معضلة الفكر أم محنة العقل

ربما لا خلاف على حقيقة أن تجديد الخطاب الإسلامي على أسس عقلانية مؤنسنة، هو أساس عملية الحداثة، أو هو رافعة حقيقية للتنمية الإنسانية على طريق النهوض الحضاري الشامل؛ باعتبار أن الدين هو الناظم للوعي الجمعي على نحو ما، ويستحيل التأسيس للحراك النقدي العقلاني، كما يستحيل تشكيل الوعي العلمي، قبل زحزحة سطوة الموروثات الماضوية الدوغماتية، وإجراء مصالحة مع الذات؛ حتى تستقيم المصالحة مع الآخر، ومن ثم الانفتاح على العلوم بكل وجوهها المعاصرة؛ بغرض التصدي لمشكلات الواقع والمتوقع، التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية، وتدفع بها إلى قيعان التخلف، الذي يُحكم قبضته على جميع مفاصل حياتنا اليومية، ويحول دون نهوضنا من كبوتنا التي طالت واستطالت؛ أسوة ببقية المجتمعات الإنسانية، التي راحت تساهم كل منها بقسط؛ ولو يسير من المنجزات العلمية، التي تنتقل بالرفاهية الإنسانية إلى مستويات وأطوار جديدة، تغري الإنسان وتخطف أنفاسه قبل أبصاره.

 

هذا ما كانت تردده النخب العربية على مدى مائة عام ونيف من الانفتاح على الحداثة الغربية. ولكن الأمر المحزن، هو أن هذه النخبة عندما توفر لها من يقوم بتجديد الخطاب الإسلامي، مرفود بمشروع عقلاني مؤنسن، وقاعدة شرعية راسخة بالعلم، كما يفعل معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، رئيس «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي»، بدت النخبة غير مبالية أو غير مهتمة بالأمر، وربما لا تعلم أو لا تريد أن تعلم أو تسمع أو ترى شيئاً من حقيقة ما يجري؛ علماً أن الشيخ المجدد بدأ بمشروع التجديد قبل خمس سنوات، وهو يطالب من سماهم حملة العلم باجتراح «المنهجية العلمية العملية»، ويقول بالحاجة الماسة إلى علماء من وزن ابن رشد الحفيد والماوزري.

 

   وعندما أصدرنا مجلة «تعايش»، وقلنا منذ العدد الأول نريدها منبراً مفتوحاً أمام جميع النخب؛ بمختلف أطيافها الفكرية والفلسفية أو العقدية؛ للإدلاء بدلوهم بمشروع منتدى تعزيز السلم، نقداً، بناءً، نقضاً أم تجاوزاً. فالجميع مرحب بهم؛ طالما النقاش ينحو فكرياً إلى تقديم إضاءات جديدة أو مقاربات مختلفة في سياق تجديد الخطاب الإسلامي.

فكان السؤال الأول الذي طرحه الجميع، هل مسموح أن نكتب ما نشاء بحرية؟ أو هل هناك مساحة للتعبير عن الرأي المختلف؟ أو هل تحتملون الاختلاف؟ وما شاكل من الأسئلة المعتادة

ولما كررنا وأكدنا: نعم، وفوقها نعم أكبر وأكبر.. المهم أن تكون في السياق الفكري والثقافي الذي نمضي إليه، نقداً، بناءً، تجاوزاً.. لا مانع البتة. راح الجميع ينضحون من المقولات السابقة، التي تكررت؛ لدرجة لم تعد مفهومة؛ بمعنى أن العقل يسمعها دون أن يتوقف عندها. وهذه من علامات النفور من خطاب النخبة. ما جعلهم في العقود الأخيرة يتحدثون إلى أنفسهم فقط.

وكنت قد أشرت في العددين الماضيين إلى ما سميته محنة الفكر العربي بالاحتراب والخندقة النخبوية ما بين ليبرالي أو علماني، وإسلامي، هذا فضلاً عن التترس بأوهام الأيديولوجية؛ حتى باتت القطيعة سرمدية؛ بمعنى أن أي تيار أو فئة لا تدري كيف يفكر الآخر، وبماذا ينشغل، وما هي منطلقاته الفكرية أو المعرفية. فقط تكفي التصنيفات لإقامة المقاطعة وإعلان الحرب حسب كليشهات ممجوجة لم يعد يتلقاها أحد سواهم.

والمعضلة العضال أننا إذا ما أقنعنا مفكراً أو باحثاً أو كاتباً بالكتابة، نجده يبدأ من الصفر بالتمنيات والوعظ والإرشاد، أو ما أحب أن اسميه «أغاني»، أي المديح والإطناب بالتمجيد، دون قراءات دلالية نقدية عميقة، فنرى بعضهم يطالب بتصحيح المفاهيم الإسلامية تارة، وأخرى بالانفتاح على العقل، وثالثة بالمصالحة مع الذات والانفتاح على الآخر، ورابعة بقبول التعددية والاختلاف وعدم التكفير، وخامسة إسقاط الحاكمية الإسلامية في الوقت الراهن، والقائمة لا تنتهي من المقولات الماضوية التي رددتها النخب الليبرالية على مدى سنوات طويلة.

وإن دل هذا الأمر على شيء، إنما هو يدل على تعاميهم عن حقيقة ما يجري حولهم. ذلك لأن منتدى تعزيز السلم قام بكل ذلك على مدى ملتقياته الخمس الماضية، فمثلا أسقط المنتدى مفاهيم «دولة الخلافة» أو «الدولة الإسلامية» أو «الحكم الإسلامي» بأعلى الصوت في الملتقى الثالث، عندما قال الشيخ المجدد: «إن صيغة دولة الخلافة غير ملزمة للمسلمين، وأن الدولة الوطنية تسندها مقاصد الشريعة». فضلاً عن تصحيح المفاهيم تصحيحاً جذريا وتأصيل ثقافة السلم في الإسلام؛ بغرض استعادة البعد الإنساني في الخطاب الإسلامي المعاصر، التي عمل عليها المنتدى منذ انطلاقته الأولى، وأنجز منها، ما سماه الشيخ ابن بيه سلسلة "أخلال الثقافة المأزومة". والمنتدى  يستعد لإصدار الجزء الأول من «موسوعة السلم في الإسلام» العام المقبل (2019). هذا بالإضافة إلى مبادرات المنتدى الموازية، مثل «إعلان مراكش التاريخي» حول حقوق الأقليات في الديار الإسلامية، و«القوافل الأميركية للسلام»، التي توجت بـ«إعلان واشنطن لتحالف القيم»، الذي انتهى في ملتقى المنتدى الخامس إلى إطلاق «حلف الفضول الجديد» للتحالف بين الأديان الكبرى في العالم حول قيم الفضيلة والرحمة والمشتركات الإنسانية عموماً. ما يعني أن المنتدى تجاوز الحوار بين الأديان إلى التعاون الإيجابي البناء. ويستعد في مشروعه المقبل لإنجاز «ميثاق أبوظبي» العالمي لحقوق المواطنة الشاملة، الذي عقدت محطته الأولى في نوفمبر 2018 في أبوظبي؛ بالتعاون مع «ويلتون بارك» ومركز «كساب» للحوكمة الثقافية، التابع لمنظمة أديان اللبنانية، وستكون محطته الثانية في مارس 2019 في لندن، والثالثة والأخيرة في أبوظبي لإعلان ميثاق المواطنة الشاملة؛ بحضور نخبوي على مستوى العالم.

   ما يعني أن العقل العربي الراهن يراوح بين محنتين، إما محنة الخندقة والاحتراب، التي تجعله لا يسمع أحداً غير صوته. وإما محنة «العظمة»، أي الإحساس بامتلاك ناصية المعرفة، أما غيره فجاهل. فكيف الخلاص؟

إجابتنا الوحيدة، بالإصرار على أن تكون «تعايش» منبراً للحوار المفتوح أمام الجميع من دون قيود، شرط أن يتابعونا ويقدموا مقارباتهم أو إضاءاتهم الجديدة في السياق الذي نمضي إليه، ولا اعتراض على الهُويات الثقافية الفكرية والفلسفية والعقدية. فهل يستيجبون للنداء؟


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية