زايد وأسس التعايش السلمي بين الكائن والمكان

الكاتب: مريم الغفلي

الحديث عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله) يطول، كلّ أخذ جانباً وسلط الضوء عليه، كلّ تذكّر ما شهد وما خبر من حكمة زايد وحميد خصاله.. بدوري قلبت الصفحات وتذكّرت ما فات.. ماذا سأكتب أنا عن زايد الشامخ؛ حتّى لو كتبنا عنه مجلدات ومجلدات فلن نوفيه حقّه؛ لأنّه كان عملاقاً في كلّ شيء.

ولكن في لحظة استرجعت تاريخاً اقتطع من زمن، فتذكّرت تلك اللحظة، وأنا أقف هناك بين زمنين، لا أعلم فيما كنت أفكّر أو إلى أين كنت أرسل نظري.. ربما كنت أرنو للبعيد، أرقب شمس تودّع نهاراً، وكأنّها تعلن عن إدبار عصر وإقبال آخر جديد.. من أنا التي كنت هناك، وهل هي أنا التي تعيش هنا؟ كان كلّ ما حولي تلال تتلوها تلال من الرمال، "عشش" وخيم من السعف والجريد، جِمال ترعى بالهيران والمنحدرات، وكأنّ كلّ تلك التلال تترقّب مع المترقبين. هل كان أبي وأهلنا آنذاك؛ يعون ما سيحصل بالمكان؟ أبي الذي في يوم بعيد؛ يتذكر في مستقبل أتى سريعاً فيقول:

 

جاء زايد وأشار بعصاه قائلاً: سوروا وامتلكوا ما تقع عليه أيديكم من هذه التلال، ابنوا مساكن وازرعوا مزارع، خذوا ما ترغبون من هذا المكان، لن يمنعكم أحد، أنتم أولى من الغريب.

 

ولكنّ عقلية أبي ومن معه؛ لم تكن ببعد نظر زايد، ولا بقدرته على استشراف المستقبل الآتي..

قالوا بصوت واحد: "شو بنسوي بالخرايم"؟ والخريمة هي البرّ الواسع الخالي. ولكنّهم بعد سنوات وبمكان وزمان قد تغيرا، ظلوا يتذكرون والندم يسوطهم.. كيف لم نسمع لما قال.. أصبحت الأرض أغلى من الذهب.

نعم أصبحت الأرض أغلى من الذهب؛ لأنّها تحوّلت إلى تلال من ذهب.

هكذا كان زايد حكيماً حليماً، له نظرة استشرافية لم يدرسها في المعاهد أو الجامعات، وإنّما هي موهبة.. إنّه من زمن آخر، وكان يعيش في بعد آخر.. رأى ما لم يفكّر فيه غيره.

 

ما زلت أفكر وأنا أتذكر ذلك المكان والتلال والرمال.. وتلك الحياة البسيطة التي تحوّلت إلى شيء أشبه بالحلم، قفزة لم يفكّر بها أحد، ولكن زايد فكّر وخطّط.. لم يكن يعرف للمستحيل طريقاً؛ لذا شقّ قنوات في الصحراء، وأجرى الماء، وصار المكان غير المكان.. استحال إلى جنان خضر تُشَدُ نحوها الركبان.

 

بشهادة من عرفه؛ كان يستمع لمن يخبره أن ما يفكّر فيه مستحيل، ولكنه بعد أخذ المشورة يأتيه الإلهام.. أن تمضي فكلّ شيء سيُصبِح مثلما تتمنّى.. المتخاذل هو من يؤمن بالمستحيل.. وأنت يا زايد ليس بقاموسك مستحيل. ولأنّ زايد هكذا.. ذو فكر ثاقب وقرار سديد وصلنا ووضعنا على أوّل الطريق الذي مهّده لنا ورحل.. رحل وهو يعلم أنّ من سيأتي بعده؛ سيكمل المسيرة نحو الأحسن والأفضل؛ لأنّ هو من أراد ذلك.

 

بالنسبة إليّ وإلى أبناء جيلي، كنّا نشعر بأنّ زايد هو الوطن، هو الإمارات التي بناها، هو الحلم، هو الماضي الجميل والحاضر المشرق .. بدأ التلفزيون وكانت صورة زايد تزيّنه يومياً.. بدأت المدارس وكانت صورة زايد على الكراريس التي كانت توزّع بالمجان.. كان اسم زايد متبوعاً بالفرح والبشارات؛ يتردّد على ألسنة الأمهات والجدّات، وهنّ يستلمن تلك الرواتب الشهرية التي تعطى للتلاميذ والتلميذات، تلك المبالغ الكبيرة بالنسبة إليهنّ آنذاك هي من شجعت وساهمت في تخلّي الآباء عن مساعدة الأبناء والبنات لهم، وإرسالهم إلى المدارس؛ لأنّ الحلال ليس بذي فائدة مثل المدارس.

 

تلك الألسنة التي لهجت بالشكر دائماً، هي نفسها الوجوه المتعبة التي غضن الزمن والبؤس ملامحها.. وأعاد زايد وصنيع زايد لهم الفرح والبشر وهم يستلمون مفاتيح المساكن الجديدة، وهم يستلمون رواتب الشؤون؛ حتى وهم يستلمون رواتب للحيوان؟!

 

يهبهم المستقبل بيد، يقودهم نحوه وفي الوقت عينه يذكّرهم بالماضي والتراث والقيم والعادات والمآثر، يربط ما فات بما هو آت، قائلاً: من ليس له ماض ليس له حاضر.

 

كان يقف معهم يأخذ بيدهم لزمن جميل آت من خلف التلال الجافة والرمضاء المحرقة.. ربيع زاهر كان يركض مختالاً نحوهم.. زايد الخالد، الاسم الجميل والذكرى التي سكنت القلوب وأزهرت باسمه المدن والدروب.

 

وهآنذا الْيَوْمَ أقف بنفس المكان ولكن بزمن آخر، زمن كما الحلم، انبثق وطن جديد ومكان جديد، شقّ بطن الصحراء، وترسخ بالمكان، تطاول فيه العمران وتغيّر فيه الإنسان إلى آخر مختلف، مغاير لما كان..

 

الشمس تجمع خيوطها للرحيل، الصمت والهدوء يعمّ المكان، أنظر أمامي إلى أفق برتقالي يدعو للتأمل، أنظر عن يميني.. غابة متداخلة الأغصان خضراء؛ بسواد تحتضنها الكثبان، شجر غاف سيّد المكان. لا أعلم ما الذي شدّني لاستبطاء الرحيل، ومتعة التأمل بالمكان والزمان؛ بهذه الصحراء التي كانت زماناً، وتحوّلت بعصر زايد لغابة متشابكة الأغصان والأفنان. الطيور أحالت المكان إلى سيمفونية من أصوات لطيور شتّى، بعضها كان على وشك الانقراض ولكنّه عاد.. والبعض انقرض واختفى، ولكنّنا بتنا نراه حالياً مثل الضاضاو ذي الألوان الجميلة ما بين تركواز وأخضر ورمادي.

 

وأكثر ما أصيخ  السمع له صوت الصفارد.. دائماً أقول: إذا كنت أسمع هذا الصوت فالبيئة بخير. وأتذكّر كيف كان أبي لا يصيد اَي طائر في موسم التكاثر، ويمنعنا كذلك؛ احتراماً للبئية.

 

كلّ هذا جرّني لتذكّر المغفور له بإذن الله زايد بن سلطان طيب الله ثراه، باني الاتحاد ومؤسس أركانه. تذكّرت كلّ الغابات والمحميات في الصحارى والجزر .. كيف حوّلها إلى أماكن تتعايش فيها كائنات شتّى، منع الصيد وسنّ القوانين لحماية البيئة وصيانة الطبيعة. منذ الثمانينيّات والتشجير قائم، ومنع الصيد قائم.. يا ترى ماهي النتيجة؟ لقد عادت بعض الكائنات للاستيطان بالمكان؛ لأنّها وجدت الأمن والأمان كما هو حال الإنسان.. في السنوات الأخيرة بتّ ألحظ طيور البوم في الصحراء، وكذلك القطا والعرم والصفارد والكراوين والحبر.. طائر الحبارى بات متواجداً، ينعم بأمن المكان. كذلك لاحظت تواجد أنواع وأنواع، خاصة من الحمام ما بين راعبي وقفاع وقنيطر.. عادت الحياة الفطرية تنمو.

 

كم سعدت بتقافز الغزلان والظباء بين التلال في أماكن لا تتخيّل وجودها، ولكنّ التعايش مع القانون واحترامه أدّى إلى تعايش هذه الكائنات بعضها إلى جانب بعض، تكاثرت وتعايشت على أرض زايد.. كما هو الإنسان الذي احترم المكان وقانونه.. فوجد راحته وهو يسمع كلّ هذه الزغاريد والأصوات تبثّ المكان فرحها، وتحمد صنيع من صنع لها المستقرّ بعد مفرّ، والمكان عندما عزت الأمكنة على البشر وهُجرت الكائنات، أصبح كلّ مهاجر يستقرّ في هذه الأرض، أرض زايد؛ لأنّها موطن السلم والتعايش.. لقد أورثنا زايد طيب الله ثراه الكثير.. أمناً وأماناً واستقراراً، واستشرف مستقبلاً سيهلّ، فأعدّ له وسخّر إمكانيات المكان؛ لخدمة الطير والحيوان والإنسان.

 

فمن مثل زايد، وماذا سنذكر أو نتذكّر من جميل صنع زايد؟.. إنه بحقّ؛ في كلّ شيء زايد.

 

زايد هذا الاسم الجميل الذي سكن القلوب، ومازالت النساء الصغيرات والكبيرات يتقلدن قلائد نقشت عليها صورته، يحتفظن بها من زمن جميل لرجل جميل؛ كردّ للجميل، شعوراً بالحب والعرفان لزايد الإنسان، الذي أحبّه الإنسان بهذه الأرض وغيرها، زايد الذي بكاه ونعاه كل إنسان كائناً من كان؛ مغموراً أو ذا شأن.

 

كنت من زمن كان فيه زايد، وهذا بالنسبة إليّ وسام.. وأنا من أرض شادها زايد وهذا فخر .. فهل تفخرون معي يا جيلي جيل الحبّ والعرفان، جيل زايد الإنسان فخر العرب وتاج الزمان؟

 

وهل تتعلمون كيف تعايش زايد مع محيطه؛ بتناغم قلّ نظيرة، تعايش مع الطبيعة والبشر من دون تفرقة أو تمييز .. فكيف لا نتعايش مع بعضنا بعضاً في وطن زايد بانسجام وحبّ؟ كيف لا نحنو على غريب أو شريد أو حتى طائر مهاجر؟ كيف لا ننبذ ما يفرّق ونزرع ما يجمع .. وزايد معلمنا الأكبر، علمنا أنّ إنسانية الإنسان تسمو فوق كل الفوارق من دين أو مذهب أو لون أو عرق، كلنا واحد .. وكل التمايز انسجم بعد الاتحاد، أصبحنا واحداً.. فهل نعلم العالم من حولنا؟ وهل ننقل لهم رسالة السلام والأمان التي أورثها لنا زايد؛ كي نتشارك الأرض بحبّ وننشر السلام انطلاقاً من أرض زايد؟


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية