فلسلة زايد في التعايش السلمي حقايق ورؤى مستقبلية

التعايش السلمي بين أطياف المجتمع الواحد هو حلم لطالما راود أذهان الفلاسفة وعقول الحكماء والسياسيين منذ أقدم العصور وحتّى يومنا هذا. وقليلة هي الدول التي استطاعت تحقيق معادلات حقيقيّة وواقعيّة من التعايش السلمي بين الأعراق المتعددة والطوائف المختلفة والأديان المتباينة التي تتواجد على أرضها.

 إنّ تحقيق التعايش السلمي والاعتراف بالآخر المختلف ليس بالأمر السهل؛ حينما يتواجد الاختلاف والتضاد بين الناس، وحينما تكمن كلّ سبل التناطح بين البشر. ولذلك تسعى الدول إلى الاستفادة من تجارب بعضها البعض في كيفية تحقيق التعايش السلمي بين سكّانها أو في كيفية تلافي التضاد والتناحر؛ في حال وجود طوائف متعدّدة غير قادرة على التعايش مع بعضها بعضاً. وضمن هذا الإطار يظهر أنموذج دولة الإمارات كمثال رائد بين دول العالم، حيث استطاعت تحقيق معدلات عالية من التنمية المادية والبشرية مع الحفاظ على معدل ملحوظ من التعايش السلمي بين السكان، قلّ نظيره بين دول العالم. 

 التعايش الذي تشهده الإمارت ليس بجديد، فهذا أمر يعود إلى عصور تاريخية قديمة، ويستمدّ جذوره من عمق الثقافة الإماراتية. كما يمكن إرجاعه إلى الآباء المؤسسين للدولة، الذين ساهموا في جعل أرض الإمارات، أرضاً تزهر بالخير والنماء وتصدّره إلى العالم على هيئة قيم إنسانية راقية وسلوك حضاري مميز. وعلى الرغم من القول: إنّ البعض يدّعي أنّ دولة الإمارات؛ بحكم ظروفها الديمغرافية ليست مثالاً جيداً على تحقيق التعايش؛ لأنّ نسبة كبيرة من سكّانها لا تنتمي إلى النسيج الاجتماعي المحلّي، وأنّ تلك الفئات والأعراق إنما جاءت لظروف العمل، وبالتالي فهي هجرة مؤقتة ولا تُعدّ حالة دائمة ضمن النسيج الاجتماعي للمنطقة، إلا أنّ هذا الرأي مردود عليه بالقول: إنّ معظم تلك العمالة قد مضى على وجودها عقود، وبالتالي فالحديث هنا ليس عن الوجود القانوني لتلك العمالة بل عن الوجود الاجتماعي وتقبله محلياً.  كما يجب التركيز هنا على فلسفة ذلك القبول وليس فقط على وجوده. ففلسفة تقبّل الآخر ترجع جذورها إلى عمق الثقافة الإماراتية بأبعادها الاقتصادية والحضارية والإنسانية كافة. فمنذ القدم كانت منطقة الإمارت منطقة تلاقٍ وتلاقح بين مختلف الثقافات والأعراق. هذا التلاقي والتلاقح شجعته الثقافة الإماراتية بأبعادها الإسلامية والإنسانية.  كما يعود إلى جهود القيادة السياسية في الحفاظ على التوزان الاجتماعي بإتباع السياسات الحكيمة والإجراءات الرشيدة التي جعلت من الإمارات وطناً للجميع. 

 

كان زايد رائداً ورمزاً للتعايش السلمي المجتمعي ليس فقط محلياً بل بين قادة العالم. فسياساته المعتدلة والمتزنة وفلسفته الاجتماعية المبنية على تحقيق العدل بين الناس؛ أينما كانوا وأيّاً كانت خلفياتهم؛ ساهمت كثيراً في جعل الإمارات مقصداً جاذباً للناس، ومكاناً للتعايش بين أطياف البشر القاطنين على أرضها. ليس هذا فحسب بل ساهم زايد في زرع الثقة والتسامح حتى بين أطياف المجتمعات التي زارها وبذر بذرة الخير فيها. فلم تفرّق أياديه البيضاء بين مسلم ومسيحي أو صاحب أي ديانة أخرى من تلقي الخير الإماراتي. فكان بذلك رائداً للتسامح في العالم. إذ هناك الكثير من الدراسات والبحوث التي كتبت؛ كانت تناقش سياسات زايد في التنمية والبناء، ولكن القليل منها يناقش فلسفة زايد الاجتماعية والأبعاد المختلفة، التي قامت عليها تلك السياسة، التي نجحت في تحقيق العدل، الذي هو أساس الملك وأساس التعايش السلمي بين البشر. وربما كان من أهم ما تميّزت به فلسفة زايد وأبعادها الإنسانية والاجتماعية هي:

 

أولاً: العدل الاجتماعي الذي كان محوراً مهماً من محاور سياسات زايد الإنسانية حيث إنّ جميع بني البشر في نظره متساوون في الحقوق الإنسانية ويستحقون الرحمة والعدل والمساعدة في حال احتياجهم لها. فكانت سياسته تلك، والتي غرسها في عمق المجتمع الإماراتي وأصبحت محوراً مهماً للسياسيات الخارجية، هي التي جعلت من الإمارات مقصداً للذين ضاقت بهم الدنيا وتقطّعت بهم السبل؛ حتى أولئك الذين فرّوا من جحيم الحروب الأهلية والخلافات في بلدانهم الأصلية، حيث وجدوا في الإمارات الملاذ الآمن والهادىء الهني. فقد فتحت أجواء الإمارات لمئات الأشخاص لكي يأتوا ويؤسسوا لهم وطناً آمناً وظلاً يرفرف على رؤوسهم . وهكذا كانت الرحمة والإنسانية عموداً مهماً من أعمدة السياسة التي اتبعها زايد وسار على نهجها الأبناء المؤسسون.

 

ثانياً: بُعد آخر من أبعاد فلسفة زايد الإنسانية، التي شجعنا على اتباعها وحثّنا عليها، هو نبذ التطرف والعنصرية واحترام الآخر؛ مهما كان معتقده وخلفيته الإثنية. وقد ضرب زايد أمثلة على ذلك من خلال تعامله مع مختلف الدول والشعوب بهذا المنطق.  ففي راوية عن أحد العاملين في قوات حفظ السلام في كوسوفو إبّان الحرب الأهلية في تسعينيات القرن العشرين، يقول إنه قد أخبر زايد بأنّ القوات الصربية المسيحية قد استولت على شحنة من الأدوية موجّهة لأهل البوسنة المسلمين.  فردّ زايد وهل ستستخدم الأدوية لمعالجة الجرحى والمرضى؟ قال نعم. فردّ زايد بكل تسامح، فلا بأس إذن؛ لأنّها سوف تستخدم لغرض إنساني. هذا هو التسامح في نظر زايد، والذي أصبح سياسة عامة للدولة ككلّ.  فلا توجد في دولة الإمارات سياسات عنصرية تنهج منهج التعصّب وتحثّ على العنف بل على الوسطيّة الجادة، التي تؤسّس لمجتمع متضامن خالٍ من كلّ أشكال التعصّب ونبذ الآخر المختلف. ولهذا عاشت بين جنبات دولة الإمارات منذ أقدم الأيّام وحتّى يومنا هذا مختلف أنواع الأعراق والخلفيات والإثنيات؛ حتّى تلك الفئات غير المتعايشة مع بعضها بعضاً في موطنها الأصلي.

 

ثالثاً: البُعد الثالث من أبعاد الفكر الفلسفي للشيخ زايد هو استخدامه للمنطق الإنساني في تفسير الأحداث وليس منطق القوّة أو منطق الضغط أو منطق المصلحة السياسية.  فهذا المنطق هو الذي جعل من الإمارات واحة ظليلة تعيش في جنباتها مختلف الأعراق دون أية تفرقة أو عنصرية. فلم يستخدم زايد منطق القوّة أو التفاوض أو فرض الرأي بل منطق إيجاد الحلول الإنسانية الممكنة حتى عندما تقف السياسة عائقاً أمام الحلول السلمية. هذا كان موقفه مع القادة ومع الشعوب، وهكذا كان تعامله تجاه قضايا الدول الإقليمية والعربية. فعندما كان إيجاد الحلول صعباً في العراق والبوسنة والسودان وغيرها من الدول كانت سياسات زايد دوماً تنهج نحو الحلول السلمية التي توقف إراقة الدماء وتحمي الشعوب من خطر الفرقة والحروب. 

 

رابعاً: لم يكن زايد يصوّر نفسه كقائد أو زعيم  يعيش في برج عاجي؛ بل كرجل من عامة الشعب، قريباً دوماً من نبض الشارع؛ بكل فئاته وطبقاته وهمومه. ولهذا نجد أنّ صورة زايد في العالم العربي كما هي في الإمارات،  صورة رجل الإنسانية والخير بكل أبعادها وتفاصيلها. فزايد الإنسان هو ما تميّز به زايد علاوة على كونه زايد القائد والمعلم والزعيم. ولهذا على الرغم من مرور عقد من الزمان على وفاة زايد إلا أنّ الشعوب العربية لا تزال تذكره بكل خير، ولا يزال زايد يمثّل أنموذجاً للقائد الذي وهب نفسه لخير شعبه ورخائه.

 

خامساً: كان زايد يملك فكراً استشرافياً ميّز سياساته الداخلية والخارجية، وكان ذلك الفكر هو الملهم له في محاولاته الحثيثة لإيجاد الحلول للكثير من المشاكل والأزمات الإقليمية والعربية قبل أن تستفحل ويصعب حلّها. فقد كان الحسّ الاستشرافي لزايد على الدوام ملهماً له في سعيه لحلّ الخلافات العربية - العربية والخلافات الإقليمية والتوسط لإيجاد مخارج للعديد من الأزمات. وكانت محاولاته للتوفيق بين وجهات النظر بين الحكومات العربية هي محاولات دوؤبة وحقيقية لإزالة سبل الخلاف وإيجاد الحلول التوافقية للخلافات العربية. وكثيراً ما أوجدت وساطة الشيخ زايد السبيل للتوفيق بين وجهات النظر، ولهذا حاز زايد على لقب "حكيم العرب ".

 

إنّ هذه الدراسة ليست لسرد مناقب الشيخ زايد العديدة، وإنما دراسة اجتماعية وفلسفية في فكر الشيخ زايد مبنية على حقائق العصر والرؤى المستقبلية التي تحققت في عصر ما بعد زايد. ففكر زايد حري به أن يدرّس في مناهج الجامعات، وسيرة  زايد في المناهج الدراسية لطلاب العلم، لأنّ زايد ليس شخصية عادية بل زعيماً إنسانياً وأنموذجاً عالمياً في الريادة الإنسانية.  فعالمنا الحالي بحاجة إلى قدوة إنسانية يستلهم منها الدروس والعبر في سعينا لخلق مجتمع خالٍ من كلّ أشكال العنف والتطرف والعنصرية. فزايد ليس فقط زعيماً عربياً مسلماً بل شخصية عالمية اعترف العالم بفضلها في مجالات الريادة الإنسانية. لقد كرّس زايد حياته لعمل الخير ليس في بلاده فحسب بل أينما وجد مجالاً لزرع الخير والعطاء. ولهذا فإنّ دولة الإمارات عندما تحتفي في العام 2018 بمئوية زايد إنما تحتفي بشخصية قيادية مؤثرة ليس فقط على الصعيد المحلي والإقليمي بل على الصعيد العالمي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية