وعي الشيخ زايد بالتسامح يصدر عن معرفة بالذات والتاريخ والهوية

       نشأ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان منذ طفولته في أجواء متسامحة لا تعرف التعصب، وكانت رؤيته, منذ  نعومة أظفاره ,تعبّر عن سلامة فطرته النقيّة .لذا كان  , رحمه الله, جيّاش العاطفة، نقيّاً كالنبع الصافي. وبقدْر ما كان متدّفق المشاعر، سامي الوجدان، كان عميق الفكر واسع الإدراك، شديد الوعي.ارتبط الإسلام في تصوّر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمشروع نهضوي استطاع أن يصنع حضارة عظيمة انتشرت في أرجاء المعمورة، وكان الشيخ زايد ينظر إلى تلك الحضارة بوصفها حضارة متسامحة، لا إفراط فيها ولا تفريط، تقوم على التوازن الدقيق بين الروح والمادة من أجل بناء الإنسان المتمّدن. لهذا كان يؤمن بأنّ النهضة هي فعل تطوير وإصلاح لمختلف جوانب الحياة من أجل بناء واقع جديد.

        فالإسلام كما ظل الشيخ زايد يرى: "لا يتنافى أصلاً مع الحضارة والتّقدم لأنّه دين حضارة وعلم ونهضة بل إنّ تعاليمه هي قمّة الحضارة والعلوم".

       إنّ من يتتبّع رؤية الشيخ زايد عن الإسلام، يجد أنّه مرتبط على نحو جوهريّ بفكرة التّقدّم التي تبلورت في عصر التنوير وحملت في طيّاتها تنامي النزعة الإنسانية التي تعلي من شأن الإنسان وتجعله مركز الكون بوصفه ذاتاً عاقلة، لكنّ الشيخ زايد كان يحرص على أن تتمّ عملية التقدّم من منظوره المتوازن. يقول:

       "إنّ الدين الإسلامي الحنيف يدعو إلى التقدّم ويحثّ عليه. ويُنادي بالعدالة التي هي أساس كل تقدّم. كما أنّ الله في كتابه الكريم يأمر بالعمل. والعمل هو طريق التقدم. إنّنا شعب يؤمن بالله ويؤمن بدينه الحنيف، لا تعارض بين الدين الإسلامي والتقدم"

يصدر الشيخ زايد في هذه الرؤية عن تصوّر حضاريّ يرى أنّ على التقدّم المنشود أن يجمع بين المادة والروح والعلميّ والإيمانيّ، جمع توازن واتّساق. ومثلما استطاعت الحضارة العربيّة أن تجمع بين الإنجاز الماديّ الضخم والأبعاد الفكريّة والأخلاقيّة، كان الشيخ زايد يؤمن أنّ في مقدور الأمة أن تفعل ذلك في هذا العصر من خلال رؤيته الوسطيّة التي تمثّل التوازن بين الثابت والمتغيّر والأصيل والمعاصر والمحافظة والتجديد. لهذا كان يرى أنّ الإسلام يجسّد فعل التقدم الذي يعني تجاوز الواقع المتردّي للوصول إلى واقع أفضل.

       ظلّ الشيخ زايد يصدر عن احترامٍ للإنسان لوناً ولساناً وديناً، وظلّ يؤمن أنّ الاختلاف العرقي لا يشكل قاعدة لأفضليّة أو دونيّة، فهو اختلاف يتجلّى داخل أسرة إنسانيّة واحدة. فالتغاير والاختلاف يشكّلان قاعدة الحياة في المجتمعات الإنسانية، وهي قاعدة عصيّة على التجاوز، لأنها أساس التنوع الفكري والثقافي، لذلك كان من الطبيعي أن يدين الشيخ زايد "التمييز العنصري بكافّة أشكاله" وأن "ينظر إلى البشر كافّة بعين واحدة، عين المحبّة والأخوة".

       ظل الشيخ زايد يدعو إلى البحث عن الجوامع القيميّة والأخلاقيّة المشتركة التي تقوم عليها العلاقات بين المؤمنين بربّ واحد والابتعاد عن التعصّب الذي ينبني على رفض الآخر ورفض الاعتراف به. وقد عبّر الشيخ زايد عن رفضه للظلم الذي يقع على الناس بصرف النظر عن عقائدهم وألوانهم، فقال:

       "إنّ شريعة الله في خلقه تقضي بأن يقف القويّ إلى جانب الضعيف وأن يذود عن المظلوم ويصدّ الظالم. فالقوّة لا تمنح للعبث والطيش بل لإحقاق الحق وردع الظلم. وليس من المعقول أن يبقى الحظر على المظلوم بينما يرتع الظالم في عدوانه وبطشه".

       يصدر الشيخ زايد في هذا كله عن إيمان راسخ بأنّ التّسامح أو السماحة هي جوهر الإسلام "فالإسلام الحقيقي هو السماحة، لا يحمل حقداً ولا بغضاً للبشر، الإسلام مثلما هو سمح في ذاته، سمح للبشريّة كلّها بقناعاته. وهذا هو الإسلام الصحيح (…) فلا يمكن أن يواجه الإسلام البشريّة بعنف؛ لأن ذلك غير موجود في كتاب الله وتفسيره واضح".

       إن من يقرأ تصوّرات الشيخ زايد بهذا الخصوص يرى أنّ التّسامح لا يعني القبول السلبي أو الاضطراري بالآخر كما كان الحال في التسامح الاوروبي في عصر النهضة، بل إنّه يرى أنّ الآخر شرط مكمّل للأنا وشريك يصعب إلغاؤه أو الاستغناء عنه. فـ"الإسلام هو دين التوحيد والوحدة والسماحة والسلام والعفو".

        إنّ وعي الشيخ زايد بالتسامح يدلّ على أنه يصدر عن معرفة بالذات والتاريخ والهويّة ثم معرفة الآخر تاريخاً وفكراً وثقافة.

       انطلق الشيخ زايد منذ أن تولى حكم العين عام 1946 إلى أن لقي وجه ربه في نوفمبر عام 2004 من منطلقات للتسامح. وقد أدرك منذ شبابه أهميّة العفو والصفح والتسامح. فكان يمدّ يد العون والصداقة إلى الجميع. وظلّ حريصاً على أن يردم هوّة الخلاف بين المتخاصمين، وبقي، وهو داعية الوحدة الأكبر، مؤمناً بالتنوّع، لأنه يثري الحياة ويعود على الناس بالنفع والخير، وكانت مقولته "أشقّاء في أسرة واحدة" تمثّل التنوّع في الوحدة أو الوئام في سياق التعدد. ومنذ أن تولّى الشيخ زايد حكم أبو ظبي عام 1966، ورئاسة الدولة عام 1971 لم يعد التسامح واجباً أخلاقياً عنده، بل صار مسألة سياسيّة وقانونيّة.

       لقد استطاع الشيخ زايد أن يبني دولة حديثة، يتوافر فيها التعليم الحديث والتّقنية المعاصرة في شتّى مناحي الحياة وتتوافر فيها الإدارة الحديثة، والحركة العمرانيّة القويّة والطرق الحديثة والمستشفيات والجامعات.

       إنّ الشيخ زايد ابن الحضارة العربية الإسلامية في موقفها من الآخر. والمتتبع لحوارات الشيخ زايد مع مختلف الشخصيّات الفكريّة والعلميّة والإعلاميّة والسياسيّة، يكتشف أنّ الهويّة الثقافيّة التي كان الشيخ زايد يصدر عنها متفتّحة، تؤمن بالتبادل الثقافي، ويمكن تلخيص مجمل حواراته في القضايا التالية:

  1. إبراز أهمية الحضارة العربيّة الإسلاميّة وطبيعتها المتسامحة، في إطار رؤية نقدية تسعى إلى عدم التقليد بل إلى الاستلهام والابتكار.
  2. إبراز الجوامع المشتركة بين الثقافات والأخلاق والعقائد.
  3. تعميق المصالح المشتركة في الاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا.
  4. التأكيد على قيم الاعتدال والتسامح والتنوع الثقافي وحقوق الإنسان.
  5. إثراء الثقافة الحواريّة التي تقوم على عدم رفض الآخر، والانفتاح على الحضارات وعدم التقوقع والاختباء وراء وجهات نظر متطرفة وجامدة.

       وقد ظل الشيخ زايد يدعو علماء الدين إلى بناء تصور للإسلام يقوم على التسامح ونبذ العنف والارهاب:

"إن الواجب يحتم على أهل العلم أن يبينوا للناس جوهر الإسلام ورسالته العظيمة بأسلوب يليق بسماحة الدين الحنيف، الذي يحث على الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يستجيب الناس ويواجهوا الإرهاب باسم الدين والقتل باسم الدين"

        وقد سارت دولة الامارات على خطى القائد المؤسس. فصارت واحة للتسامح والتعايش السلمي بين مختلف الاديان والاعراق لانها ترتكز احترام التنوع   ومحاربة ثقافة الكراهية كما تجلى في استحداث وزارة للتسامح. لقد كانطلق الشيخ زايد من نظرة مستقبلية ترى أن دولة الإمارات العربية المتحدة   ستكون مجتمعا آمنا ا لا مكان فيه لأي تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون.

       وقد سنت الدولة قوانين وتشريعات تضمن كرامة الإنسان وحمايته من أي انتهاكات كقانون مكافحة التمييز والكراهية الذي يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها ومكافحة كافة أشكال التمييز ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية