زايد رمز خالد للعطاء والعمل الإنساني العالمي شخصيته الإصلاحية القائمة على الذكاء والحكمة انعكست في سياسته الخارجية

  • زايد استمد فلسفة الحكم والسياسة من روح الإسلام وجذور الثقافة العربية
  • نادى بضرورة حل النزعات العربية وتجاوز آثار الحرب بالحوار والمصالحة الوطنية
  • حبّه لأرضه وعشقه لها جعلت من المستحيل ممكناً ومن الأحلام واقعاً حقيقياً
  • بنى دولة عصرية في فترة زمنية قياسية بالعلم والأخلاق والتعايش السعيد
  • دعا إلى الانفتاح على العالم الخارجي ومناصرة مبادئ المساواة والعدل

 

العظماء لا يرحلون حتى بعد وفاتهم، تظل أعمالهم الخالدة وسيرتهم العطرة شاهداً على ما قدموه للبشرية من خير وعطاء بلا حدود، ولعل من أبرز هؤلاء المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، فقد سجل التاريخ بأحرف من نور أعماله الجليلة ومواقفه النبيلة وأياديه البيضاء التي امتدت لتشمل كافة بقاع العالم.

 

     اليوم نرى ثمار ما غرسه الشيخ زايد رحمه الله من تسامح ومحبة وتراحم واضحاً للجميع في نهج قيادة الإمارات وشعبها الكريم، وكل ذلك يتجلى في أمور عدة تعجز الكلمات أن تلم بها، وعلى سبيل المثال لا الحصر يكفي الإمارات فخراً أنها أول من أنشأ وزارة للتسامح ووزارة للسعادة، بوركت يا أرض زايد الخير زايد المحبة والتسامح، الوالد القائد الذي أسس وتعب، وجد واجتهد حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. تقف الإمارات شامخة في وجه الزمن، وتضرب للبشرية أروع الأمثلة في التقدم والازدهار والحضارة، دولة السلام والتسامح التي يعيش بين ربوعها أكثر من 200 جنسية بمودة وتعايش وتسامح.

     إنّ نظرة متعمقة ودقيقة  في مسيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وفلسفته في الحياة وفي الحكم توضح بجلاء عظمة هذه الشخصية الفذة وتأثيرها، وباستقراء وتحليل الفلسفة السياسية التي تجسدت في قيادته، رحمه الله، يمكننا القول عموماً بأنها استمدت جذورها من الإسلام والثقافة العربية، والتقاليد المتأصلة في هذه المنطقة، حيث يعبر عن ذلك بقوله: «إننا في كل خطوتنا لن نحيد عن تراثنا الإسلامي، ولن تغرينا الحضارة عن التمسك بقيمنا وأخلاقنا السمحة، ولن تبعدنا عن جذور الأرض التي نشأنا فيها ومنها».

     ودعا، رحمه الله، إلى الموازنة بين الاعتبارات المادية والروحية بقوله "نحن أمة عريقة وغنية بتراثها وقيمها الروحية، وعلينا أن نوازن بين الاعتبارات المادية والروحية ولدينا في كتاب الله، وطريق رسول الله ما يغنينا عن العقائد التي يضعها البشر لأنها عقائد هزيلة كالجمال الضعيفة" وليس معنى ذلك أن نعتقد بأن الشيخ زايد رحمه الله يمكن تصنيفه ضمن المتعصبين الدينيين، بل العكس فهو «من المؤمنين بالحرية الدينية على ألا تضر بحريات الآخرين».

     نشأ، رحمه الله، نشأة بدوية فجمع كل صفات رجال البدو، من الذكاء والقدرة على الاستيعاب، والتحمل والصبر والحكمة والنظرة البعيدة، ويقول كيلي:"لعل من أكثر العوامل التي أثرت بشخصيته تأثره بشخصية زايد بن خليفة أو زايد الكبير الذي حكم فترة طويلة امتدت من 1855 - 1909 ارتفع خلالها شأن إمارة أبوظبي، وامتد نفوذه حتى وصل إلى واحة البريمي، وإلى داخل أرض عمان، وكان دائماً على استعداد للعمل من أجل وحدة المنطقة، وتكررت هذه الملامح في شخصية الشيخ زايد طيب الله ثراه.

ويقول بعض من رافقوا مسيرة الشيخ زايد أنه اتصف بالصبر والحلم والصراحة مع الشقيق والصديق والعدو، والثقة اللامتناهية بالله عز وجل، وكان يستخدم الأمثلة كثيراً في الحوار للوصول إلى الغاية التي يقصدها وهي إقناع محدثه، وتكون هذه الأمثلة عادة من واقع الحياة.

ومن الأمثلة على صراحته، رحمه الله، ما ذكره وليم رو عندما كان سفيراً للولايات المتحدة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة «جريدة الاتحاد 19/11/2004 ص 19» يقول رو: «عندما كان يأتي مسؤولون أميركيون إلى الدولة، فإنني بحكم طبيعة عملي أصاحبهم عند مقابلتهم للشيخ زايد، وكنت ألاحظ كيف كان هؤلاء يخرجون بعد تلك المقابلات معجبين بحكمة الرجل وعقلانيته.

     وخلال تلك المقابلات كان الرجل يتحدث بصراحة، ولم يكن يتردد في انتقاد السياسات الأمريكية وخصوصاً فيما يتعلق بإسرائيل والفلسطينيين، ولم يكن الشيخ زايد رحمه الله يقوم بتخفيف نبرة انتقاداته بسبب تواجدنا، ولكنه كان يعرض تلك الانتقادات بأسلوب يليق برجل دولة، وبطريقة معقولة بدرجة كان من الصعب على أي مسؤول أمريكي أن يقوم بتفنيدها».

ويتسم أسلوب الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بعدة خصائص، كما يقول وليم رو أيضاً، فقد ظل من حيث الجوهر شخصية محافظة ومتريثة، وهو لا يتصرف بتسرع أو تهور، بل يفضل أن يأخذ وقته ليفكر بكل تروٍ ويدرس كل خياراته باهتمام فائق، وله فلسفة اجتماعية تنبع من شخصيته الذاتية، هذه الشخصية وصفها الرحالة البريطاني المعروف ولفرد تسيجر في كتابه «الرمال العربية» وكان قد التقى الشيخ زايد في قرية بمنطقة المويجعي في العين في العام 1948، «زايد رجل قوي البنية ووجهه ينم عن ذكاء، جاد وعيناه ثاقبتان قويتا الملاحظة، بسيط في لباسه، يجلس دائماً للإنصات إلى مشاكل الناس ويحلها، ويخرج المتخاصمون من عنده بهدوء وكلهم رضا من أحكامه التي تتميز بالذكاء والحكمة والعدل».

هذه الشخصية الإصلاحية انعكست في سياسته الخارجية، فأصبح الوسيط النزيه الصادق في حل النزاعات والخلافات العربية- العربية، والأمثلة عديدة إن كان أثناء الحرب الأهلية اللبنانية 1975- 1989، عندما تحدث رحمه الله في يونيو عام 1976 عن هذه الحرب لأنه كان قلقاً بشأن احتمالات أن يقع خلاف بين العرب، وقال: «إن القتال الدائر في لبنان لا يخدم مصالح الأمة العربية»، وطالب الجامعة العربية بالتحرك لإيجاد حل لها، كما قال إن هناك خسارة للأموال والأرواح في لبنان بلا مبرر أو سبب، وناشد اللبنانيين والفلسطينيين أن يتوقفوا عن إراقة الدم العربي، منادياً ضرورة توحيد جهودهم نحو تحرير الأراضي العربية التي تحتلها إسرائيل، وأبدى استعداده للوساطة لحل النزاع القائم في لبنان، أو وساطته لتسوية الخلاف السوري- العراقي أو أثناء الحرب الإيرانية، العراقية 1988-1980، أو الحرب الأهلية اليمنية 1994، فمنذ بداية التوترات في مطلع عام 1994 بين القادة الشماليين والجنوبيين في اليمن، سعى رحمه الله إلى تهدئة الموقف من خلال الاتصالات والاجتماعات بالمسؤولين اليمنيين، وعندما اندلعت الحرب الأهلية في اليمن في شهر مايو 1994 كثّف رحمه الله من جهود وساطته، وفي 9 مايو 1994، أعرب الشيخ زايد  خلال محادثة هاتفية مع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، عن قلقه البالغ من استمرار القتال في اليمن وقال: «إنني أناشدكم أن تتقوا الله في اليمن وأبنائه، وحكّموا العقل بدلاً من تحكيم السلاح"، وعندما توقف القتال في شهر يوليو من العام نفسه واصل الشيخ زايد وساطته لإزالة ما تبقى من توترات، فقد دعا اليمنيين إلى تجاوز آثار الحرب بالحوار والمصالحة الوطنية، وقال إنه لا بد من تضميد الجراح الآن وقبل فوات الأوان حتى لا يكون هناك ندم»، وغيرها العديد من الأمثلة.

     وكان، رحمه الله يفضل الوفاق والتسوية السلمية للنزاعات متى كان ذلك ممكناً، فقد أنهى جميع الخلافات الحدودية مع دول الجوار، السعودية وعمان،وقطر، حتى في نزاعه مع إيران حول جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى، عمل على حل النزاع بالطرق الدبلوماسية والسلمية، وعلاوة على ذلك، فهو يضع قيمة كبيرة للعلاقات الودية مع الدول الأخرى، وبخاصة دول الجوار، ففي السنوات السابقة لاستقلال دولة الإمارات العربية المتحدة، روّج الشيخ زايد إلى فكرة إقامة اتحاد أشمل يضم قطر والبحرين وحتى سلطنة عمان، وفي الثمانينات من القرن العشرين، ساعد الشيخ زايد، رحمه الله، على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية 25 مايو 1981 الذي ضم دولة الإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة الكويت ومملكة البحرين ودولة قطر، واعتبر أن «مجلس التعاون خطوة مهمة لدعم التآزر والتعاون المشترك بين دول الخليج من أجل تحقيق طموحات شعوبها التي ترتبط بالصلة الواحدة والهدف المشترك الواحد، وإن تعاون دول الخليج هو دعم للأمة العربية بأسرها وللجامعة العربية بشكل خاص».

يعكس تصريح للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان  آل نهيان  قبيل إعلان الاستقلال، عندما كان يلح في الدعوة إلى إنشاء الاتحاد، نظرته العامة تجاه وحدة الكيانات المتشابهة إذ يقول: «يتهمني الناس بأنني وحدوي، طبعاً أنا وحدوي، لكنّني أرغب بالوحدة، عندما يجتمع حفنة من الرجال، يتبادلون الرأي ويتوصلون بقناعة تامة إلى أن الوحدة هي أمر لصالحهم، أنا لا أفرض الوحدة على أحد، هذا استبداد، إن التجزئة ليست من طبيعة شعبنا، فالحدود لم تكن تمثل شيئاً أمام شعبنا الذي كان ينتقل في أركان وطننا دون أن يسأل هذه الأرض لمن تنتمي؟».

     إن المتتبع لمسيرة الشيخ زايد السياسية يلاحظ بوضوح هذا البنيان المتراص انطلاقاً من القاعدة الأساسية في بناء الدولة إلى بناء الروابط المتينة بدول الجوار ودول العالم، فعلى الصعيد الداخلي، لا نبالغ إذا قلنا إن التاريخ لم يعرف حاكماً عشق أرضه وشعبه مثل الشيخ زايد، رحمه الله، إن حبّه لأرضه وعشقه لها جعلت من المستحيل ممكناً بفضل الله ورعايته، الصحراء الجدباء المقفرة تحولت إلى حدائق غناء، وبيوت السعف والنخيل تحولت إلى مبانٍ شامخة تناطح السحاب، فهناك روايات عديدة لشهود صادقين حول مدى تعلقه، رحمه الله، بالطبيعة حتى وكأن الشجرة جزء منه، وحبه لشعبه وكأنهم أبناؤه، مما دفعني للقول:

يا عاشقَ الأرضِ حُبّ الأمِ للولدِ      

وحاضنَ الشعبِ مثلَ الصدرِ للكبدِ

     كان، رحمه الله، عميق الإيمان بأن الإنسان المتسلح بالعلم والأخلاق هو اللبنة الأساسية الصالحة لبناء مجتمع قوي صالح، فقد خصص، جزءاً كبيراً من دخل الدولة للتعليم وبناء المؤسسات الإدارية والاجتماعية والثقافية والعلمية والعسكرية والفنية والصحية، وقدم الرعاية الاجتماعية والصحية  لكل محتاج وأتاح مجانية التعليم والصحة...الخ.

      يقول، رحمه الله،: «إن أهم إنجازات الاتحاد في نظري هي إسعاد المجتمع عن طريق توفير جميع سبل الرفاهية والتقدم». فعلى سبيل المثال في عام 1971، لم يكن عدد المواطنين من حملة الشهادات الجامعية يتجاوز (3) مواطنين، في حين بلغ عدد الخريجين منذ أنشأت جامعة الإمارات حتى عام 2000 نحو (22) ألف خريج وخريجة، عدا الجامعات والمعاهد الأخرى في الدولة، فاستطاع، بعون الله، بناء دولة عصرية في فترة زمنية قياسية، أصبحت مضرب الأمثال.

     وعلى صعيد السياسية الخارجية، حدّد الشيخ زايد، رحمه الله، معالم السياسة الخارجية لدولة الإمارات بقوله: «نحن في الخليج نسير سياستنا الخارجية في اتجاهين متوازنين، فنحن في علاقتنا مع الدول العربية والإسلامية نعتبرها علاقة الأخوة في الإسلام التي فرضها علينا ديننا الحنيف، ونحن نتعامل مع هذه الدول معاملة الأخ لأخيه، أما الخط الآخر لسياستنا مع الدول غير الإسلامية، فهو خط إنساني بحت، فعلى اعتبار أننا جزء من هذا العالم الكبير فعلينا واجب، ونتعامل معهم كبشر نحترمهم  ويحترموننا ونكن لهم بقدر ما يكنون لنا من صداقة وود».

كما دعا، رحمه الله، إلى الانفتاح على العالم الخارجي حيث يقول: «إننا لا نستطيع أن نعزل أنفسنا عن بقية دول العالم، ونحن نصادق في شرف، ونتعاون في كرامة، ونساند دون زهو أو مفاخرة، ونناصر مبادئ المساواة والعدل».

     وقال أيضاً: «إن إحدى الاتجاهات التي تتحرك فيها سياستنا الخارجية الانفتاح على العالم بأسره، وعندما بدأت سياسة الانفتاح لم نكن نريد سوى إعادة الأمور إلى طبيعتها»، وهذه الركيزة في الواقع ما هي إلاّ انعكاس لإدراكه وتصوره للواقع الذي تعيشه دولة الإمارات ولقد انعكس هذا الإدراك في النواحي الآتية:

     أولاً - ضرورة حلّ الخلافات بين دولة الإمارات والدول الأخرى بالطرق السلمية حيث قال رحمه الله: «إننا نسعى دائماً أن تكون علاقتنا مع جيراننا من الدول قائمة على أساس من التفاهم التام، ولايمكن أن نسعى في يوم من الأيام إلى الإساءة إلى أصدقائنا أو جيراننا، وإذا كان هناك أي نزاع أو سوء تفاهم بيننا وبين جار لنا أو صديق أو شقيق فإننا دائماً نتجه إلى الله ونطلب منه أن يلهمنا الصبر والمقدرة على أن نصل مع الصديق والجار إلى تفاهم يفيد الطرفين، دون اللجوء إلى ما يضر بمصالح البلدين أو يقودهما إلى النزاع المسلّح».

     ثانياً - توسيع قاعدة الاتحاد وفي ذلك يقول: «نحن نؤمن إيماناً مطلقاً بأهمية الوحدة بين دول منطقة الخليج أساساً للوحدة العربية الشاملة».

ثالثاً - الإيمان العميق بالانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وهذا ما يؤكد عليه الشيخ زايد رحمه الله بقوله: «إنه رغم العزلة التي خضعت لها الإمارات لم نتخل أبداً عن عروبتنا، وظلت مشاعرنا كعرب حية نابضة رغم كل الظروف"، واعتبر الشيخ زايد رحمه الله دائماً أن قضية فلسطين هي قضية العرب الأولى" إن إيماننا بقضية فلسطين بعض من إيماننا بعروبتنا تاريخاً، ونشأة، وكياناً، ومصيراً، وهي قضية العرب أجمعين وأمانة مقدسة في أعناقهم».

     وكان، يرحمه الله، صاحب مواقف قومية وعملية أصيلة، فما من أحدٍ ينسى مقولته المشهورة في خطاب ألقاه أمام المجلس الوطني الاتحادي في 20 نوفمبر 1973، في المبادرة بقطع النفط عن الدول التي أيدت العدو الإسرائيلي أثناء حرب رمضان 1973 بين العرب وإسرائيل، تلك المقولة المشهورة «ليس النفط العربي أغلى من الدم العربي»، كما كان صاحب مبادرات عظيمة، بعيدة النظر، ومن الأمثلة على ذلك المبادرة التي طرحها قبيل احتلال العراق في مارس 2003 لتجنب الشعب العراقي والأمة العربية الكارثة، فقد استمعت من خلال بعض القنوات الفضائية لبعض الذين انتقدوا تلك المبادرة حينها (أي قبيل الحرب)، سمعتهم بأنفسهم وعلى الفضائيات يتندمون ويأسفون بعدما وقعت الواقعة، كيف أن العرب والقيادة العراقية لم يأخذوا بتلك المبادرة، ولم تتوقف جهوده عند هذه المبادرة، بل قام على الفور بتقديم المساعدات الإنسانية إلى الشعب العراقي، وكذلك التأكيد على الارتباط بالعالم الإسلامي «فنحن شعب مسلم نتعاطف مع أبناء الأمة الإسلامية في كل مكان، ونحن وهم نردد في صلواتنا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله».

     رابعاً - تقديم المساعدات الاقتصادية للعالم الثالث حيث يقول: «إن دولة الإمارات العربية المتحدة شأن الدول العربية الأخرى، لا يمكن أن تنسى المواقف المشرفة التي وقفتها دول العالم الثالث إزاء النضال العربي العاجل».

     خامساً - كما يظهر البعد الإنساني في فلسفة وشخصية الشيخ زايد بوضوح، رحمه الله، في قوله: «إننا نقدم المساعدات لبلدان العالم الثالث أولاً وقبل كل شيء إيماننا بالواجب الإنساني تجاه هذه الشعوب الفقيرة لمساعدتها في التغلب على مشاكلها خاصة إذا علمنا أن هناك شعوباً تواجه المجاعة، إننا إزاء هذا الوضع نشعر بمسؤوليتنا الإنسانية تجاه هذه الشعوب».

     ولم تتوقف جهوده، رحمه الله، على توظيف الثروة النفطية في المجال الداخلي، بل اعتمد جزءاً من هذه العائدات للمعونات الإنسانية الخارجية في العالم، فخصصت نسبة عالية من إجمالي دخلها القومي للمعونات الخارجية في العالم، حيث قدمت دولة الإمارات على سبيل المثال منذ قيامها في مطلع السبعينات وحتى نهاية العام 1998 أكثر من 98 مليار درهم كقروض ميسرة ومساعدات ومعونات شملت معظم دول العالم.

     إن هذا السرد البسيط فسّر إلى حد ما فلسفة الشيخ زايد السياسية التي انعكست على السياسة الداخلية والخارجية لدولة الإمارات، ويظهر ذلك في بناء الدولة وفي دعم الخطوات الوحدوية الخليجية، وفي محاولات رأب الصدع، وتسوية الخلافات العربية إذ تبرهن على ذلك تصريحاته ومبادراته الشخصية الواضحة للعيان والتي نذكر بعضاً منها.

     يمثل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، «طيب الله ثراه» رمزاً للعمل الإنساني محلياً وإقليمياً وعالمياً، بفضل ما قدمه من أعمال خيرة كان لها بالغ الأثر في تخفيف معاناة المعوزين والمحتاجين حول العالم، كان وما يزال عنواناً ورمزاً خالداً للعطاء والعمل الإنساني والخيري في الإمارات والعالم أجمع بما قدمه من أعمال خيرة أسهمت في تخفيف معاناة الكثير من شعوب العالم، وسـيظل كذلك صاحب لـقب «الزعيم الإنـساني» بما قدمه من مـساهـمات كـبيـرة في خدمـة الإنسـانيـة وما وضـعه من أسس قـوية لـلبـعد الإنـساني في سـياسـة دولة الإمـارات العـربيـة المتـحدة الخارجية، لا يزال العالم يستذكر حتى يومنا هذا أياديه البيضاء التي لم تميز بين البشر على أساس عرقي أو مذهبي أو إقليمي بل وصلت للإنسان حيثما كان.

ولعل تسليط مزيد من الأضواء على مفهوم الإنسانية في فكر الشيخ زايد يظهر جلياً أن إنسانية الشيخ زايد شاملة واسعة لا تقتصر على أبناء مجتمعه أو بلده، بل امتدت إلى كل إنسان في أي مكان في العالم، لقد تجلت إنسانية الشيخ زايد الشاملة بتوفير كل ما يمكن من أجل إنقاذ شعوب ودول من الفقر والضعف المادي والاقتصادي، وذلك من خلال تقديم المساعدات والمنح والقروض لدعم برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن خلال عمليات الإغاثة والمساعدات في حالات النكبات والكوارث، ويمكن استشفاف هدف الشيخ زايد من هذا السلوك الإنساني النبيل من دافع حب الخير والشعور الإنساني الكبير، فضلاً عن إرساء القيم الإنسانية في العلاقات مع الشعوب ودولها، ما يضمن ويحقق في الوقت نفسه خير البشرية جمعاء، فضلاً عن ترسيخ مكانة الإمارات العربية بين دول العالم، وجعلها منارة للعمل الانساني العالمي وشعلة مضيئة في تاريخ البشرية.

     هذه المكانة التي أرادها الشيخ زايد خيّرة وفاعلة وذات طابع إنساني تقوم على تقديم العون والمساندة والتواصل الإنساني البناء، وقد يتبادر إلى الأذهان أن المساعدات تنحصر في الضرورة، لكن الشيخ زايد لم يكن يحصر مساعدته في الكوارث والأزمات ولم يكن يتبعها بالمن والأذى، ولنستمع إلى مدير وكالة إيتارتاس الروسية السابق (فيكتور ليبيديف): «لم تكن مساعدات سموه للدول والشعوب الفقيرة قاصرة على أوقات الشدة أو على مجرد شحنات من الغذاء والكساء والدواء وإنما توجه الشيخ زايد إلى إنشاء المدارس والمعاهد، وبناء دور الأيتام والجامعات التي تخرج فيها عشرات الآلاف في أماكن متفرقة من العالم».

     ويمكن أن نكتشف بعداً إنسانياً واضحاً في شخصية الشيخ زايد يتضح من خلال أن حسه إنساني لا يتجزأ ولا يعرف حدوداً جغرافية أو عرقية، بل يشمل كل إنسان في كل مكان، وهنا لا يخفى الأمر الديني الإسلامي والمكونات الأخلاقية في شخصية الشيخ زايد، فهو نصير الحق ونصير الإنسان المظلوم.

     برحيل الشيخ زايد بن سلطـــــان آل نهيان، طيب الله ثراه، خسر العالم عموماً، والوطن العربي خصوصاً، قائداً تاريخياً عظيماً، حكيماً، إنسانياً، مؤمناً بالله وبوطنه، عاشقاً لأرضه ولشعبه، الخسارة فادحة ولكن العزاء أن أفكاره ومسيرته ستبقى خالدة أبد الدهر، وعزاؤنا أيضا أنه عبّد لنا الطريق وأناره بفكره وعمله وأن خَلفَهُ يؤمنون بنهج زايد، مخلصون له، ويسيرون على هداه.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية