<<بابا زايد>> أيقونة التعايش وملهم صناعة التسامح والسلام

    حينما يُعَبِّر مقيم بسيط على أرض هذه الدولة؛ بلغة عربية قد لا تساعده كثيرا، ويقول: "بابا زايد"، نتيقن بأن تلك الكلمات المؤثرة، كلمات لا تعرف العجمة، ولا تضعفها اللكنة، كلمات نجد حروفها في أبجديات لغة الحب، ونحصل على حروفها وفصولها في قاموس التعايش الرحيب، وندرك تماما بأن الإيحاء الفكري لتلك العبارات الصادقة والمعبرة، إنما هو ثمرة لغرس نجنيه اليوم، غرس يذكرنا بالأمثلة العربية السائرة: "من يزرع الخير يحصد ما يُسر به"، و"من يزرع المعروف يحصد الشكر"، وها نحن اليوم نحصد ما زرعه "بابا زايد" من الخير، ونجني ثمار رؤيته السديدة ونظرته المستقيمة الحميدة {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ}[الأعراف: 58]

 

       وإذا تأملنا أكثر في هذا الموقف الزاخر عذوبة ومعنىً، فإننا سندرك بأنه نتاج ما  زرعته الإمارات - لعقود خلت- من قيم التعايش وأخلاقه وفضائله، وما غرسته في نفوس أهلها من المحبة والاحترام والتسامح، فأنبتت أواصر المشاعر الإنسانية النبيلة والأخلاق الفاضلة الراقية، التي نستلهمها من مآثر الشيخ زايد وشواهد بنائه، ونستلهما أيضًا من صورته، التي هي في مقامها الأول رمز الأبوة؛ أبوة القيم، أبوة العلاقة العميقة اللامتناهية، أبوة الرابطة الإنسانية المتجذرة؛ وهل التعايش إلا رباط وثيق وميثاق متين بين الإنسانية؟!

       إنها تلك الأبوة الغالية العزيزة التي لا تُقدر بأثمان، إذ لم تكن يوماً صورة الأب للبيع..؟

الشيخ زايد ونظرية التعايش المتفردة

  إن الشيخ زايد (طيب الله ثراه)  كان ولا يزال ينبوع قيم التعايش الإماراتية ومعينها الذي لا ينضب، فقد انتقل إلى رحمة الله تعالى منذ أكثر من عقد، ولكن آثاره ومحبته ما زالت حية في القلوب، فاعلة في النفوس. في هذا الموقف النبيل الآنف الذكر تتجلى قيم راسخة رسوخ الجبال، وأخلاق أصيلة ماثلة للعيان؛ نرى فيها الوفاء والمحبة والولاء والانتماء والإخلاص وحب الوطن، حتى تجاوزت فيه العلاقات ما هو مصلحي ودنيوي إلى معان وجدانية أعمق، ولم يكن ليتحقق ذلك لولا نهج التعايش والتسامح الذي تبناه الشيخ زايد رحمه الله تعالى، وإنه بمثل هذه المواقف من المقيمين على أرض هذه الدولة، التي تواجِهُنا في شوارعنا وأسواقنا ومساجدنا، نُقدم للعالم نظرية متقدمة في تحقيق التعايش المتقدم بين مختلف مكونات المجتمع، وبمثل هذه المواقف الصادقة –أيضا- ندرك أن بلادنا اليوم في مرحلة ما وراء التعايش التي هي المودة والوفاء المتأصلان، والسعادة في أوج معانيها، وميلاد الحياة الطيبة في دروب المعاش ومعترك الحياة، فقد روي عن أحد السابقين قوله: "صلاح شأن الناس التعايش". كما أن التعايش في مدلوله اللغوي  يعني الحياة؛ قال ابن فارس: "العين والياء والشين أصلٌ صحيح يدلُّ على حياةٍ وبقاء"، فالحياة الطيبة المستقرة إنما تُنال بتحقيق التعايش والاستقرار والرخاء والسعادة، وهذا ما بينه الشيخ زايد رحمه الله تعالى في مقولته أو حكمته الشهيرة: "إن التعايش بين البشر على الرغم من اختلاف الأديان والعقائد هو أساس السعادة". فمن يهرول وراء السعادة عليه أن يعلم بأن أقصر طريق إليها هو التعايش وقبول الآخر وتقدير إنسانيته واحترام معتقده وثقافته.

الشيخ زايد ومرتكزات التعايش

ولأن مصدر التعايش هو تعاليم ديننا الإسلامي وأخلاقنا وإرثنا وثقافتنا وهويتنا الوطنية؛ نستلهم من رؤية الشيخ زايد رحمه الله تعالى في التعايش مرتكزات أربعة على أساسها تبنى هذه القيمة المهمة:

أولا: إن التعايش واحترام الغير وإشاعة أخلاق التسامح مع الجميع ليس للمسلم فيه خيار، بل يجب عليه أن يتعايش مع الجميع؛ لأن دينه يُحتِّم عليه ذلك وهذا ما أشار إليه إليه الشيخ زايد بقوله رحمه الله: "نحن مسلمون ولا نتسامح! هذا أمر غريب، إن المؤمن يجب أن يكون رحيماً ومتسامحاً".

       ثانيا: أن التعايش أفعال وإنجازات ومبادرات ولا يقتصر على الأقوال، وهذا شأن الفضائل كلها كما يقول علماء الأخلاق، بأن الفضائل ليست عدمية بل هي وجودية، ومن هذا الباب كان للشيخ زايد رحمه الله تعالى مبادرات لتكريس التعايش بين الأديان، فتجد المسجد والكنيسة متجاورين، وقد كان له الفضل (طيب الله ثراه) في ترميم الكنائس الواجب علينا احترام كيانها، وحفظ قدسيتها، وخير مثال على ذلك مبادرته الشهيرة حينما قام بترميم "مسجد عمر" في القدس، ورمم بجانبه "كنيسة المهد".

       ثالثا: أن التعايش السلمي هو أساس التنمية في الحياة والتقدم والازدهار والسعادة. فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا تتحقق إلا بقبول الآخر والقدرة على التعايش مع الغير، وانتهاج الحوار في كل الأمور؛ لأن المصالح مترابطة والمرادات متعددة، وتحقيق التعاون بين الناس يحقق التنمية والنفع العام للإنسانية، وقد سخر الله الناس بعضهم لبعض، من أجل التعاون فيما بينهم وتحقيق الوئام والنظام؛ يقول الله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزُّخْرُفِ: 32] وذلك لاحتياج بعضهم بعضا ووقوف معايشهم على ذلك. وفي إمارات التعايش نرى نموذجا ثريا في العيش بين الشعوب  حيث يقيم على هذا الأرض أكثر من 200 جنسية، كلهم ينعمون بالاستقرار والكرامة والاحترام والعطاء، وإنما التفاوت في الإنجاز وما يقدمونه لهذا الوطن. 

       رابعا: أن التعايش هو الملهم للحضارة والصانع لها والجالب لمقوماتها والداعم لأصحابها، وهكذا كانت تطلعات الشيخ زايد حينما يقول: "إن للشرق نصيبا من الحضارة وللغرب نصيبا آخر، فما علينا إلا أن نختار خير ما عند الشرق وخير ما عند الغرب". وقد أصبحت اليوم هذه الرؤية حقيقة؛ حيث تسعد أبوظبي اليوم بصروح حضارية عملاقة؛ متحف هناك يجمع حضارات العالم وجامع يقصده السائرون من ثقافات شاسعة وبلدان مختلفة؛ للاطلاع على الثقافة الإسلامية، إنها إمارات التعايش التي أرسى فيها الشيخ زايد هذا النموذج الفريد من التعايش السلمي.

إن الإمارات أصبحت نموذجا ملهما للتعايش السلمي، وجينات التسامح تميز بها هذا الشعب وكل من وطئت قدماه هذه الأرض، وهذه الجينات بحمد الله محمية بسياج من التعاليم الدينية وقوانين رادعة وأعراف راسخة. فلله الحمد على ما أولى وأنعم وله الشكر على ما أجزل وألهم.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية