجرّد ملجأ لتأويل الحديث وتفسير إعجاز القرآن وتقويم اللسان وتصحيح البيان فقط، وإنما شكّلت صحراء العرب بوتقة العبقرية الخالصة في صناعة ثقافة "مكارم الأخلاق"، وهي ثقافة عربية بامتياز، وهي الأرفع والأنبل بين ثقافات الأمم قاطبة، وليس أقلّ الدلالات على رهافتها وشفافيتها الإنسانية، أنّها أنتجت "حلف الفضول"، الذي عقدته خمس بطون من قريش في مكّة قبل الإسلام، وهو الميثاق الأوّل في التاريخ الإنساني الذي يقوم على الانتصار للمظلوم ضدّ الظالم، وتحقيق الأمن والأمان للعابر والزائر والمقيم، حسبما يقول الداعي للحلف، الزبير بن عبد المطلب:

حَلَفْتُ لَنَعْقِدَنْ حِلْفَاً عَلَيْهِمْ               وإنْ كُنَّا جَمِيْعاً أهْلَ دار

نُسَمِّيه الفُضُولَ إذا عقَدْنا               يَعِزُّ بهِ الغَرِيْبُ لَدَى الجوارِ

ويَعْلَمُ مَن حَوَالي البيتِ أنَّا              أباةُ الضَّيْمِ نَهْجُرُ كلَّ عَارِ

 

ويقول الزبير عن حلف الفضول كذلك:

إنَّ الفُضُوْلَ تَحَالَفُوا وَتَعَاقَدُوا           ألاَّ يُقِيْمَ بِبَطْنِ مَكَّةَ ظَالِمُ

أَمْرٌ عَلَيْهِ تَعَاهَدُوا، وَتَوَاثَقُوا            فَالجَارُ، وَالمُعْتَّرُ، فِيْهِمْ سَاْلِمُ

 

أيضاً، ثقافة "مكارم الأخلاق"، التي أنتجتها عبقرية الصحراء العربية، هي التي سَنَّتْ فلسفة "الشهور الحُرُم"، أي الشهور الأربعة من كلّ عام التي يُحرم فيها القتال، وما شَذَّ منها، سمتها العرب "حروب الفجار"، أي الفجور على الناموس، الناظم للأخلاق والقيم في مرحلة ما قبل الإسلام. ما يعني أنّ الشهور الحرم، تمثّل قاعدة تختزل فلسفة صناعة الحياة؛ بأبهى وأرقى الصور الإنسانية، مقابل صناعة الموت التي كانت تحكم ثقافات الأرض في الأزمنة الغابرة. ومن ثمّ من يقول إنّ قيم الحياة تموت؟ ربما تضمحل، وقد تتراجع أو تنزوي في بعض الأزمنة؛ مثلما يحصل في زمننا الراهن، إلا أنّ المؤكد الذي ما بعده تأكيد أنّ جذورها باقية ما بقي للخير موطئ قدم في الدنيا الفانية. ولذلك ستبقى قيم الخير كامنة كمون الجمر، ومع أقل نسمة ريح كريمة سوف تتوقّد ووتوهّج حتى تملأ الأرض جمالاً ومسرّة. ما يعني أنّ قيم الخير مغروسة عميقاً في الأرض، وتبقى على الدوام جاهزة لتفرخ وتزهر من جديد؛ عندما تجد التربة الخصبة. وربما من بقاياها الكامنة؛ ما عبر عنه حكيم بدوي معاصر، حينما سئل:

- كيف تختارون قادتكم؟

فقال:

- بالزند القوي والعقل السوي.

أجل، فالقيادة والسيادة، لا تكونان بغير العزيمة والإرادة، كما لخصهما في الماضي البعيد المتوكل الكناني، شاعر كنانة:

إِنّا وإنّ كرُمت أوائلنا            لَسْنَا على الأحْسَاب نَتَّكِلُ

نبْني كما كانت أوائلُنا            تَبْني ونَفْعل مثلَ ما فَعَلُو

 

وهو ما يتطلّب العزم والحزم. وهاتان الثيمتان تستدعيان العقل؛ بكلّ أنواره الساطعة، وإشراقاته الماتعة، وتجلياته السافرة الباهرة.

كذلك لا تكون الزعامة والرياسة بالوراثة فقط، وإنّما بالمكرمات التي تحفر عميقاً في الوجدان الإنساني، فلا تموت؛ بل يكتب لها الخلود، كما يقول "مُلاعب الأسنة"، عامر بن الطفيل، سيد عامر الأغر (أشهر بطون قيس) وفارسها المحجل، حسب توصيف الرواة:

وإنِّي وإنْ كُنتُ ابن سَيِّد عامرٍ   وفارِسها المَشهور في كُلِّ مَوْكَبِ

فما سَوَّدتني عامرٌ عن وراثةٍ   أبىَ الله أنْ أسْمُو بأمِّ ولا أبِ
ولكنّني أحمي حِمَاها وَأتَّقي             أَذاها وأرمي مَن رَماها بِمنْكبِ

 

أيضاً لا يدوم العِز الموروث بغير العلم المحروث، المغروس بأرض التجارب والخبرات والمعارف، كما يقول حكيم العرب الأحنف بن قيس:

كادت العلماء أن يكونوا أرباباً... وكل عزٍّ لم يؤيد بعلم فإلى ذلّ يصير.

 

من هذه المناقب الإنسانية، ومن هذه السمات العبقرية تجوهرت الشخصية العربية الأصيلة، شخصية مكارم الأخلاق النبيلة، شخصية محاسن الأفعال النادرة في الوعي والذاكرة. وهو ما جمعه "زايد الإنسان" في شخصيته البدوية الأصيلة؛ لأنّه (رحمة الله عليه) كان يدرك ذلك حقّ الإدراك، ويعرفه حقّ اليقين؛ من دون كثير فلسفة أو جهد بيان أو تبيين، فهو يقول ويحسن القول بِرَدِّ القيم إلى موطنها، "هذه هي طبيعة رجل الصحراء، وأنا رجل من الصحراء، وأحب الصحراء"، ويضيف مبيناً كفاح الصحراوي أو البدوي في الصبر؛ لتحقيق المكارم، فيقول، "والذين صبروا أجيالاً فوق هذه الرمال؛ حتى نبت فيها الخير.. هؤلاء يعلموننا أن نصبر طويلاً حتى تقوم الدولة التي نطمح إليها". وهناك عشرات الأقول التي تكشف معرفة زايد العميقة بهُويته الثقافية، النابعة من فهم أصيل؛ لتاريخ المكان وسيرة الأجداد الأوائل، تلك السيرة السنية، التي كانت تلهم روحه وتصقل أخلاقه وتفولذها بالمكارم والمعالي.

 

أما كيف غَيَّرَ "زايد الإنسان" عادة التاريخ، وكيف غادر الكتب المركونة على رفوف الماضي إلى الحاضر المستمر، إلى الوعي المستقرّ في الفكرة الملهمة والخيال الإبداعي الخلّاق، فتلك مسألة فيها نظر؛ بل فيها عظات وعِبَرْ لأهل الوبر والمَدَرْ، كما يقولون، ومعهم قبيلة  "المُعاصَرة" وعشيرة "الحضارة" وكلّ أهل الحداثة؛ وكأنّ تجربة زايد الإنسان، وخلاصة مهاراته في القيادة والريادة هي يقين العقل، أو عين اليقين، ذلك اليقين المؤكد بالشواهد الملموسة والمحسوسة في مختلف التفاصيل، الشواهد المغروسة في الوعي جيلاً بعد جيل. ما ينفي الحاجة للتحليل والتأويل. ذلك لأنّ زايد الإنسان له لمسات دافقات متعددة المستويات، نفحات حانيات دافئات موزعة في كلّ الاتجاهات، بصمات باهرات تمهر الأرواح ببلسمها؛ قبل أن تلهب الذكريات أو تشعل المخيلات. وهذا ما يميز (المغفور له) الشيخ زايد عن غيره من سادة التاريخ شرقاً وغرباً؛ إذ لا فرق ولا اختلاف في شخصية الراحل ما بين زايد القائد، أو زايد الرائد؛ لأنّه قرّر منذ نشأته الأولى أن يكون زايد الإنسان، لا زيادة ولا نقصان، زايد الإنسان، كما أراده الله في الخلق الأوّل، حينما فضله على غيره تفضيلاً. وهذا بالتحديد ما يجعل زايد دائم الحضور، لا يعرف الغياب ولا يقبل الأفول، ما يجعله عصي على التواري أو النسيان.

 

زايد يتورَّد في كلّ حين، يزهر ويثمر كما البساتين، يتسيَّد البهجات والمسرات مثل مواسم الجنى في الحقول والبراري، في الروابي والسهول، زايد يتزيَّد ويتجدد بالمكرمات؛ كما تتجدد الفصول، زايد يتعدّد ويتبغدّد تيهاً على كلّ رجالات التاريخ العظام، فهو دائم الحضور في الوعي والذاكرة، في الفكرة والخاطرة. زايد الإنسان شأنه شأن الريحان لا يعرف الذبول أو الأفول، يتوهّج وكأنّه فرحة سحرية، غزلتها مخيلات أسطورية. وهذا الحضور المدهش، الحضور المتجدّد مع الأيّام والسنين؛ ليس بالأمر الغريب، فزايد الإنسان في الواقع والحقيقة، هو كما يعرّف نفسه، ابن الصحراء العربية، أرض المرسلين وموطن الأنبياء، ابن فلسفة "مكارم الأخلاق" وعبقرية محاسن الأفعال، سليل آيات السناء والأيادي البيضاء، هو خَلَفُ أولئك الأباة الكرام في تاريخنا العربي، الذين قهروا الجوع بالجود، وانتصروا على الجدب بالسخاء في تاريخنا المضيء. وهو ما قام به زايد، حيث راح يقهر الشح والقِلَّة في الصحراء، وينتصر للإنسان بالمكرمات والآيات النافلات، الحافلات بالحدب والجود والسخاء والسناء، معتبراً ذلك من طبيعة الأمور، ولا فضل له في ذلك؛ لأنّه إن قدم وأعطى، وحرص ورعى، إنما هو يسهر ويحدب ويجود على أهله، فهو القائل: إنّني مثل الأب الكبير الذي يرعى أسرته، ويتعهد أولاده، ويأخذ بأيديهم حتى يجتازوا ويشقّوا طريقهم في الحياة بنجاح. فالحاكم ما وجد إلا لخدمة شعبه؛ ليوفر لهم سبل التقدّم والأمن والطمأنينة والاستقرار.

 

ولكن هل كان الشيخ زايد ربّ أسرة ظبيانية أو إماراتية كبيرة، أم أنّه ربّ أسرة إماراتية عربية إنسانية كبيرة؟

 

لقد كان زايد الإنسان ربّ أسرة كبيرة بالفعل، هكذا كان يفكّر، وهكذا كان يتصرف، إذ لا هَمّ له سوى راحة وسعادة كلّ من حوله، مشغول بفرحهم وأمنهم واستقرارهم، مهجوس بمستقبلهم ورفاهيتهم.. بل بكلّ ما يجعلهم الأفضل في المحيط القريب، الذي يتولّى أمره. وما يدلّ على ذلك أنّ الشيخ زايد (رحمة الله عليه) عندما كان حاكماً في العين لم يكن يتدخل بالشؤون الصحية والتعليمية والأمنية في حياة مواطنيه فقط، وإنما يدقّق بأقلّ التفاصيل المعيشية والاجتماعية.

 

يقول عبد الحفيظ خان، وهو أوّل مستشار زراعي للشيخ زايد؛ عندما كان رحمة الله عليه ممثلاً للحاكم في العين، أنّ الشيخ زايد أصرّ عليه، بضرورة استنبات الخضروات التي لم تكن معروفة بحياة مواطنيه، وأمره بالعمل على استحضارها من بيروت، حيث وصلت بعد ثلاثة شهور على متن السفينة "دامرة" في 12 صندوقاً تحوي شتولاً جاهزة للزراعة. وجرى توزيعها على الناس، موضحاً لهم كيفية زراعتها، والعناية بها. بعد ذلك أمره الشيخ زايد بالاستعانة بالدكتور بات كينيدي؛ لأنّه معروف للناس ويثقون به؛ كي يشرح لهم كيف يتناولونها ويطبخونها؛ بعد إقناعهم بفوائدها الصحية.(الإمارات اليوم، 7 يونيو 2015).

 

أمّا على مستوى السياسة ورسم الاستراتيجيات ورعاية الأسرة الكبيرة، فكان الشيخ زايد منذ نعومة أظفاره حكيماً، حليماً، عليماً.. كان بصيراً، خبيراً في فنون التفكير وأمور التدبير، على مدى سنوات حكمه؛ سواء في العين، أو على رأس إمارة أبوظبي، أو في قيادة عملية جمع الشمل وتوحيد البلاد، فيقول بثقة لا تتزعزع: "إنّ إيماننا بالاتحاد ينبع من تاريخنا العربي والإسلامي؛ فقد وحّد الإسلام العرب وجمع شملهم، وصنع منهم قوّة واحدة، استطاعت أن تفتح القلوب والعقول بنور الإيمان والمعرفة، وأن تهدي إلى العالم كلّه حضارة رائدة مازالت الإنسانية تجني ثمارها حتّى الآن." إلا أنّ الأغيار واستراتيجيات الاستعمار بـ"فرق تسد"، لعبت لعبتها بوهم الاستقلال، فطارت دولة الإمارات بسبعة أجنحة، وراحت تحلّق في فضاءات لم تكن يوماً صافية، بل كانت ملبدة بالغيوم والمكائد والهموم ومعها كلّ أشكال السموم. ومع ذلك لم تتوقف مساعي زايد، ولم يُخف همه أو يداري حِلمه؛ بجمع البيت العربي، فيقول بجرأة لا تعوزها دراية أو مهارة، ولا تنقصها  شجاعة أو جسارة: "إنّنا نؤمن بالوحدة وطنياً وخليجياً وعربياً وإسلامياً إيماناً لا يتزعزع ولا يتطرق إليه الشك".

 

وإذا ما تلمس البعض حقيقة أحلام زايد الوحدوية، وراح يهمس بها، وكأنّه اكتشف سرّاً دفيناً، كان الشيخ زايد يجاهر بها أعلى فأعلى، ويفاخر بأنفة لا يعرفها سوى الفرسان النبلاء، أباة الضيم من أهل العِزَّة والمروءة والشهامة، فيقول: "يتهمني الناس بأنّني وحدوِي. هذه تهمة لا أنفيها. طبعاً أنا وحدوي، ولكنّني لا أفرض الوحدة على أحد. إنّ الاتحاد هو طريق القوّة وطريق العزّة والمنعة والخير المشترك".

 

ويوضّح ما يرمي إليه بلسان فصيح وبيان صريح؛ وكأنّه يوجّه رسائل برقية مستعجلة إلى ذوي الأفهام؛ بما قلّ ودلَّ من الكلام، فيقول "إننا نعيش في عصر لا مكان فيه للدويلات الضعيفة الهشّة، وإنّه لا بقاء إلا للكيانات العملاقة؛ القوية اقتصادياً وبشرياً وعسكرياً. لذلك سعينا دائماً إلى تحقيق هذا الهدف في توجهاتنا الوحدوية على كافة الأصعدة".

 

لم يتوقّف زايد الإنسان عند المعوقات والمحبطات أو المثبطات أو كلّ أشكال القصور، ولم يداخل عزيمته وهن أو فتور. كان يبدو ثابتاً كما الجبال في رسوخها وشموخها، وفي الوقت عينه كان هادئاً كما البحر في سكونه وغضباته، ولكنه بداخله كان يطوي بركاناً يمور ويفور بالأحلام والطموحات العظيمة. ورغم ذلك لم يترك بركانه يثور، فيعطّل أو يؤجّل المسيرة، لأنّه كان حكيماً صبوراً، يوازن بين الأمور، يُقلب المواقف، يُرخي الحبال والخيطان للاعبين الإقليميين والدوليين، يُطلق لهم العنان.. ولكنه لم يترك لهم الحبل على الغارب، وعندما يَحِقُ الحق، وتَدِقُ المواقف، وتستدعي الوقفات المشهودة كان يقطع السباقات القصيرة والطويلة، ويختصر المسافات غير هيّاب، فيقول ويُسمع من ضُربت على قلوبهم آكنة أو من كان بآذانهم وقر، " إن دولتنا الفتية جزء من الأمة العربية، يوحّد بيننا الدين والتاريخ واللغة والآلام والآمال المشتركة." ولا يفتأ زايد الإنسان، ربّ الأسرة الكبيرة أن يعيد ويزيد لكلّ مستزيد، فيقول" إنّ إيماننا بوحدة الصف العربي ودوام تضامنه واستمرارية هذا التضامن وبروزه صفاً متميزاً؛ له هويته السياسية والثقافية والتاريخية، النابعة من العروبة والإسلام".

 

هذه المواقف للشيخ زايد؛ بشأن حلمه في الاتحاد، أو كونه يمثّل ربّ أسرة كبيرة؛ سواء على المستوى الوطني الإماراتي أو العربي عموماً، هي ليست مجرد خُطَب إعلانية أو شعارات سياسية، وإنّما هي تجسيد لقناعة وثقافة زايد الإنسان. لذلك تجده يعبّر عنها ببساطة، ويمارسها بعفوية متناهية، فتأتي دلالة القول ساطعة، لا تحتاج إلى براهين أو أدلة؛ لأنّ وحدة الصف والتضامن واستمراريته يعتبرها من بديهيات الأمور، فالحاجة السياسية لحماية الذات وضمان المستقبل مسألة بَيِّنَةٌ، والوشائج الثقافية بين العرب، (أي وحدة اللغة والدين والتاريخ المشترك) التي تعتبر أعمدة التوحيد الرئيسية، هي من المتانة والقوة ما يكفي لجرّ قاطرة الاتحاد؛ فيما لو صَفَت النوايا وخَلُصَت الإرادات، والتجربة التاريخية في الحضارة العربية والإسلامية، موثّقة بشواهد مازالت ماثلة في الوعي العربي والإسلامي عموماً. لذلك نجد الدلالة تكشف بيسر ما بعده يسر عن محمولات أقوال زايد الفكرية، وتضيء بكشافات باهرة على مدى فهمه لهُويته الثقافية، أو مدى وعيه لعروبته الموشاة بمكارم الأخلاق التي تمّمها الإسلام، فأحسن تمامها على الوجه الإنساني الأشمل والأكمل. فالاتحاد الإماراتي أو العربي سيان؛ بالنسبة لزايد الإنسان، وكذلك كونه ربّ أسرة كبيرة، إماراتية أو عربية سيان أيضاً؛ لأنّ الوطنية والعروبة لا ينفصلان في السياسة أو الفكر والثقافة؛ بالنسبة للقائد زايد، والواجب الأخلاقي والديني أو الإنساني هو كلٌ لا يتجزأ، في حدب الأب ورعايته وسهره على سلامة الأسرة؛ سواء أكانت إماراتية أم عربية.

 

يقول مرافق الشيخ زايد، سعيد بن دري الفلاحي: إنّه كان ذات يوم في مجلس زايد، فرنّ هاتفه قرابة منتصف الليل أكثر من مرّة، وهو يمتنع عن الردّ؛ احتراماً للمجلس، حتى أمره الشيخ زايد بالردّ، وإذا بسيّدة عربية لا يعرفها (الفلاحي) على الخطّ، تقول بلهفة موجوعة، "تعبت وأنا أبحث عن رقم هاتفك، وأعلم أنك قريب من الشيخ زايد، وأنّك توصل إليه حاجات الناس، إنّني أستحلفك بالله أن تخبر الشيخ زايد عن حالي، فزوجي مدين بمبلغ ستين ألف درهم، وهو في السجن، ولا أعرف كيف أدبّر هذا المبلغ الكبير، فأنا وأولادي في ظروف غاية في السوء، أنا أريد الإفراج عن زوجي، ونعدكم بأننا لن نبقى في بلدكم، لا نريد البقاء بعد الإفراج عن زوجي".

 

يضيف الفلاحي، "حينها سألني الشيخ زايد عن الأمر، فأخبرته الموضوع كما هو، فاستاء الشيخ زايد، واستشعرنا عظيم الحزن والألم على وجهه". ويظنّ الفلاحي أنّ أكثر ما آلم الشيخ زايد قول المرأة، "لا نريد البقاء في الإمارات، نريد العودة إلى بلادنا، فقط، أفرجوا عن زوجي". فيقول: "أمرني بسداد ديون الرجل والإفراج عنه فوراً. وبعد نصف ساعة كنت على باب بيت المرأة أبلغها بأوامر الشيخ زايد بالإفراج عن زوجها، وأعطيتها مبلغاً إضافياً من المال". (منشورة الحكاية في صحيفة "البيان" 2 نوفمبر 2006).

 

هذه الحالة ليست يتيمة في سيرة زايد الإنسان، وإنما نشرت صحيفة "الاتحاد" حكاية مشابهة في 18 يوليو 2014، نقلاً عن الإعلامي حمدي تمام، الذي رافق الشيخ زايد لسنوات عدة، جاء فيها: كان الشيخ زايد (رحمه الله) يقود سيارته على طريق الكورنيش في العاصمة أبوظبي؛ ذات جولة تفقدية.. عندما وقعت عينه على سيدة عربية تلوح له بيد.. وتمسك بالأخرى طفلها الصغير.. وتنادي عليه بأعلى صوتها. فتوقّف. وحالما اقتربت المرأة من السيارة، سألها الشيخ زايد عن حاجتها، فردّت وهي تشهق باكية، "لقد فرّقت بيني وبين زوجي ولا أستطيع الآن العيش أنا وأولادي بعيدة عنه، وأنا أعاني في بلدك أشد المعاناة بعد زجّ زوجي سجن أبوظبي منذ شهور، حيث يقضي العقوبة؛ لاتهامه في قضية تبدبد. وأنت الآن الأمين علينا، ولا نجد ما نسدّ به رمق الأسرة، وها هم الصغار في رقبتك".

 

هاله وجع المرأة؛ بل أذهله الموقف، ما جعله يسألها، "وماذا تريدين مني الآن أن أفعل؟"؛ وكأنه يعتذر منها، حينما يطلب منها أن تأمره بما تريد.

فتابعت المرأة وهي تكفكف دموعها، "أريد يا سيدي وأنت صاحب الفضل أن تأمر بالعفو عن زوجي، والد أطفالي، وأنا أعدكم يا صاحب السمو أن نغادر بلدكم الإمارات في نفس الليلة التي يفرج فيها عن زوجي".

فأمر الشيخ زايد مرافقيه بأخذ بياناتها، وأنهى جولته، ولاذ بالصمت والتأمل تحت وطأة الهموم التي أثقلت على ضميره وناموسه؛ حتّى ألهمه الله على الصواب، فرفع سماعة التليفون متحدثاً إلى سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، الذي كان يتولّى دائرة الشرطة في أبوظبي في ذلك الوقت، فسأله عن عدد المساجين في سجون أبوظبي؟ ردّ الشيخ سيف بأنّه لا يعرف عددهم على وجه الدقة في هذه اللحظة.

فقال له: أمامك نصف ساعة لتعرف وتخبرني.

 

وقبل أن تنتهي المهلة أبلغه الشيخ سيف بالعدد.. وكان يتجاوز المئات في سجون أبوظبي، فقال له: "اسمع جيداً، لا أريد أن يمضي النهار أو يحلّ الظلام؛ وفي أبوظبي كلّها سجين واحد.. اللهم إلا من صدرت ضدهم أحكام تتصل بحقّ الدم". وأمر بصرف مساعدة سخية للمرأة وتوفير فرصة عمل لزوجها في أبوظبي".

التأمّل في الواقعتين، يحيلنا إلى دلالات قيميّة عدة، دلالات إنسانية، حاكمة في وعي الشيخ زايد الإنسان؛ بالدرجة الأولى:

 

الدلالة الأولى

الذهول، وما سميناه "الاعتذار الضمني"، يكشفان عن مدى الألم الذي أثقل كاهل الشيخ زايد بهموم شتّى؛ رغم أنه يعلم يقيناً أنّ الرجلين مذنبان، وأنّهما مسجونان بحكم قضائي. ما يعني أن الوجع الذي أثقل كاهله، هو ليس من نوع الوجع الذي ينبثق من القلب لا شعورياً؛ بدوافع الرأفة أو الشفقة على حال المرأة في الواقعتين، خصوصاً إذا كان المرء يتميّز بالرهافة والشفافية، وإنما أيضاً يكشفان (أي الذهول والاعتذار الضمني) عن وجع آخر، يتجاوز القلب إلى الروح، فيساءلها وتسائله عن مآلات كينونتها، وإلى أين تمضي، وما إذا كانت الروح راضية عن ذاتها أم لا. ما يجعلها تستثير إنسانية المرء ليس على المستوى العاطفي فحسب، وإنما أيضاً على المستوى العقلاني، الذي يذهب بالذات إلى مدارات الإنسانية بكلّ تجلياتها الأخلاقية والدينية. وهنا يكمن الوجع الأكبر الذي يفسر إصابة زايد بمقتل، قادته إلى الذهول وما سميناه "الاعتذار الضمني"، كون الإمرأتين ليستا مظلومتين في تدبير أحوال أسرتهما بعد سجن زوجيهما فقط، وإنّما لأنّهما أيضاً لا تستشعران انتماءهما إلى الإمارات بالقدر عينه الذي تنتميان به إلى إقليمهما أو دولتهما، كما يطمح ويحلم زايد الإنسان.

 

الدلالة الثانية

ربّما في الواقعة الأولى، أنّ الشيخ زايد أمر فوراً بحل مشكلة المرأة؛ بالإفراج عن زوجها وتسديد ديونه، وتأمين وظيفة له، وتقديم مساعدة مالية سخية تساعده على بدء مرحلة جديدة مع أسرته.. ربما حصل ذلك لأنّ الشيخ زايد لم ير المرأة، ولم يسمع شكواها مباشرة، وإنما نقل معاناتها سعيد الفلاحي. لذلك استجاب على الفور، مدفوعاً برهافته وشفافيته الإنسانية، وهي سجية فطرية عفوية في شخصية زايد البدوية، لا تحتاج إلى حوافز عقلية بعد الحوافز الأخلاقية والدينية. ولكن زايد الإنسان في الواقعة الثانية سمع ووعى المشكلة بنفسه، فذهل وأصيبت إنسانيته بمقتل، جعلته يتأمّل ويفكّر؛ ربما ساعات عدّة، حتى أدرك حقيقة أنّ معظم المساجين في أبوظبي ليسوا بمواطنين، وإنّما من الوافدين. فهالته الحقيقة الصادمة، وأصابه الذهول. أجل.. ماذا لو أن نصف هؤلاء فكّروا بمغادرة أبوظبي بعد الإفراج عنهم؟ المؤكد أنّ ذلك يقوض حلمه في الاتحاد الإماراتي، ويهدّد طموحاته في أن يكون رب أسرة كبيرة. وهذا بالضبط ما جعله يزيد على مكرمة الواقعة الأولى، حيث أمر بالإفراج عن جميع المساجين في سجن أبو ظبي. وتكفّل بحلّ كلّ مشكلاتهم المالية على حسابه الخاص.

 

 

 الدلالة الثالثة

إنّ الحقيقة الصادمة التي خلُص إليها بعد تأمّل وتفكير دام ساعات عدّة، لم تتوقف تداعياتها على خشيته من سقوط الحلم بالاتحاد الإماراتي والعربي، وتداعي مشروعه، وكونه ربّ أسرة كبيرة فحسب، وإنما اعتبر نفسه أخفق أيضاً في مشروعه الإنسانوي برمته، ولذلك عندما أمر بالإفراج عن جميع المساجين لم يفرق بين ظبياني أو إماراتي أو عربي أو من جنسيات أخرى، ما عدا المحكومين بالدم، وهو حكم شرعي قبل أن يكون قضائي، وبطبيعة الحال لا يستطيع أن يتجاوزه؛ من دون موافقة ولي الدم، (هكذا تقضي الشريعة، وهو من خير الحافظين لها)، ومن ثم أمر بحلّ المشكلات المالية لجميع المساجين من حسابه الخاص؛ لأنّ جوهر حلم زايد ليس الاتحاد على المستوى الإماراتي أو العربي فحسب، وإنما هو حلم يتسع للإنسانية قاطبة؛ وإنْ لم يجهر به علانية، إلا أنّ أقواله وأفعاله المؤنسنة تشهد أنّ البعد الإنساني أصيل في سجيته الفطرية أو العفوية، وهي التي كانت تحكم أقواله وأفعاله على مختلف الصعد، الإماراتية والعربية والعالمية. وكأنّ الشيخ زايد عندما يأمر بتوظيف الرجلين وتقديم مساعدة مالية سخية، ويأمر بالإفراج عن جميع المساجين دون تمييز بين جنسية أو إثنية وأخرى، وحلّ مشكلاتهم المالية من حسابه، إنما هو أراد أن يقول لهم: "لا تغادروا.. فهذه البلاد بلادكم، وأنا ضامن لكم كرامتكم وراحتكم وحامي إنسانيتكم".

 

وفي هذا الإطار تقول (البريطانية كما نظن) إليزابيث، وهي إحدى العاملات في قصر الشيخ زايد، "عندما بدأت العمل لدى الشيخ زايد كنت شابة خجولة، وكنت أخاف كلما كان يمرّ من أمامي؛ لأنّه بالرغم من كلّ شيء، يبقى رئيس دولة. كنت معتادة على المشي وظهري منحني ونظري بقدمي، وحالما لاحظني الشيخ زايد ذات مرة، قال لي؛ "أعدلي ظهرك، المرأة يجب أن تسير وظهرها مستقيم، ورأسها مرفوع إلى الأعلى، يجب أن تفتخر بأنها إمرأة". (موقع أخبار24- 27 فبراير- 2016).

موقف زايد الإنسان من المرأة، يتميّز بنبل حقوقي وأخلاقي وإنساني شامل، نبل لا يتجزأ ولا يتغيّر أو يتبدّل، ولا يقبل التحليل أو التعليل في كلّ المواطن، مهما اختلفت التفاصيل أو تبدّلت الأحوال.

 

كذلك، في واقعة أخرى (تذكرها صحيفة البيان -17 يوليو – 2014) أنّ الشيخ زايد،  طيب الله ثراه، كان في رحلة علاج إلى بريطانيا، فقابل شاباً عربياً يتعالج في المستشفى، وهو مقيم في بريطانيا من أجل الدراسة، فأمر الشيخ زايد بدفع تكاليف علاجه، حينذاك لاحظ الشيخ زايد أنّ مدير مكتبه يبتسم، وعندما سأله عن السبب قال، "إن الشاب مسيحي"، فردّ عليه الشيخ زايد على السليقة: "لأنّه مسيحي، عالجوه ودرّسوه على نفقتي الخاصة".

 

ويذكر الشيخ حمزة يوسف نائب رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، رئيس كلية الزيتونة في كاليفورنيا، أنّه كان في مجلس زايد ذات يوم، حينما دخل إليه أحد أبنائه بعد عودته من السفر مسلماً على والده، فسأله الشيخ زايد: ماذا فعلت هناك؟ فأجابه، لا شيء؛ لأنهم ليسوا بمسلمين.

 

فقال له الشيخ زايد بالحال، "سمعت أنّ لديهم مشكلة في مياه الشرب، فعد إليهم ولا ترجع قبل أن يشربوا مياهاً عذبة".

هذا هو زايد الإنسان، لا يميّز بين عرق أو لون أو معتقد أو دين، فهو كما أسلفنا قارئ جيد للتاريخ، ويعقل هُويته الثقافية في معاقلها الأولى، لذلك نراه في سيرته، أو منظومة أقواله وأفعاله، وكأنّه يردّد مقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، "الناس صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق". والأخوة في الدين والنظارة في الإنسانية رابطتان لا فكاك بينهما؛ لأنّهما ترتقيان بالإنسان إلى أعلى مراتب إنسانيته، وهي المرتبة التي قصدها المولى جلَّ وعَزّ بقوله، "لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، (سورة التين) وكذلك في قوله، "وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ، وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا" (سورة الإسراء). ومعلوم أنّ ابن أبي طالب يستلهم الرسول الكريم عندما قام لجنازة اليهودي، فقيل له: إِنَّهُ يَهُودِيٌّ ؟ فَقَالَ صلوات الله عليه: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟

أجل لقد كان زايد الإنسان ربّ أسرة كبيرة.. يحنو على الصغير، ويشدّ أزر الكبير، يأخد بيد العسير، فلا يتركها حتّى تبدأ مرحلة التيسير. يواسي العليل، ويسهر على الموجوع حتّى يبرأ؛ بغض النظر عن هُويته الثقافية. ولهذه الخصال الإنسانية على كلّ المستويات الأخلاقية والدينية؛ يختلف زايد الإنسان عن جميع القادة والعظماء، ويعاند منطق التاريخ، ويغادر الكتب المركونة على رفوف الماضي؛ ليتربّع على عرش القلوب والعقول والمخيّلات، حاضراً ناضراً، مُلّهِماً خلّاقاً، فيسكن الحنايا والضلوع قبل الأصول وبعد الفروع.. قبل الأوراق وبعدها؛ بل قبل ثنايا المخطوطات التاريخية أو عجاج المدونات الإلكترونية. 


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية