برنامج التسامح والتعايش نموذج إماراتي مبهر

    أطلق مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية - أبوظبي- في عام التسامح 2019م برنامجاً تدريبياً، تحت عنوان "التسامح والتعايش"؛ بإدارة الدكتور جمال سند السويدي، وقد سعدت بانضمامي إلى هذا البرنامج الإبداعي، مع ثلة من أصحاب العلم في الشأن الإسلامي.

   لقد جاء هذا البرنامج العميق في محاوره، الرصين في  أطروحاته؛ ليناقش خطاب التسامح، ويغني مفهومه ودلالاته وأهدافه،  ويثري القيم الإنسانية المرتبطة به. فضلاً عن إلقاء الضوء على القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، التي تتعلق بهذا المفهوم الرشيق. بالإضافة إلى ذلك، يُظهر البرنامج قيمة التسامح والتعايش، المنقوشة ثقافة وقانونا على جبين المجتمع والدولة في إماراتنا الحبيبة. كذلك يخصص البرنامج مادة ثرية بعنوان "إرث زايد"؛ للغوص في الأبعاد الأخلاقية والإنسانية للرجل الحكيم، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه). كما يسلط البرنامج الضوء على روح الأديان؛ ليقطر ترياق التسامح من عبق نصوصها وأريج فلسفاتها. وعلاوة على ذلك، يسعى البرنامج إلى تكوين ثقافة إعلامية متزنة، جميلة للمنتسبين؛ حتى يصبحوا مشعل خير؛ لهذه القيمة الفذة، في مختلف المنصات الإعلامية. ويناقش هذا البرنامج الاطروحات المتعصبة والدوغماتيه في المجتمعات غير المتسامحة، ويفضح عوارها ونقصها وانحرافها بأسلوب علمي قويم، وطرح فكري مستنير، يعيد إلى الإسلام المتسامح رونقه وجماله. كما ينقل برنامج التسامح والتعايش منتسبيه، إلى آفاق تسامحية، من خلال زيارات علمية وحوارية، داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، ترمي إلى انضمام القيادات الدينية الشابة في حوارات التسامح ولقاءات التعايش مع نماذج متعددة من مختلف الثقافات. فالعالم هو حضارات ممتدة في التاريخ، وثقافات متنوعة ومتباينة في هُوياتها. ما يجعل الغوص في بحيراتها؛ بمثابة بناء عقل إنساني رشيد، يستوعب التعددية، ويراها لوحة جميلة متناسقة الألوان؛ مهما اختلف أو تباينت مرجعياتها. ذلك لأن التنوع هو مصدر إلهام للآخر، فالأنا ناقصة، وكمالها هو الآخر، نكتمل في اختلافنا وتنوعنا. أما عقيدة العزل والتهميش والقطع، فلا تليق بالإنسان إطلاقا، وعندما نعمد إلى فصل الجزء عن الكل، فإننا، في حقيقة الأمر، نستأصل الإنسان عن طبيعته، فلا بُدَّ أن يتحول الإنسان الفرد إلى إنسان كوني، يندمج مع كوكبه رغم التعدد والاختلاف.

   المبادرة في صنع برنامج متكامل، ومتخصص في تعميق مفهوم التسامح وأهدافه، يمثل إضافة نوعية، تدفع بالبرامج التديبية والدراسات البحثية إلى مكانة متقدمة، تسهم في صناعة مجتمعات إنسانية، يسودها الرحمة والشفقة والمحبة والوئام، وترتقي بالفكر إلى مستويات رفيعة من إنتاج قيم مؤنسنة، تنضح من روح الدين، وتنهض بالعقل الإنساني من وهدة الخلاف والخصام إلى ربوة الوئام والسلام، على قاعدة راسخة من التعاون والتضامن والتكافل والتآخي والتلاقي الإنساني الجميل على قيم الرحمة والخير والجمال

ومن جميل التطبيق اختيار المنتسبين للبرنامج، من المتخصصين في الشأن الإسلامي؛ إذ يستدعي ذلك وجوبا ولزاما، أن يقدم رجالات الدين مشاركات متجددة، ونظريات أكثر واقعية في شأن التسامح والتعايش؛ لتجاوز مربع الاتهامات، الذي ترمى به جميع الأديان، والتغلب على قانون التعصب وثقافة تمزيق بعضنا البعض.  

  ولابد أن نكون أكثر جرأة في وقف تحريف النصوص، الذي تقوم به الجماعات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة. ما أسهم في ظهور الخطاب التحريضي، وتحولت الرحمة إلى عذاب، والمصلحة إلى فساد، والحكمة إلى عبث، والبناء إلى هدم، فمن المحتم التصدي لهذه التفسيرات الضالة والاستدلالات الخاطئة وإزالة الغبش عنها؛ بمنهجية الفهم والتنزيل والتأويل الصحيح، كما يقول العلامة عبدالله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة.

   إننا نعي، أن كل نصوص الشريعة لها موقعها وموضعها، وأن التعامل معها تلقيا وفهما وتنزيلا ليس أمرا عبثيا، وليس تابعا لهوى الأفراد أو الجماعات أو إملاءات المصالح الوهمية أو المتوهمة، وهو وعي متحناه من منهج العلماء الراسخين، وفهمهم الذي أحاط بأقطار الكون والكينونة، وأبعاد الوجودات الخارجية والذهنية، فأصلوا للعلاقة بين أقسام الخطاب الشرعي، وبين منظومة الأوامر والنواهي، وأحوال المأمور، ودرجات التكليف، ولاحظوا ميزان الزمان والمكان والإنسان، ووزن المصالح والمفاسد، والعلاقة بين الواقع والمتوقع، فأقروا ضرورة تغير الأحكام؛ بتغير الأزمان.

    والإسلام ثري بالنصوص الإنسانية، التي تعزز قيمة التسامح والتعايش، لذا فواجب الوقت يحتم على رجال الدين أن يعودوا إلى نصوصهم الدينية؛ ليستمدوا أسسا متينة للتسامح والتعايش، ونماذج مضيئة، يسهم إحياؤها؛ بإرساء قيم الخير والسلام، فقد حان الوقت أن يتكاتف رجال الدين مع المفكرين والفلاسفة؛ لتجاوز عجز النموذج الحضاري المعاصر، وتخطي الأوضاع المتأزمة، وتلافي خطابات العنف والكراهية، إلى خطاب استيعابي للاختلاف والتعددية الثقافية؛ بمختلف وجوهها، وأن يتصدوا لتفنيد التفسيرات الخاطئة للتدين، والقيام بمعالجة نافعة؛ لتأثيث الساحة بمفردات الفضيلة وقيم الرحمة والعدل.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية