من دونها لا تستقيم الديمقراطية

الكاتب: عادل خزام

العدالة.. أساس فلسفة زايد في الحكم

 

  • لم يسمح زايد للمدنية الحديثة أن تحدث قطيعة معرفية بين الآباء والأبناء
  • ذهب زايد إلى البناء والتأسيس والتنمية بينما انشغلت الدول العربية بالشعارات السياسية الرنانة من غير فعل
  • زايد بوعيه العميق لم يوقف الزحف العلمي والعمراني ولم يتقوقع بحجة المحافظة والأصالة
  • فكر زايد الوسطي مكّنَ الإمارات من البروز كوطن متسامح لا مكان فيه إلى الغلو الفكري والتعصّب الديني
  • التسامح هو الأساس الذي سمح للإمارات بأن تصبح واحة للتعايش والسعيد بين مختلف الإثنيات العرقية والدينية

       مقاربة فلسفة الحكم والإدارة؛ لدى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، تقتضي القراءة العميقة في ثقافة زايد الإنسان؛ سواء على مستوى ما أحب أن أسميه "المنهجية العربية المتحدة"، التي حددت توجهاته في تأسيس دولة الإمارات، أو على مستوى مفاهيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والثقافة والعلم التي عمل بها زايد بإيمان راسخ.

       القراءة التاريخية في فسلفة زايد بشأن الحكم تنقسم الى مرحلتين. الأولى، هي مرحلة التأسيس والتنظيم التي شملت إنشاء الوزارات والمؤسسات المدنية الأهلية والوطنية، وتنظيم الشؤون العسكرية والاستراتيجية، واعتماد السياسات العامة للنهوض بالدولة، ووضع الإطار القانوني لها من خلال تشكيل السلطة التنفيذية والسلطات المساندة؛ التشريعية والقضائية.

       أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة إدارة الدولة، وهي الفترة التي أعقبت قيام الاتحاد في العام 1971 واستكمال أطرها القانونية على المستوى الداخلي، وعلى المستوى العالمي؛ بدخولها عضواً في الأمم المتحدة والجامعة العربية وبقية المنظمات العالمية، حيث اعتمد المغفور له منهجاً فريداً في تنظيم العلاقة بين الحكومة والمواطنين. وبين الدولة الجديدة والدول الإقليمية المجاورة، وبقية دول العالم. معتمداً في ذلك على منظومة كبيرة من القيم الإنسانية، المستمدّة من سماحة الدين الإسلامي، ومن تراث أبناء الجزيرة العربية وعاداتهم وأصالة تاريخهم الثقافي والاجتماعي.

العدالة والديمقراطية

       نقف هنا عند مفهوم الديمقراطية الذي تحدث عنها زايد في أكثر من مناسبة، ومنها مقولته الشهيرة: الديمقراطية في الإمارات ليست شعارات أو مجرد نصوص في الدستور، إنها واقع عملي على مستوى السلطة العليا، والمستوى الشعبي.

       لشرح مفهوم الديمقراطية لدى زايد، ينبغي العودة إلى مقولات أخرى قالها في فلسفة الحكم، منها إيمانه بمبدأ الشورى؛ كأساس أعمّ وأشمل للديمقراطية، وهذا ما يفسّر حديثه عنها بأنها واقع عملي على مستوى السلطة والشعب.

       حقيقة الأمر، أنّ الإمارات اعتمدت مبدأ الشورى بين الحاكم والشعب قبل قيامها كدولة. وكانت عادات التشاور في  شؤون القبيلة والناس والمجتمع، تتمّ وفق منظومة متكاملة من العادات والتقاليد التي لا يمكن القفز عليها أو تغافلها، لكن زايد استطاع أن يطبّق هذه المفاهيم على الدولة بذكاء نادر. ولذلك كان التحوّل نحو التحديث يتمّ تدريجياً، مع الأخذ في الاعتبار ببداوة المجتمع القبلي، وما يحمله من نمط عيش يمتدّ بوتيرة متشابهة لمئات السنين؛ حتى أنّه قال يوماً: لا أرغب في نقل البدو إلى المدينة، بل سأنقل المدينة إلى البدو.

       لذلك ظلت الإمارات محافظة على مرتكزاتها التاريخية وهويتها وعاداتها الأصيلة في صميم العمران الحديث والمدن الزاهية؛ بأبراجها وناطحات السحاب فيها. وامتدّ هذا الأثر إلى الأجيال الجديدة، التي لم تستطع المدنية أن تفصل بينها وبين ماضيها؛ بالمعنى المعرفي. كلّ ذلك عزّز من ترابط الأجيال، وبالتالي العائلة ككيان تقوم عليه الدولة. وحتّى اليوم، تبدو مظاهر الفخر بتراث الماضي من مميزات أبناء الإمارات.

الشورى هي الأصل

       كان رحمه الله يتحدث دائماً عن الشورى كشكل سابق للديمقراطية. يقول زايد: البعض يظنّون أنّ هذا المجتمع لم يعرف النظام الديمقراطي من قبل، وهذا خطأ لأنّ الآباء والأجداد عرفوا الشورى وآمنوا بها قبلنا.

       لقد آمن رحمه الله بالشورى كمبدأ شامل، نواته الصغيرة الأسرة الإماراتية، حيث ينبغي لأفراد البيت الواحد التشاور في شؤونهم واحترام رأي الصغير والكبير. وهناك الكثير من الأحاديث والمقولات التي وجهها للأسرة ولربّ الأسرة والأم والأبناء في هذا الخصوص. أمّا على الجانب الأكبر، فإنّ مجالس الشورى ظلت منتشرة في الإمارات وظل يؤخذ بها وبرأيها بين القبائل، وكذلك على مستوى أجهزة الدولة الاتحادية. حيث كان المجلس الأعلى لاتحاد الإمارات السبع يعتمد مبدأ التشاور في جميع القضايا الاستراتيجية. واكتمل نصاب الشورى بتأسيس المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان) الذي عقد أولى جلساته في الثاني من ديسمبر 1972. وقد حرص زايد على حضور وافتتاح ورعاية جلساته دائماً. كما آمن زايد بأنّ الديمقراطية لن تتحقق إلا بوجود العدالة أولاً، ونجد هذا واضحاً في هذه المقولة: إنّ تحقيق العدالة هو الطريق إلى الديمقراطية، وأي إنقاص من العدالة هو ضدّ الديمقراطية. أي أنّ الديمقراطية تصبح مجرد خواء فارغ إذا انتفت العدالة الاجتماعية.

من خلال هذه الرؤية العميقة لمعنى العدالة والشورى والديمقراطية، ذهب زايد إلى العمل والبناء والتأسيس والتنمية. وبينما كانت الكثير من الدول ترفع الشعارات السياسية الرنانة من غير أن يتبعها فعل، كان زايد ينادي ببناء الإنسان الإماراتي المتسلّح بالعلم والمعرفة، مؤكداً أنّ "عملنا يرتكز على تطوير قوانا البشرية والاهتمام بالخدمات الاجتماعية في التعليم والصحة". وهذا السعي الدؤوب لبناء الفرد نابع من قيمة عليا في فكر زايد، وهي أنّ الدول لا تبنى بالإسمنت والعمارات والثروات، فهذه أشياء زائلة، وإنّما الأمم ترتقي وتصعد بوجود الرجال. وله رحمه الله الكثير من الأقوال المتلفزة التي يعبّر فيها عن هذه الرؤية. يقول زايد: حجم الدول لا يقاس بالثروة والمال، وأكبر استثمار للمال استثماره في خلق الأجيال المتعلمة والمثقّفة. ويحسب لزايد عمله العظيم في نشر التعليم بين البنين والبنات في مجتمع يعتبر محافظاً، لكنه رحمه الله، كان يتولّى بنفسه حثّ الآباء على إرسال أبنائهم وبناتهم إلى المدارس والجامعات؛ حتى قضى على الأمية بنسب عالية جداً وفي وقت يعتبر قياسياً. كما أدرجت المادة 17 في دستور الإمارات التي تقول بأنّ التعليم عامل أساسي لتقدّم المجتمع، وهو إلزامي في مرحلته الابتدائية ومجاني في كلّ مراحله داخل الاتحاد.

 

مبدأ التعايش

       شغل موضوع التحديث فكر ووجدان الشيخ زايد. فالدولة الناشئة حديثاً يمكن أن تنجرف بسرعة أمام هجمة الحداثة والانفتاح؛ بما يهدّد عمقها التاريخي والثقافي. فنحن هنا أمام ماضٍ زاخر بالقيم والتقاليد الضاربة بجذورها عميقاً في التاريخ، ومن ناحية ثانية، نسعى إلى الدخول في التنافس الحضاري والتسابق بين الأمم. لكن زايد، بوعيه العميق، لم يوقف الزحف العلمي والتكنولوجي والعمراني، ولم يذهب أيضاً إلى التقوقع الفكري والانكماش بحجة المحافظة والأصالة؛ بل على العكس، ذهب إلى ترسيخ قيم الآباء والأجداد في نفوس الأجيال الجديدة. وفي الوقت نفسه سمح لتيارات الفكر الجديد والحداثة أن يكون لها موطئ قدم في أرض الإمارات؛ بدلالة أنّه افتتح بنفسه أول دورة لمعرض أبوظبي للكتاب في العام 1981. وهذه الوسطية في الفكر هي التي مكّنت الإمارات من البروز كوطن متسامح لا مكان فيه إلى الغلو الفكري والتعصّب الديني. وكان هذا التسامح هو الأساس والهواء الذي سمح للإمارات بأن تصبح واحة للتعايش والتنفس الحر للمقيمين على أرضها؛ مهما اختلفت انتماءاتهم الفكرية والدينية. كما تقوم فكرة التعايش على مبدأ آخر هو تشجيع لغة الحوار والتفاهم والتعاون بين الأمم المختلفة. ولذلك نجد زايد في جميع القضايا السياسية يفضل ويعتمد لغة الحوار؛ كطريق لحلّ الخلافات بين الدول.

       يقول زايد: علينا التمسك بأصولنا وجذورنا العميقة. ومن ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل. إن هذه الدعوة لا تعني الركون إلى الماضي والانغلاق؛ لأنّه رحمه الله، وفي مواقع أخرى كثيرة، كان يحثّ على الانفتاح على العلوم والثقافات وبناء الجسور الحضارية مع الأمم الأخرى. بل أنّ منهجه السياسي كان شديد الوضوح في منطلقاته التي تقوم على الوحدة والتعاون.

       بدأ الشيخ زايد حياته السياسية حاكماً لإمارة أبوظبي في العام 1966، ثم رئيساً لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو صاحب فكرة إنشاء مجلس التعاون الخليجي، وكان رحمه الله أكثر من رمّم الصدوع التي كانت تطرأ في جدار الجامعة العربية؛ كإطار للعمل القومي المشترك، أبرزها إعادة مصر إلى أحضان الجامعة العربية. وهي كلّها علامات مضيئة في نهجه المحبّ والمخلص لخير الإنسانية كلها.

 

الوجه المشرق

       يرى ابن خلدون أنّ إدارة الحكم وفقاً للقوانين السياسية والدينية، أي الحكم بشرع الله، هي الأكثر نفعاً؛ كونها تحرص على تسيير أمور الناس الدنيوية والأخروية، وتحقّق  لهم سعادتهم في الدنيا والآخرة. وهو المنهاج الذي ارتكز عليه زايد في نشأة الدولة، حيث تنصّ المادة السابعة من دستور الإمارات على أنّ الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه. لكنه هنا الإسلام الصحيح الذي يقوم على مبادئ العدل والمساواة واحترام الإنسان واحترام الآخر ونبذ التطرف والعنصرية والكراهية. وقد أخذ زايد من الإسلام القيم السامية والنبيلة ومنها التراحم وإغاثة المحتاج والمنكوب. لذلك كانت دولة الإمارات سباقة دائماً إلى مدّ يد الخير والمساعدة للقاصي والداني من غير تفرقة أو انحياز على أساس الدين وحده. وبسبب هذا السياسة التي بدأت منذ انضمام دولة الاتحاد للأمم المتحدة في التاسع من ديسمبر 1971، أصبحت الإمارات اليوم ترتبط باتفاقات تعاون مع أكثر من 28 منظمة دولية من منظمات هيئة الأمم المتحدة، فضلاً عن عضويتها في المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، كمنظمة الصحة العالمية، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ومنظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

       حسب أفلاطون، فإنّ الديمقراطية مفسدة للقيم والرأي السليم، فيما يرى آخرون أنها نموذج الحكم الوحيد المثالي اليوم. وما قام به زايد في فلسفته للحكم، أنّه لم يذهب إلى استنساخ نماذج غربية أو عربية ومحاولة تطبيقها. فهذا الأمر غير جائز وغير ممكن تاريخياً. لذلك كان رحمه الله يباشر بنفسه في ابتداع السبل المثلى للتعامل مع معطيات الواقع في وطنه؛ من غير إغفال للتاريخ، ومن غير خوف من المستقبل. والثمرة التي خرجنا بها من هذه الفلسفة كانت كبيرة جداً، حيث تحوّلت هذه الدولة إلى إنموذج نادر لفكرة الوحدة العربية والإسلامية. كما نجحت في البروز عالمياً باعتبارها مثالاً للدولة العربية المسلمة الحديثة؛ بشكلها الحضاري الأنيق والمشرق. ومن يقرأ حاضر الإمارات اليوم، يرى وجه زايد في جميع أركانها وزواياها. في ضحكات الصغار، وفي دعاء الأمهات، وفي عزيمة الرجال. وسيظل زايد يسكن وجدان هذه الأرض لقرون طويلة قادمة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية