عبقرية الهوية الثقافية العربية تسكن أقوالة وأفعالة

      الثقافة بمعناها الأكثر شمولاً هي أساس العمران وازدهار الإنسان. وبالمعنى الفلسفي هي الوجه الأكثر جمالاً للحضور الإنساني؛ بمواجهة القباحة والعسف والظلم والتوحش. ومن ضمن معانيها ما هو مختلف عن الطبيعة، أي ما هو مكتسب؛ وليس فطرياً. وفي علم الاجتماع تعرف الثقافة؛ بأنها كلّ ما هو مشترك بين الجماعة، أو ما يوحِّد بينهم. ما يعني أن الثقافة هي نشاط إنساني، هدفه المزيد من أنسنة الإنسان، وتجميل وجه الوجود، حسبما يقول الفلاسفة والمفكرون على مرّ التاريخ. وعرَّفت "اليونسكو" في العام 1985 مصطلح "الثقافة" بأنّها "جميع معارف الإنسان المتعلقة بالطبيعة والمجتمع". ما يعني أنّ الثقافة هي نشاط مكتسب،

 

الثقافة باعتبارها نشاطاً مكتسباً تشمل مجمل سلوك الأفراد والجماعات في الماضي والحاضر أو في كلّ زمان أو مكان. وهي كخلاصة معرفية إبداعية؛ حصيلة المنجز الإنساني المشترك. وانطلاقاً من فهم هذا التراكم الثقافي - بالمعنيين التاريخي والحداثي - تتوالى فتوحات المستقبل الرامية؛ بالضرورة إلى غرض وحيد، هو إسعاد البشرية وتعمير كوكب الأرض بالجمال والمحبة والسلام. وهكذا يكون الكتاب أو المخطوط الحافظ للتاريخ، هو خازن المعرفة الإنسانية الأكمل على مرّ التاريخ الإنساني، وتأكد هذا المعنى مع بداية عصر النور والتنوير الإسلامي، الذي أراده المولى فاتحة الوحي بقوله جلَّ وعلا "إقرأ". فالتقط المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طَيَّبَ الله ثراه هذه المعاني بحسه الفطري البدوي الأصيل (البداوة من البادية) وعبَّرَ عنها أحسن تعبير بقوله: "الكتاب هو وعاء العلم والحضارة والثقافة والمعرفة والآداب والفنون، وأنّ الأمم لا تقاس بثرواتها المادية وحدها وإنما تقاس بأصالتها الحضارية، والكتاب هو أساس هذه الأصالة والعامل الرئيسي على تأكيدها".

       فمن أين جاء هذا البدوي غير المتعلم في المدارس أو المعاهد والجامعات النظامية، الذي نال إعجاب كلّ من عرفه أو اقترب منه؛ سواء من أهله أو قومه، وجميعهم كانوا أهل بداوة، إلا أنهم كانوا على الدوام مبهورين بشخصيته وحكمته وحلمه وعلمه وحزمه، أم من الأغراب الذين كانوا مع أول تماس بشخصيته؛ يكتشفون من خلال أقواله وأفعاله، عبقرية الهُوية العربية الثقافية الفذة، التي أنتجت أزهى الحضارات وأبهاها في زمنها. فالشيخ زايد رغم قيامه وقعوده على تخوم القيم الحداثوية الغربية أو المُغَرَّبَةِ، إلا أنه ظل في قلب الحداثة بمفهومها الأصيل، أي المتفاعل معها من موقع الند الكفؤ، وليس من موقع المستلب بها. بمعنى أن المغفور له الشيخ زايد ظل محافظاً على بداوته بنقائها وصفائها الفطري والعفوي، لا تشوبها شائبة، باعتبارها منبت ومصهر "مكارم الأخلاق"، الذي لا ينفك ذلك المصهر يجدد ويفولذ إنسانيتها، ويُنقّيها من كلّ أفن أو عفن. ولكنه في الوقت عينه انفتح على ثقافة العصر، وتمكن من استيعاب دروس التسامح الديني والاجتماعي، التي تعتبر من أهمّ وأرقى ميزات الثقافة الإنسانية المعاصرة. فكيف أفلت هذا البدوي، المعجون بقيم الصحراء، المطرز بنبلها وشهامتها وفروسيتها الأصيلة.. كيف أفلت من التشيء وفلسفة تسليع القيم، التي طفت على سطح الحداثة؛ بغواية جارفة، وكأنها الوجه الوحيد للعصرنة والتطوير أو التجديد، فتجاوز زايد كل ذلك، وأمسك في الوقت عينه؛ بروح الحداثة بمعناها الثقافي الأصيل؛ كونها تهذيباً وتشذيباً للذات الإنسانية، من دون التخلي عن إشباعها روحياً ومادياً، فضلاً عن إصراره على الإرتقاء بقيمها على المستويين الأخلاقي والديني إلى ذرى جديدة تليق بالإنسان، باعتباره وريث الله على الأرض، من دون مخلوقاته كافة، بمن فيهم الملائكة، الذي يحفون بعرشه، ويسبحون بحمده ليل نهار؟ 

    بهذا المعنى نظنّ أنّ زايد الإنسان هو رجل الثقافة الأول بامتياز، بكل مفاهيمها أو دلالاتها الجمالية والأخلاقية والدينية أو الإنسانية عموماً، ولو لم يكن كذلك، لما كان رجل الدولة الفذ، الذي قدم نموذجاً وطنياً اتحادياً، هو الأرقى والأكثر ثباتاً واستقراراً ونجاحاً في المنطقة، بحيث صار في الوقت الراهن بوتقة للسلام والتفاعل الإيجابي البناء بين الشعوب. وفي الوقت عينه صار قِبّلَةً عالمية لريادة الأعمال وتمازج الأفكار وتلاقح الثقافات. وهذا ما يجعل قراءة ثقافة الشيخ زايد؛ تنطوي على بعض التقصير- بالمعنى الأكاديمي-، والكثير من الظلم – بالمعنى الإنساني- إن لم تستجب القراءة العلمية المنصفة لشخصيته الثقافية الشاملة، من مفهوم مصطلح الثقافة الشامل، كما عرفته العلوم الإنسانية المعاصرة.

     المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، كان يتميز بشخصيةً واعيةً لحركة الثقافة في التاريخ العربي بالدرجة الأولى، والتاريخ الإنساني عموماً. لذلك كان متصالحاً مع الماضي أو التاريخ كهُوية ثقافية عربية تقوم بجوهرها على فلسفة "مكارم الأخلاق" ومحاسن الأعمال، وجسدها في سلوكه الفطري منذ طفولته وشبابه الأوّل. والشواهد على ذلك أكثر من أن تُعَدَ وتُحصى، ومع ذلك تفاعل مع قيم العصر ومعطيات الحداثة بكلّ وجوهها المادية والمعنوية؛ بنبل وفروسية تليق بزمانه ومكانه وتاريخه. وفي الوقت عينه كانت شخصية زايد الإنسان مُدّرِكَةً لأهمية دور العلم في بناء الإنسان القادر على التطور واجتراح الحداثة؛ لتوظيفها في خدمة الإنسان ورفاهيته من دون تشويه إنسانيته، فمارس فلسفة إرساء التعليم الحديث بسخاء منقطع النظير، وانفتح على علوم عصره بلهفة الصحراء للماء، انطلاقاً من مفهوم ما يمكن أن نسميه "المعيارية التاريخية" في الثقافة العربية والإسلامية؛ ببعديها الديني والأخلاقي، التي قامت منهجيات البحث الغربية بنسفها، وقالت بالقطيعة معها بشكل حديّ مبتور، وعمل بوحي هذه المنهجيات معظم المثقفين أو المفكرين العرب على مدى القرون الثلاثة الماضية على أقلّ تقدير. وذلك بعكس ما قام به الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه) في مسألة التعامل مع الحداثة؛ لجهة استقبالها، ومعالجتها قيمياً؛ دون تجاوز علميتها، ومن ثم العمل بها على مستوى الممكن، أو إعادة تصديرها، على شكل سلوك حضاري، يعبر عنه أحسن تعبير، في انفتاحه على الإنسان؛ من كل الأعراق والأديان. وهذا ما سنبينه لاحقاً بتوسع.

   كذلك كانت شخصية زايد الإنسان رحمة الله عليه تُقَدِّرُ صناعة الفرح والمسرات من خلال دعمه وعنايته المتواصلة لحركة الآداب والفنون، حيث أعطاها من جهده ومن وقته، ما جعلها تزدهر في الدولة وتصبح علامات بارزة تستهوي أفئدة الناس من كلّ حدب وصوب، متمثلة بالمهرجانات العالمية على كلّ المستويات السينمائية والمسرحية والشعرية والروائية والقصصية والتشكيلية وغير ذلك من وجوه الثقافة الزاهرة. وكان الناظم الأوّل والأخير في عقد خصاله الشخصية الحميدة رحمة الله عليه، السمة الأخلاقية والإنسانية المتعالية على كل القباحات أو الموبقات، الحاضنة بحدب الأب وحرص القائد على الأفراد والجماعات؛ سواء في محيطه الإماراتي والخليجي، أو العربي والإسلامي، أو على المستوى العالمي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية