للكتاب مكانة خاصة في فكر زايد

"الكتاب هو وعاء العلم والحضارة والثقافة والمعرفة والآداب والفنون، وأنّ الأمم لا تقاس بثرواتها المادية وحدها، وإنما تقاس بأصالتها الحضارية، والكتاب هو أساس هذه الأصالة والعامل الرئيسي على تأكيدها" المقولة ذات مدلول عميق وقيمة عليا، جسدت مكانة الكتاب في فكر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، (طيب الله ثراه)، الذي أولى اهتماماً لا مثيل له بالعلم والثقافة والمعرفة؛ انطلاقاً من أهمية الكتاب ودوره في الخروج من الظلمات إلى النور، وتطور الأمم والشعوب والارتقاء بالمجتمعات، وجعله نهجاً نموذجياً؛ بأبعاده المعرفية والعلمية، يقوم على بناء الإنسان وإعداده؛ ليكون مؤهلا في تأدية واجباته وتحقيق طموحاته، وشريكاً فاعلاً ومتقاعلاً في تأسيس دولة قوية مزدهرة، تتسم بالتسامح والتنوع الفكري والثقافي.

        من هنا جاءت دعوة الشيخ زايد إلى إقامة معرض للكتاب عام 1981 في مبنى "المجمع الثقافي"، تشجيعاً للعلم وتأصيلاً للثقافة، وهو ما مهّد الطريق إلى إطلاق العديد من المشروعات الثقافية، التي ساهمت في إثراء المشهد الثقافي في الدولة،  وجعل الكتاب إحدى الركائز الأساسية التي مكنت دولة الإمارات العربية المتحدة من أن تصبح مركزاً ثقافياً في المنطقة، حيث شكّل هذا المعرض فيما بعد؛ الانطلاقة الحقيقية لمعرض أبوظبي للكتاب، الذي أولاه المغفور له اهتماماً خاصاً من حيث الدعم والتشجيع والرعاية، وتوفير كافة المقومات والإمكانات، التي تساعد في إنشاء المكتبات ودور النشر؛ بهدف توفير الكتب والمؤلفات وإتاحتها للجميع، فضلاً عن دوره في تعزيز القراءة لدى أفراد المجتمع.

       وما مبادرته بإقامة معرض الكتاب قبل 36 سنة إلا دليل على رؤيته المستقبلية الثاقبة، التي تشهد الدولة ترجمتها اليوم؛ من خلال الإنجازات والنجاحات، التي تحققت على المستويات كافة، وقد نجح في تعويد الناس على طلب العلم واكتساب المعرفة بالتشجيع المادي والمعنوي، وزرع حب القراءة والثقافة في النفوس عبر شراء كميات كبيرة من الكتب؛ وإهدائها للمكتبات والمؤسسات الحكومية في كافة إمارات الدولة، كما شملت مبادرته تشجيع الشباب على التأليف والإبداع في مجالات الأدب والشعر المختلفة، حيث دعم دور النشر لطباعة إنتاجهم الأدبي، ومازالت هذه المبادرة قائمة حتى الآن؛ بأشكال متعددة، وتمثل نهجاً استراتيجياً ثابتاً في مسيرة الاتحاد؛ لما للكتاب من  أدوار وقيم عالية في تنمية الإنسان وصياغة فكره ووجدانه، وتأثيره في صنع مجتمع المعرفة والارتقاء بالفكر الإنساني.

       لم يقتصر اهتمام الشيخ زايد، رحمه الله، على المعرض؛ بل دعم الجهات والمؤسسات الثقافية التي تهتم بالكتاب وتسويقه وترعى الفعاليات والأنشطة في هذا المجال؛ ليتم بعد ذلك تأسيس دار الكتب الوطنية في الدولة. فيما كان له السبق في إنشاء مشروع الشيخ زايد لتحفيظ القرآن؛ لما له من أهمية في ترسيخ معاني التسامح والفضيلة والأخلاق، ومن أثر كبير في  صلاح المجتمع والنهوض به، والحفاظ على اللغة العربية والهوية الثقافية عموماً.

       لقد حرص الشيخ زايد، على دعم الكتاب في مختلف المجالات الثقافية والفكرية والأدبية، خصوصاً فيما يتعلق بالتراث؛ باعتباره مكوناً رئيساً من مكونات الشخصية الإماراتية؛ سواء على مستوى الهوية الوطنية أو الثقافية، داعياً إلى صون التراث وحفظ العادات والتقاليد والقيم، وتوصيلها إلى الأجيال الجديدة؛ لتعريفهم بتاريخهم وموروثهم الثقافي والحضاري.

       ولأنّ الكتاب بالنسبة للشيخ زايد وسيلة تربوية وتثقفية وتوثيقية؛ فقد قام بتأليف كتاب "رياضة الصيد بالصقور"، وصدر عام 1976 عن وزارة الإعلام والثقافة بأبو ظبي. ويعتبر الكتاب مرجعاً مهماً في هذه الرياضة؛ لما يتضمنه من معلومات، تصدر عن خبرة وحسن اطلاع.

       ولأنّ الشيخ زايد كان شاعراً ومحباً للشعر والشعراء، وله الكثير من القصائد النبطية، فقد اهتمّ بنشر الكتب الشعرية وإصدارها، وإقامة مجالس الشعر في مختلف أنحاء الدولة؛ باعتبارها تمثل إحدى دعائم الثقافة العربية والخليجية، وقدّم الكثير من الدعم للشعراء؛ لإعلاء مكانتهم، فضلاً عن تكريمه صُنَّاع الثقافة، والمفكرين، والأدباء، والشباب، بهدف إلقاء الضوء على إسهاماتهم وابتكاراتهم وإبداعاتهم في لإطار التنمية الشاملة. ما أسهم بشكل لافت في إثراء الحركة الثقافية ونموها المستمر، وتعزيزها ومدّ فضاءاتها المحلية إلى العالمية؛ كونها ركيزة أساسية من ركائز التواصل بين المجتمعات الإنسانية، وطريقاً مهماً لترسيخ ثقافة التسامح، وتكريس مفهوم التعايش السعيد؛ وفق النهج القرآني الحكيم.

       أيضاً لم يغب التعليم عن اهتمام الراحل المؤسس، فأنشئ المدارس والمعاهد والجامعات، وأرسى الدعائم الأساسية؛ لتداول الثقافة من خلال العمل المؤسساتي الممنهج علمياً، فضلاً عن المؤسسات الثقافية الأهلية، مثل: الصحف المحلية، والمجلات والمطبوعات الدورية، والمهرجانات الثقافية، والمؤتمرات الفكرية، والنوادي التراثية والثقافية، ودور النشر، والإذاعة، والتلفاز، وغيرها من المؤسسات المعنية بنشر الثقافة، والتوجيه بإنشاء الأبنية الثقافية والتراثية الأصيلة. وذلك لتفعيل نهضة معرفية أصيلة تسعى إلى تشجيع التأليف، والبحث، والنشر؛ لأن العلم والثقافة أساس بناء الإنسان وازدهار العمران؛ على طريق النهوض والتقدم الحضاري.

       كلمات الشيخ زايد عن الكتاب والعلم والثقافة، أسست رؤية مستقبلية؛ لم تأت من فراغ، خصوصاً أن الحضارة العربية هي أهم حضارة اهتمت بالكتاب في عصور النهضة والازدهار، من خلال اهتمام الأمراء والحكام والخلفاء بالعلم والعلماء والشعراء والمفكرين والفلاسفة، والإغداق بالأموال والذهب والهدايا النفيسة على المؤلفين والمترجمين.

       من هنا كان السباق مع الزمن أحد أبرز معالم القيادة الحكيمة للشيخ زايد، ودوره التاريخي في عملية التنمية والبناء، التي شملت الاقتصاد والعمران والمعرفة والثقافة، ومن بينها الكتاب الذي حرص المغفور له على تسليط الضوء على أهميته ودوره التعليمي والمعرفي والتثقيفي في حياة الأمم والشعوب؛ لأن تعليم الناس وتثقيفهم مدعاة للاعتزاز والفخار. ولذلك يقول: "العلم ثروة ونحن نبني المستقبل على أساس علمي".

       لقد أكد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد منذ البداية أن العلم هو الطريق الوحيد للنهضة والتقدم ومواجهة تحديات العصر، وأنّ أكبر استثمار للمال هو استثماره في خلق أجيال من المتعلمين والمثقفين،  من خلال الاستثمار في الثقافة والمعرفة؛ عبر إقامة بنية تحتية ثقافية متقدمة، ودعم حركة التأليف ونشر الكتب، وتنظيم الفعاليات الفكرية والثقافية، مثل معارض الكتب، وما تسخير الأموال لخدمة الثقافة والأدب والفن والبحث العلمي إلا عنصر من عناصر التنمية والتطوير، إذ إن حجم الدول، كما كان يقول الشيخ زايد، "لا يقاس بالثروة والمال، وأن المال، ما هو إلا وسيلة لغايات عظيمة لا يحققها إلا العلم".

       إذاً لا بد من العلم والمعرفة والثقافة، أي لا بدّ من الكتاب والعمل على اقتنائه في كل بيت، وجعله بمتناول الجميع، ولا بدّ أيضا من التسابق على التعلم والتميز، كما يقول المغفور له الشيخ زايد: "علينا أن نسابق الزمن، وأن تكون خطواتنا نحو تحصيل العلم، والتزود بالمعرفة، أسرع من خطانا في أي مجال آخر".

       لقد تضمنت فصول قصة الشيخ زايد مع الكتاب عشرات المبادرات التاريخية، التي تستحق أن توضع أمام الأجيال المقبلة، ليتعرفوا إلى جهوده في إنجاح مسيرة الكتاب ومنتوجاته البناءة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية