التعايش ممكن عندما تقتنع بأنك جزء من الكل وليس الكل

من هو الآخر؟

 سؤال "هو"، أي سؤال الآخر، يحيل بداهة إلى الخصوصية الثقافية، أو التمايز بالهُوية الثقافية، فالهُوية مشتقة من "هو" باللغة العربية، أي أنت ليس أنا، وأنا ليس أنت. ولكن هذا التمايز بالهُوية، الذي يفترضه حضور "هو"، لا يلغي حضور "أنا"، ولا يشطب "هو" بأي حال من الأحوال؛ لأنه تمايز إيجابي محمود بالضرورة، حسب مختلف الدراسات والنظريات الأنثربولوجية والسوسيولوجية الحديثة. فالآخر يُغني "الأنا"، ويساعدها على اكتشاف شرطها الإنساني على مستويات عدة

الذات تتعلم من الآخر، ويحسن لها أداءها، ويساعدها – من دون تدخل – على تلافي اخفاقاتها؛ من خلال القياس على أفعاله أو مراقبة أعماله ودراسة تصرفاته، وتارة أخرى يشكل الآخر للذات حافزاً مهماً للجد والاجتهاد، الذي يقود إلى النجاح وما يتلوه من رفاهية وسعادة منشودة، وثالثة يبين لها مثالبها ويُهديها عيوبها، ورابعة يؤنس وحشتها ويبدد كآبتها.. وهلما جراً. هذا إذا افترضنا عدم التعاون. أما في حالة التعاون الصادق، فالمؤكد، سوف يتضاعف الآداء أو العائد من الآخر مرات ومرات. وهذا الأمر مثبت بحكم الواقع والتجربة. ما يعني أن الآخر ليس مجرد مرآة للذات، تعكس لها حضورها بدرجاته المختلفة أو المتعددة؛ من العثرات والكبوات إلى  النجاح والتفوق، وإنما هو ضرورة إنسانية على كل المستويات الأخلاقية والدينية، فالأنس والمؤانسة هي التي أعطت الصفة للإنسان، بموجب قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا"(صورة الأعراف- 189)، وتسكن إليه. أما أفعاله فهي نعت له، ما يحتم أن تكون على مستوى إنسانيته. ومع ذلك فما المانع أن يكون "هو" أو الآخر "أنت" في مكان مختلف وزمان مختلف، فتنقلب الآية، وتصبح أنت "هو"، فهل تريد أن تنطبق عليك مقاييس الاغتراب، وأن يجرم تمايزك الثقافي، أو تصبح منبوذاً، مقصياً، مهمشاً، مهملاً، منسياً؟.

 

ننظر إلى الأخرين المختلفين عنا بازورار وننعتهم بالغرباء، وربما نحتقرهم، ونهينهم، ونمتهن كرامتهم ونتسلط على حقوقهم، وقد ندوس إنسانيتهم لأتفه الأسباب.. قد يكونون غرباء عن أوطانهم، بعيدين عن أهلهم وناسهم بحكم الظروف القاهرة، أو أسباب المعيشة المتعسرة، ولكنهم يشاطرونك الآن الزمان وأيضًا المكان، فكيف تحتمل اضطهادهم؟. أليسوا نظراء لك بالخلق؛ إنْ لم يكونوا شركاء لك في الواقع والحياة؟. أتقبل أن يمارس عليك الاضطهاد؟.في الواقع، لا يقبل عزيز النفس المذلة أو المهانة لغيره؛ بل يرفضها بقوة رفضها لنفسه.

 

 ومن يرتضي إذلال الآخرين، لديه مشكلة، فإما يكون لئيماً أو دنيئاً، واللئيم يعني أنه يفتقد إنسانيته، ويكون أقرب إلى التوحش، أما الدنيء، فيكون وضيعاً بطبعه، وبالتالي ليست لديه مشكلة بالمهانة أو المذلة لنفسه أو لغيره، وهذا النوع من البشر يحتاج إلى علاج، وربما يكون ردعه بقوة القانون مناسباً؟!  

السؤال الذي يُفترض أن نطرحه على أنفسنا: كيف نستطيع أن نتقن فنون التعايش؟ لأن التعايش مع الآخرين بوئام وسلام، يجعلنا أول الأمر، متصالحين مع أنفسنا، أي متصالحين مع آدميتنا أو إنسانيتنا. وثانياً، وهو الأهم، يجعلنا سعداء، والسعادة غاية الإنسان في كل زمان أو مكان. 

يقول علماء الآنثربولوجيا إن المستقبل للشعوب المتنوعة الأعراق المتعددة الهُويات والثقافات، والنموذج أو المثال على ذلك ليس بغائب على أحد، فهذه أمريكا، وما أدراك ما أمريكا؟

 

أمريكا إنها "سلطة خضار مشكلة" كما يقولون بالتعبير الإنجليزي. ومع ذلك فهي أقوى أمم الأرض قاطبة، وأغناها، بل تحوز على أكثر من ثمانين بالمائة من ثروة الأرض.

 

هذا ما يقوله العلم؛ بشأن المستقبل، ويقطع الواقع؛ بأهمية الأمر لجهة التعددية الثقافية بالمعنى الإيجابي.

 

 يضيف علماء الإنسان أن الفوقية خدعة، ويرفضون نظرية تفوق الأعراق، ويعزونها إلى أسباب ميكيافيلية، بمعنى أنها كانت نظريات نفعية أو انتهازية تبرر الحجج الاستعمارية، ولكنها سقطت الآن وانتهت إلى مهملات التاريخ. فالإنسان جزء من منظومة كاملة، وحتى تكتمل هذه الحلقة لا بد للمرء أن يؤمن بحق الأخرين في الوجود، وأن يكونوا جزء من هذه المنظومة بندية متكافئة. ما يعني أن الإنسان لا يدرك إنسانيته إلا من خلال إنسانية الآخر. والإنسان الذي يعيش داخل أطر مغلقة يخسر جزءاً من إنسانيته، ومع الوقت يصبح أقرب إلى التوحش. وبهذه الحالة يصبح خطراً ليس على الاخرين فحسب، بل على نفسه وأهله وناسه. إن التعايش هو ضرورة إنسانية. فضلاً عن حقيقة الجوهر الديني الذي يقوم على التآلف والتعارف من أجل عمارة الأرض بالخير والجمال. فالتعايش شأنه شأن الإيمان في فلسفة الإسلام، بموجب حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وكذلك شأن التعايش، فلا يستقيم أمر التعايش الإنساني السعيد حتى يقتنع الإنسان أنه جزء من الكل وليس الكل، وأنه يريد الخير للكل كما يريده لنفسه. وجميع المجتمعات المعاصرة، التي كفلت التعايش وحمته بقوة القانون، وضمنت الحقوق والمساواة والحرية للأفراد والجماعات، هي التي تتسيد العصر؛ بالمعنى الحضاري على كل المستويات. أما الإجابة الشافية على سؤال: كيف نتقن فنون التعايش؟، فنعتقد أن النموذج الإماراتي في التعايش هو تجربة تُحتذى، ويمكن القياس عليها في بناء مجتمعات مستقرة مزدهرة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية