كسر معيارية الصحراء بالانتصار لثقافة الماء في الوعي العربي والإنساني

   الصحراء تشكل بعداً أصيلاً في تكوين شخصية زايد الإنسان، فهو ابن ثقافتها البار بامتياز، مطرز بصفائها ونقائها، مصقول من سخائها وبهائها، مقدود من حرها وقرها؛ بل مضفر بجدلياتها الغامضة ومعادلاتها الصعبة. ذلك لأن الصحراء بقدر جبروتها وقسوتها في سنوات القحط والجدب، هي هادئة، دافئة، هانئة في مواسم الجنى والخصب. ولا يعرف أسرار الصحراء؛ إلا من كابد عذاباتها، وتعايش مع أقدارها الفائقة، وفي الوقت عينه؛ عانق سحرها ودلالها، واغتسل بعبق ضوعها وسحر جمالها، كما لا يعرف سر الماء في الصحراء، إلا من سبر أغوارها، وهتك أسرارها، فكشف خفاياها، وفضَّ خباياها، وطار في فضاءاتها الفسيحة المريحة؛ كما البواشق أو الصقور، التي اعتادادت التحليق بأجنحة من عِزٍ وإباء في الرخاء كما الشقاء؛ مهما رَحُبَت السماء أو عَزَّ البقاء.

 

       ولأن الصحراء لا تكون صحراء؛ إلا بالجفاف والمحل، فكانت معيارية الصحراء نُدرة الماء وشُح الغذاء. لذلك تميزت مفردة "الماء" في العربية بحضور لافت. والمتتبع الحاذق سيدرك التضاد بين خصلة الجود أو الكَرَم المحمود لدى العرب، وبين شح الصحراء وندرة الماء، إذ إن الصحراء كلما كانت تعض الأرواح بالجوع، وتكوي النواميس بالشح والقلة أو النُدرة، كانت العرب تهزم الجوع بالجود والسخاء والإيثار، فتنتصر فلسفة البقاء، وتقهر جبروت الصحراء، تلك الجبروت التي كانت تحير العالمين، فلم تجرؤ الإمبراطوريات التي قامت في التاريخ؛ على عظمتها، من مقاربتها، فضلاً عن استباحتها، فظلت الصحراء العربية عصية منيعة على الإذلال. والقارئ الحصيف لتراث العرب يفطن لصورة الماء الجمالية، التي يعرضها القرآن الكريم، وتسردها مرويات العرب في قصائدهم وخطبهم،  فكان وعد القرآن الكريم للصالحين في الجنة بـ "مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ"،  ثم حفلت دوواين الكبار أمثال المتنبي وأبو تمام والبحتري بأبيات تُظهر الماء في صور المطر والسحاب والغوث والمزن، وغيرها مما يصعب حصره. ثم نجد الماء يطل مجدداً في القصائد العصماء بصور بلاغية ترمز للجود والحنين والحكمة.

 

    المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ابن الصحراء البار كان يعرف بالفطرة سر الماء في الصحراء. لذلك كانت أولى أناشيده في غنائية الماء؛ خلال حكمه في مدينة العين عام 1946م، فجاءت تعليماته آنذاك بكسر احتكار الماء، بحيث يصير مشاعاً للفقراء كما الأغنياء، أو للضعفاء كما الأقوياء. مستعيداً المبدأ الإنساني الأصيل في ثقافة الصحراء العربية، "حق الناس في الشراكة المتكافئة بالماء والكلأ". وهو ما عبرت عنه القوانين الدولية الحديثة؛ بشأن الحقوق المائية المتساوية للدول المتشاطئة. وتتالت توجيهات الشيخ زايد بسن إجراءات ميدانية تضمن توفير الماء لسكان مدينة العين وواحاتها، ثم باشر المغفور له بمشاريع حفر الآبار وشق الأفلاج. ويتحدث معاصروه عن جهوده الفعالة في رفع كفاءة شبكة الري عبر الأفلاج؛ بخفض وقت دورة تدفق الماء بحيث تصل إلى الجميع بانتظام؛ من دون انتظار لفترات طويلة.

 

   مما يُروى في ذلك الوقت، أن الشيخ زايد رحمه الله في يوم من أيام رمضان، شعر بالعطش الشديد في ظهيرة قائظة، فقصد أحد الأفلاج في مدينة العين؛ ليتبرد بالماء؛ لعله يتغلب على لهيب الصيف وعطش الصيام، وكان عند الفلج رجل لم يتعرف إلى الشيخ زايد، وكان الرجل منهمكاً وقتئذ؛ بغسل جراب من سعف النخيل، فطلب منه زايد ألا يفعل؛ حتى لا يلوث الماء، فقال له الرجل: "ولِمَ علي أن أستجيب لطلبك"؟. أجابه زايد: "أنا إنسان مثلك". يقصد أن له حاجة للماء شبيهة بحاجة الرجل؛ دون أن يعرف عن نفسه أو يكشف عن هُويته للرجل. إن هذا الرد المقتضب؛ يكشف بوضوح؛ إيمان الشيخ زايد بضرورة شراكة البشر جميعهم في المياه. 

    ومع تولي المغفور له مقاليد حكم إمارة أبوظبي تضاعف تحدي الماء أمامه. وبخاصة أن مياه آبار أبوظبي سرعان ما كانت تفسد، فتتحول من العذوبة إلى الملوحة، وكان الحل في أول مشروع، محطة لتحلية الماء في أبوظبي عام 1961؛ بسعة 12 ألف جالون يوميا، تلتها محطة ثانية بطاقة إنتاجية قدرها 50 ألف جالون يومياً، وبذلك شكلت محطات التحلية نقطة فارقة في تاريخ أبوظبي بشكل خاص، لأنها وجدت ولأول مرة حالة من التوأمة بين مياه الخليج العربي وصحراء شبه الجزيرة، ومنح هذا  الترابط بعداً استراتيجياً جديداً؛ لتتعاظم أهمية الخليج العربي الاقتصادية والسياسية.

 

    عقب انتخاب المغفور له الشيخ زايد رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة تضاعف التحدي أمامه في شح الماء. ذلك لأن دولة الإمارات تعد إحدى البلدان العشرة الأكثر افتقاراً للمياه عالمياً؛ بسبب مناخها الجاف، ويبلغ معدل الأمطار فيها 100 ميلمتر سنوياً، وهو من أقل المعدلات. وكان الحل هو في تكرار تجربة إمارة أبوظبي الناجحة في إنشاء محطات تحلية مياه الخليج العربي، ولكن هذه المرة تحت مظلة الاتحاد، وجاء أول ظهور مؤسسي للماء في التشكيل الوزاري الثاني لمجلس الاتحاد، الذي سمى وزيراً خاصاً بالمياه، وأوكلت له مشروعات انشاء محطات التحلية في كل إمارات الدولة، ومد شبكات المياه إلى البيوت، وتكررت توجيهات -المغفور له- ذاتها في مدينة العين؛ بمجانية المياه، أي إعفاء كل من على أرض الإمارات من فواتير المياه خلال عقدي السبيعنات والثمانينات؛ ليتاح الماء بلا مقابل مادي لأجيال عانت طويلاً من شح الماء. ويشار هنا أن  دولة الإمارات تتصدر اليوم المرتبة الثانية عالمياً بمجال تحلية المياه، وتنتج الإمارات 14% من كمية الماء المحلاة في العالم.

 

  اتسعت أحلام الشيخ زايد بن سلطان – طيب الله ثراه - بعد هذه النجاحات الجبارة في صراعة مع الماء، فقرر الدخول في منافسة أشد، فراح يستعين بمياه البحر المحلاة على تشجير الصحراء القاحلة، وتتحدث الأرقام عن زهاء 150 مليون شجرة زرعت في عهده - طيب الله ثراه - منها 22 مليون نخلة.

 

    مع أن الشيخ زايد انتصر على مشكلة الماء العذب في مختلف إمارات الدولة، لا بل انتصر على الصحراء بالتخضير والتشجير المشهودين؛ إلا أنه بقي رحمة الله عليه مسكونا بتحدي الماء، فانتقلت همومة إلى المحيطين العربي والإنساني. ويسجل له التاريخ إيمانه العميق بمشروع نهر الليطاني وأثره على لبنان واللبنانيين، فقرر صرف منحة تجاوزت نصف مليار ليرة لبنانية في عام 1974م لتمويل مشروع النهر. تبع ذلك سلسلة من المشروعات الحيوية في حفر الآبار وإقامة السدود وخزانات المياه في الكثير من المناطق في العالم العربي وأفريقيا، وتوج ذلك بتمويل مشروع إعادة بناء سد مأرب الشهير في اليمن عام 1986م.

 

   لقد كان الشيخ زايد يتمثل الماء؛ باعتباره حق مقدس للإنسان، فضلاً عن كونه من أسباب النماء، لذلك كان حاضراً بقوة في أشعاره – طيب الله ثراه-  فالماء يأتي للترحاب في قوله:

 "مرحِبَا بِك عَدّ ما أِنْهَلِّي ..

مِالسِّحِب غَيثٍ او ما ياري"،

 وكذلك في قوله:

" هَلاَ بِهْ عَدّ مِزْنٍ في غِمَامِـي ..

وما هَبَّتْ نِسِيـمْ اْلمِطْلِعِيّـهْ "،

وفي أبيات أخرى جعل سقيا المطر هي أجمل ما يمكن أن يتمناه  لمحبوبه: " يعـل نـوٍ بانـت امْزونـه ..

 يسجي الظَّفْـرَه أوْ يَرْوِيهـا"

ثم يعود في قصيدة أخرى فيتمنى الخير للناس أجمع  قائلاً:

 " يعل يُودْ السِّحِبْ لِمْدِنّـا ..

 يروي الدّوله أو مفالينـا".

 وهكذا أنشد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قصائد في حب الماء تجلت على الأرض بفكر ورؤى ومشاريع، وقصائد مكتوبة، بينت مكنون هذا الحب الأصيل، الذي يتجلى في فلسفة الصحراء وسر الماء.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية