زايـد.. ذكرى متجـدّدة عـلى الـدوام

  • أسس دولةً حضاريةً تتجذّر وحدتها الجغرافية والسياسية يوماً بعد آخر
  • انخراط زايد في صفوف الناس يقوم على المحبة المتبادلة بين شعب وقائده
  • أرسى زايد نهجاً وحدوياً قائماً على الحب والتراحم والعدل والمساواة

 

إنعام النّظر في حقيقة ما أنجزهُ قادة العالم ومقارنته بما تحقّق في عهد زايد، سيتكشف للمتأمل أنّ هنالك مسافة شاسعة حقاً بينهم وبينه؛ فعلى الرغم من أنّهم حققوا استقلالاً ناجزاً لشعوبهم إلاّ أنهم في الأصل، كانوا قادةً (وارثين)، فهم لم يُنشئوا دولاً من العدَم، بل حققوا استقلالاً لأقاليم كانت تتمتع في الأساس، بوظائف الدّولة كافّة إدارياً وقضائياً وتشريعياً وسياسياً، بينما زايد لم يكن في قائمة الزعماء الوارثين هؤلاء، وإنّما كان قائداً خلاقاً ومؤسساً، صنع دولة وأنشأها من العَدَم.

 

     لم يكن للإمارات المتفرقة قبل اتحادها وظائفَ دولةٍ مِن أيِّ نوعٍ يُذكر، كما هو شأن الدول التي تتمتع بمؤسسات كتلك التي ورثها أغلب قادة العالم المجاولين لزايد، طيب الله ثراه. فقد كانت المنطقة عبارة عن شتاتٍ: قبائل ومجموعات منتشرة على طول سواحل الخليج، من رؤوس جبال إمارة رأس الخيمة إلى منطقة خور العديد بإمارة أبوظبي، وكانت أشبه ما تكون بقبائل الصحاري، تُحكم بطريقة بدائية تغيب عنها مقومات إدارة الدولة ومهامها. يُضاف إلى ذلك، أنّ قادة العالم الوارثين لدولة الهياكل المؤسسية والبُنى التّحتيّة والحــدود الواضحة، على الرغم من ذلك، فإن بعضهم فشل في الحفاظ على ما استخلفه على مستوى عددٍ من الشؤون كالحدود والاستقلال التام، خلافاً لزايد الذي خلّف دولةً حضاريةً تتجذّر وحدتها الجغرافية والسياسيية يوماً بعد آخر، ويتماهى مواطنوها مع قيمها الاتحادية. إنه المنهاج الوحدوي القائم على الحب والتراحم والعدل والمساواة. فدولة الإمارات التي تمتد من رأس الخيمة شمالاً إلى رأس غميص غرباً إلى أم الزمول جنوباً، ما كانت لتكون وتأخذ مكانتها اللافتة بين دول العالم، لو لا ما صنعه زايد من مجد.

     ومقاربة كهذه بعيدة عن العاطفة في الحديث عن خصال زايد وشمائله التي لا يملّ المرء تكرارها وتذكّرها في كل وقت، إنما المراد منها هو التأسيس للعمل الجاد والمخلص على تمثّل قيمه وصفاته ومناقبه ورؤاه، في أي مجال كنّا وبأية مهمة قمنا. أما ذكراه المُلهمة فهي لا تُنسى كونها تُجدد نفسها كلما طالعتك التفاصيل في دولة ترقى في كل يوم قمة جديدة. وكم راعني في هذا السياق ما كتبه الأمريكي (إدموند موريس) عام 1907، وكان يوم رأس السنة، كتب يقول: (إن الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت سجل رقماً قياسياً في عدد الأيدي التي صافحها من مواطنيه، فقد بلغت ثمانية آلاف ومائة وخمسين يداً) معتبراً أن الرئيس (رزفلت) وضع بذلك مثالاً يتوقع من القادة الذين يخلفوه، أن يتبعوه، فرد عليه كاتب آخر في أسبوعية (التايم) الأمريكية ويدعى (لانس مورو) يبلغه أن القادة الذين خلفوا روزفلت تفوقوا عليه، وكتب مخاطباً زميله:(فلننظر إلى بيل كلينتون يمر أمام حشد من مؤيديه، وبما يشبه الجوع أو قل الجشع، يرسل يديه في عمق الحائط البشري، سعياً لملامسة أيدي مريديه). وكلام كهذا يجعلني أقف متأملاً زايد حينما يمر بحشد من الناس، كيف يقف لساعات وهو يصافحهم، ولو جمعنا تلك الحشود لحصلنا على طابور مليوني لم يخطر على بال عالميين كتبوا ورصدوا لحظات التحام القائد بجماهيره. وإذا كان هؤلاء الرؤساء يصافحون مواطنيهم من باب (العلاقات العامة) بغية تأييد أو مناصرة أو انتخاب، فإن دوافع الالتحام بالجماهير لدى زايد تختلف كثيراً عن دوافعهم تلك، فهي تقوم على المحبة الخالصة والعميقة، المتبادلة بين شعب وقائده. أحد مستشاريه كتب في هذا السياق، قائلاً: ( كم كان الشيخ زايد يحب هذه الناحية الشعبية الحُرة من عمله - الانخراط في صفوف الناس - فقد كان يخرج على البرنامج المعدّ سلفاً وتوقيته الضيق، ليقف فرحاً مع الناس ويتحدث إليهم).

     يشدّك في كتاب (سوريا.. الرواية المفقودة) الصادر حديثاً للسيد فاروق الشرع، وصفه لرئيس الدولة الشيخ زايد، طيب الله ثراه. يكتب فاروق الشرع، قائلاً:( كان الشيخ زايد عروبياً بالفطرة، لمّاحاً وذكياً ويتمتع بفراسة خاصة من دون أن تجبره على الدخول في تفاصيل المناقشات البيزنطية والتساؤل عمن هو العدو؛ فهو يتحدث عن العروبة أكثر من حديثه عن أي شيء آخر، في حين غيره - ممن قابلت- يتحدثون عن كل شيء أكثر مما يتحدثون عن العروبة). وبدا الشرع جريئاً في كتابه وموضوعياً لأبعد الحدود في كثير من روايته عن الشيخ زايد.

     في العام 1961 كاد التعليم أن يكون إلزامياً في إمارة أبوظبي، في عهد المغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، وذلك بسبب قلة الإقبال على الدراسة، كما صرح بذلك إلى مجلة العربي الكويتية (العدد30 لعام 1961)

بقوله: «إنها ظاهرة مؤسفة - قلة الإقبال - لأن عدم وجود الرغبة في التعليم سيعود بالضرر على البلاد. أنا أفكر الآن في جعل التعليم إجبارياً لأطفال أبوظبي». في العدد نفسه من مجلة العربي جاء أن جزءاً كبيراً من الأهالي في المنطقة  - الإمارات قديماً - (يفضلون أن يذهب الأبناء مع الأباء إلى الغوص والصيد بدلاً من أن يضيّع وقته في التعليم !).لكن ماذا حدث بعد مرور خمس سنوات على هذا الحديث الصحفي؟ 

     تسلّم مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عام 1966، ليجد عدة قضايا في انتظاره من بينها مشكلة عدم الإقبال على التعليم، فرأى أن الأمر كبير ولا يمكن تركه من دون حل ناجع، إلى جانب أنه لا يحتمل التأجيل، فوضعه في رأس أولوياته العاجلة. فماذا فعل زايد ليحل هذه المشكلة العويصة؟ قرر الآتي: إن كل من يمتلك سيارة ويقوم بنقل التلاميذ من سكناهم إلى مدارسهم صباحاً، ويعيدهم بعد الظهر، تخصص له مكافأة مالية شهرية. وضع الفكرة / المبادرة وترك أمرها يسير ويتطوّر على هذا النحو لفترة زمنية. أصحاب السيارات الذين لبوا الدعوة وقاموا بنقل التلاميذ، هم أول من أعادوا التفكير في التعليم وأهميته ليتساءلوا فيما بينهم:(أطفالُنا أولىَ من أطفال(الفريج) بأن نقوم بنقلهم إلى المدارس بسياراتنا الخاصة.. ما الذي يضر لو أنّا نقلنا أطفالنا معهم إلى المدرسة ؟ ). وكرت السبحة بعد ذلك لتضج المدارس بابتسامات الأطفال، ولتعلو الفرحة وجوه الأمهات في (الفرجان) . بعد فصل أو فصلين دراسيين جاءت المؤشرات لتبين أن نسبة الإقبال على التعليم فاقت التوقعات، والسبب مبادرة قادت إلى نتيجة فاعلة وإيجابية.

      اليوم حينما نقوم بالتدريب في أي مجال، نذكر للمتدربين مثلاً يدل على (القيادة بالمبادرة) ويسألون كيف هي القيادة بالمبادرة ؟ فنذكر لهم مبادرة زايد في ميدان التعليم. هذه المبادرة تبعتها مبادرات عديدة وعظيمة أثمرت الكثير في شتى مجالات الحياة، وغطت جوانب حيوية ومهمة، أوجد عبرها الفارق/ العلامة، ليس في تاريخ المنطقة العربية وحسب بل أزعم في تاريخ العالم؛ والنموذج الماثل أمامنا دلالة واضحة على ذلك الجهد وتلك الرؤيا: دولة الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة) وحتى فكرة مجلس التعاون الذي عقد الاجتماع التأسيسي له في الرياض ثم أبوظبي عام   1981 كانت تشاورية بين زايد وأمير الكويت حينذاك. إن حياة زايد، ابن العرب الوفي، كانت كلها مبادرات من أولها إلى آخرها.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية