البعد الديني في شخصية زايد الإنسان

يتوقف طيب الثمر وفساده على صلاحية معين مورده ومقدار ما يشرب منه، فحتى يزدان الثمر بحلاوته ويزهو بنضجه، لا بدّ أن يكون مشربه مما هو صالح له، وعلى قدر ما يفي به مطلبه دون زيادة أو نقصان. ولهذا زاد زايد - رحمه الله- بثمر حلو، نضج من مصدر هويته الدينية الأصيلة الصحيحة، وبطريقة واعية معتدلة، على رقعة أرض صفراء فاخضرّت، وعلى قبائل متفرقة فتجمعت، وعلى تاريخ ساكن فارتفع صوته بالإنجازات والنجاحات.

       زايد الشخصية المترسمة بالدين إيماناً وخلقاً، لا يختلف اثنان في هذا العالم المتعدد بأجناسه وجنسه على أنه رجل صالح، استطاع أن يغير مجرى التاريخ على أرض الإمارات، من فلاة جرداء يحوم الفقر فيها والصراعات القبلية، إلى بساط أخضر يُغري الحياة على صنع البهجة عليه.

       ولا يمكن لأحد أن يُنكر أثر حضور الفكرة الدينية ببُعدَيها الاعتقادي والعملي السلوكي كعصا سحرية على حركة مجريات التاريخ، فالاعتقاد يصنع الفرد بتشكيل مبادئ تصوراته، مما ينعكس على طريقة تفاعلاته مع المعطيات والأحداث والحياة ككلّ، وصور التاريخ بمظاهر حضاراته المختلفة والمتنوعة تعج بالشواهد والأمثلة.

       وزايد شجرة شمخت وأثمرت في تاريخها من غرس بذرتها في حضن الدين وتعاليمه، الذي شكل مرجعاً ثابتاً، ووازعاً روحياً في أقواله وأفعاله وتصرفاته، فالمتتبع لسيرته النيّرة يلحظ النور الإيماني الذي يُعبد طريقه ويشيّده. ونستعرض على ذلك شواهد من جوانب حياته؛ كالجانب الفكري والتربوي والسياسي والاجتماعي؛ لنبرز البُعد الديني في شخصيته رحمه الله.

 

مظهر إيماني

       قد يكون أعظم شاهد لصدى الأفكار الإيمانية التي تصنع الطابع الديني لزايد، هي فكرة قيام الاتحاد، ورغبة نسج روابط الألفة بين بني البشر، ومعلوم أن هذه الفكرة قد تحققت على أرض الإمارات عام1971م بين عدة إمارات محددة، إلا أنّ أساس الفكرة كانت تطمح إلى أبعد من هذه المنطقة، وتتجاوز معنى قبائل معينة من البشر لتشمل كلّ من على رقعة الوطن العربي أجمع.

       يدفعه إلى ذلك رحمه الله مبدأ ديني، يوصي بقوة الاتحاد ورحمة التعاون. وهذا المبدأ الديني ظهر كهاجس ترجمته سلوكيات زايد رحمه الله في كثير من مواقفه السياسية والاجتماعية والتربوية، ونعده مبدأ دينياً؛ لأنه لا تخفى النصوص الدينية الكثيرة على أحد، التي جاءت مصرحة فيها على ضرورة التعاطف والتعاضد، كقوله تعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" سورة آل عمران، آية 103، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً"، وعلى أهمية السعي إلى الوحدة ونبذ الفرقة التي تُبدد طاقات المجتمع، ومن ذلك قوله تعالى: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" سورة الأنفال، آية46، وإن كان البعض يراه مبدأ إنسانياً، فإنه لا تنازع بين الدين الإسلامي والإنسانية، بل إنّ الإسلام جاء إنساني الثوب، يهدي صاحبه لمقاسه الملائم، ويرشده إلى ما يناسبه منها في الأحوال بمتغيراتها، فيُقرر له القيم الإنسانية ويُعززها، ويُجلي له معانيها ويُبينها، ويرفعها كشعارات ثابتة يدعو إليها، ومنها قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" سورة النحل،آية90.

       فنؤكد من ذلك على أنّ مبعث فكرة الاتحاد يُعد شاهداً حياً على دور العامل الديني، كقوة محركة في بناء توجهات شخصية زايد، وتحديد أهداف مساعيه، وأنّها مظهر من مظاهر التدين عند شخصية تنطلق من أساس الدين، ومن ذلك لا نُفوت فرصة التعريج بالتذكير على التنشئة الدينية للشيخ زايد رحمه الله.

 

النشأة والتكوين

    شبّ رحمه الله في حضن الأصالة العربية بعاداتها البدوية وبمرجعيتها الدينية الإسلامية، واشتد عوده وهو ينهل الحكمة والدين في مجلس والده الذي ما خلا من رجال العلم والدين، فكانت نشأته نشأة دينية تربية وتعليماً، وكما ذكر الباحث ثاني المهيري في كتابه الذي يُعده للنشر أنه رحمه الله قرأ في الثلاثينيات من القرن العشرين، على الملا السيد محمد عقيل بن السيد عمر بن السيد الجناحي موطنا الهاشمي نسبا، في الكُتّاب بالقرب من قصر الحصن، ومن ثم على أخيه السيد محمد صالح، وحفظ على يديهما الكثير من الشعر العربي الفصيح، وكان متعلقاً رحمه الله بقصائد المتنبي وامرئ القيس، ومن ثم انتقل إلى العين، وتلقى علومه الشرعية فيها على يد الشيخ مقرن بن محمد الكندي، فتعلم الشريعة وأحكامها، وتفقه في الدين وحفظ شيئاً من القرآن الكريم والحديث الشريف.

       ومن ذلك أبحرت سفينته رحمه الله بثبات وهدى، على بوصلة الدين عن علم ودراية، فالدين كان قيمة عليا نسجت دستور حياته، وتشربت سلوكياته روح تعاليمه، حتى غدا منصهراً به قولاً وعملاً. فكانت التربية الدينية دافعاً روحياً، وهي القوة التي صنعت همة عالية، اكتسبت طاقتها من مبادئ الدين الأصيلة، ومن ذلك سعى الشيخ زايد رحمه الله إلى الاهتمام بتربية شعبه تربية قويمة لا تنفك عن تعاليم دينه، لما علمه من أثر الدين في بناء الفرد والمجتمع.

 

الدين والتربية

       يعرف الكثيرون قول زايد رحمه الله عن أهمية العمل بالرجال: "الرجال هي اللي تصنع.. تصنع المصانع، الرجال هي اللي تصنع سعادتها، الرجال هي اللي تصنع حياتها، الرجال هي اللي تصنع حاضرها ومستقبلها"، فقوام العمل وقيمته برجاله، فلا بد من صلاح الرجال حتى تصلح الأعمال. أدرك زايد هذا المعنى، وعلم رحمه الله أنّ صلاح الرجال يأتي أولاً بالأخلاق، من ذلك قوله رحمه الله: "بدون الأخلاق وبدون حسن السلوك وبدون العلم لا تستطيع الأمم أن تبني أجيالها والقيام بواجبها"، وما الأخلاق ومعرفة الواجب إلا بالدين الذي يشكل الروح القدسية التي تحمي الفرد وتصونه. فكان حريصاً رحمه الله على جعل القيم والأخلاق أرضاً ثابتة يشمخ بها شعبه ووطنه، وهي ما يستقيه أساساً من دينه، فعمل جاهداً على تعليم شعبه وإمدادهم بالمعرفة اللازمة التي تقوم بالدين، وتوفير البيئة الصالحة لذلك، حتى يتسلحوا بالدين كهوية راسخة.

       ويُذكر أنّ أول ما ركز عليه في هذا الجانب، هو حفظ القرآن الكريم، إيماناً منه بأنّه الدستور القويم، الذي يحفظ به شعبه، فأنشأ مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وشجع الطلبة على ارتيادها بتخصيص مبالغ وجوائز لهم، وكان لمدينة العين النصيب الأوّل والأوفر في إشاعة هذه المبادرة، لما حظيته من حكم ومتابعة شخصية منه سابقة على قيام الاتحاد.

 

روح الدين حاضرة

       وإنّ نشأة الشيخ زايد - رحمه الله- على هذه القيم الدينية، وبروزها على أهداف أعماله، دليل على أنه جعل الدين حاكماً على رؤيته، وحريص على تمثل الشخصية المسلمة ظاهراً وباطناً، فقد كان يعزو أفعاله وأقواله وسلوكياته دائماً إلى الدين، كما يقول في تسجيل صوتي له، مستنكراً على بعض أفعال المنسوبين إلى الإسلام، بقوله: "مسلم وما يتسامح؟!"، فيدل هذا القول على أنّه رحمه الله ينظر من منظار إسلامي.

       وينقل عنه المستشار الدكتور زكي نسيبة، الذي رافقه في كثير من مقابلاته السياسية وعمل مترجماً له، أنه كان يردد دائماً: "إنّ المسلم الحقيقي هو من آمن ثم عمل الصالحات"؛ أي ظهر إيمانه على أعماله وسلوكياته، ويقول عنه في موضع آخر، بأنه: "لا يذكر أي حديث لسموه مع أجنبي لم يساند فيه حجته بالاستشهاد بآية قرآنية، أو بحديث نبوي شريف، أو بحكمة مستمدة من التراث الإسلامي".

       فالدين بالنسبة لزايد - رحمه الله- قيم يترسمها بأخلاقه، ومبادئ يترجمها بأفعاله، ودستور ينتهجه في حياته، ومعرفة ينير بها وعيه، متشرباً بذلك معنى الحديث الذي يقول فيه أفضل الصلوات والتسليم: "الدين المعاملة".

              ولعمق مكانة الدين في نفسه، فقد حرص على الاهتمام ببناء المساجد وعمارتها والإحسان إليها، ويذكر عنه سعادة عبدالله راشد النعيمي - أوّل زير خارجية للإمارات- أنّ الشيخ زايد -رحمه الله- عندما كان يناقش رجال التخطيط الذين وضعوا أساساً للعمران في أبوظبي، قال لهم: " هنا... أريد منكم إقامة مسجد كبير بجوار القصر الأميري... يكون واحداً من المعالم الهامة في أبوظبي... وضعوا كلّ خبراتكم في أن يكون مسجداً رائعاً ليضم المؤمنين من سكان أبوظبي في كلّ صلاة".

زايد والعلماء

       حرص - رحمه الله- على إشاعة الوعي الديني بين شعبه، وإكرام علماء الدين وتقديرهم، فكانت له علاقات ومجالس حافلة بهم ومعهم، يحاورهم ويناقشهم بفكر ناضج وإيمان عميق، فشاع صيته بين العلماء وأحبوه وقدروه لوعيه ودينه. يقول مستشار الشؤون القضائية والدينية السيد علي الهاشمي، "عندما أمر الشيخ زايد - رحمه الله- باستقدام كبار العلماء، استجاب لتلبيته علماء قلما يخرجون من بلادهم، ومن بينهم العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف، والعلامة الشيخ محمد أبو زهرة، والعلامة المربي الكبير الشيخ كتفتارو، والشيخ محمد محمد الغزالي، والشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ الدكتور الأحمدي أبو النور، وغيرهم" ويذكر عنه الشيخ محمد بشير الشقفة، وهو ممن جالس المغفور له في أول فترة حكمه، يقول: "ما جلسنا مجلساً مع الشيخ زايد إلا كان أكثرنا ذكراً لله تعالى، كما كان كثير التعظيم للعلماء والعلم شديداً على المتنطعين والمتشددين وأصحاب الأهواء". فكان رحمه الله صاحب دين ووعي، ويُذكر عنه أنّه أوّل من سن استضافة علماء الدين في المنطقة، وإكرامهم طيلة شهر رمضان، حتى غدت سنة حسنة إلى يومنا هذا من لدن القيادة الرشيدة.

       من ذلك يظهر أنّ الدين كان عاملاً جوهرياً في رسم حدود شخصية الشيخ زايد - رحمه الله- وصياغة معاني وجوده، وقلما نجد كلمة له مصورة أو مكتوبة أو صوتية، إلا ونجد فيها نفحة من نفحات الدين، يؤكد فيها قيم الشريعة السمحاء، ويشكر الله ويحمده، ويحثّ على رد الفضل إليه دائماً.

       ونختم بمقولة للشيخ زايد رحمه الله تنضح إيماناً صادقاً، ينقلها عنه سعادة راشد عبدالله النعيمي، بعد أن ارتفع البنيان واستقرّ الناس، قال لهم مذكراً بنعمة الله وحاثاً لهم على التواضع: "يجب أن نتذكر الماضي بعين معتبرة، وقلب واع،... وأن يكون الماضي عبرة نعتبر به لحاضرنا... إننا إذا أمعنّا النظر في الأرض القاحلة لوجدناها قد تحولت إلى أرض خضراء... والأرض الجدباء الخالية تحولت إلى عمارات وأسواق حديثة... وطريق الأيام أصبح يُقطع في ساعات. إن أكثر ما يفرحنا ويسعدنا... هو الراحة التي ينعم بها الشعب الآن، بعد الشظف والضنك. وهذا دليل على رضى الله علينا. إنّ الأمن والطمأنينة التي نشعر بهما ما هما إلا نتيجة لتوفيق الله ورضاه علينا".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية