فكر الشيخ المجدد عبدالله بن بيه يلهم البشر التعاون في البناء والبقاء

  انطلاقاً من وحدة القيم الإنسانية، تهدف العدالة الاجتماعية إلى بناء مجتمعات عادلة من خلال منظومة قانونية شاملة تحفظ الأمن وتثبت دعائم العدل والمساواة، وتنظم الحقوق وتبين الواجبات ليعم الاستقرار والسلام في المجتمع. ولأنّها الدنيا وليست الجنة فمن الطبيعي أن ينتج عن اختلاف غايات الإنسان تنوعٌ في المقاصد والتدافع، ويبقى التدافع المحمود هو التدافع التعاوني والتدافع المذموم هو التدافع التناحري.

       إنّ الحروب والعنف والتطرف والإبادة مورست من قبل عقول لا تؤمن بأبسط مبادئ العيش المشترك، فالحق والباطل سيظلان في صراع دائم إلى أن يرث الملك القدوس الأرض وما عليها، وفي خضم هذا يسعى "المتمصلحون" إلى إهدار القيم الإنسانية والتشكيك فيها، وهناك مصلحون يسعون جاهدين إلى إفشاء السلام والتعاون بين شعوب العالم، منطلقين من وحدة الإنسانية.

       تؤسس فلسفة الفكر عند الشيخ المجدد عبدالله بن بيه وعياً أو قناعة؛ بضرورة التعاون بين البشر من أجل البناء والبقاء، ولهذا أطلق مقولته الشهيرة: انهزموا لوجه الله. وهذا يعني أن يتجاوز الإنسان نفسه ويبحث عن الخير للجميع، لكي نحيا جميعاً لا أن نموت جميعاً.

فكر الأنسنة

       يقول أحد الفلاسفة الإنسانيين، "حاول أن لا تفتقد الإنسان الذي أمامك"، فالإنسان أغلى قيمة في الكون، إذ إنّ الحروب والاقتتال والاحقاد ستحكم على الإنسان بالفراق أو بالفناء، فمؤلم أن تثارالنزاعات والخلافات ويكون السبيل الوحيد لحلها هو أن يقتل بعضنا بعضاً، ونتجاهل عظم  المحددات للقيم الإنسانية المشتركة بين شعوب الأمم. 

       من الإنسان يبدأ كل شىء، فلابد أن يعرف الإنسان نفسه ويتقبل تناقضه؛ لكي يستوعب اختلافه مع الآخر، كما لابد أن يحترم الإنسان ذاته لكي يحترم الآخرين، وأن يحيا الإنسان بسلام حقيقي مع نفسه؛ لكي ينشر السلام أينما حل.

       إن القواسم الإنسانية المشتركة هي أخلاق عالمية، والإيمان في الأسس التعايش السلمي سيدفع المجتمعات إلى التقارب والبعد عن الصراعات بين الشعوب. أما ترسيخ مفاهيم الأنسنة في المجتمع فبحاجة إلى تكاتف الجهات التربوية والإعلامية وإيجاد نظم قانونية تحترم الإنسان وتصون كرامته دون النظر إلى خصوصيته.

الأديان والتعايش

       لا مجال هنا للحديث عن احترام وتعزيز القيم الإنسانية النبيلة في ظل مجتمعات تعاني من سوس الفساد الذي يضرب مفاصل الأمة، ويعزز الصراعات ويثير الأحقاد والضغائن بين أفراد الوطن الواحد.. لقد أنزل الخالق عز وجل الديانات السماوية، وجاءت المواثيق والاتفافيات الأممية المعنية بحقوق الإنسان؛ لتبني ثقافة عالمية للقيم الإنسانية المشتركة من أجل كافة البشر في جميع أنحاء العالم.

       إنّ ثقاقة الاعتدال والإحسان والمحبة بين بني البشر، تجتمع عليها جميع الأديان، وهذه الثقافة بحاجة بحاجة إلى المصلحين الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية الارتقاء بشعوبهم نحو الفضيلة في أبهى صورها وأشكالها؛ بغية الوصول إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، بالمقابل مواجهة الفساد الفكري بكافة تلاوينه بقلوب حية بنور الله وبعقول صالحة متبعين منهج الأنبياء والمرسلين، فالتنوع أحد جماليات الحياة، فمن واجبنا كبشر أن يستوعب كل منا الآخر وأن نعامل بعضنا بعضاً بالرفق واللين، وأن لا يكون الخلاف دافعاً أو سبباً للتناحر والاقتتال والإقصاء. ويمكن الاستشهاد في هذا السياق بمقولة االعلامة عبدالله بن بيه إذ قال: تنازع البقاء يؤدي إلى الفناء، فكل أمر مختلفون فيه في الأرض سيحكم به رب العرش العظيم يوم الحشر الكبير وذلك لقوله تبارك وتعالى في سورة يونس: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

       ولكي ينتقل الإنسان من مرحلة المواطنة الصالحة إلى مرحلة المواطنة العالمية، عليه أن يحترم القوانين أينما كان، وأن يكون لديه الاستعداد للتضامن الإنساني مع جميع أمم الارض.

العدل وسيادة القانون

       يسبق ويسمو القانون الطبيعي على القانون الوضعي، لأن القانون الطبيعي ببساطة كامن في النفوس البشرية السوية الجانحة إلى الخير والسلام والعدل، وعلى مّر العصور واختلاف الأزمان أثر القانون الطبيعي على تطور القانون الوضعي. ويعتبر كونت وجون جاك روسو من رواد وفلاسفة مبادئ القانون الطبيعي، وتقوم نظريات مبادئ القانون الطبيعي على قواعد المثل العليا وما يميز تلك القواعد أنها صالحة لكل الأزمان، وأنها تتفق مع الطبيعة العامة لشعوب العالم، ولقد مرت هذه النظريات بالعديد من المتغيرات والانتقادات واختلفت مذاهب الفقهاء في مضامينه عبر مختلف القرون وتعدد العصور، وعلى أية حال لا يمكن إنكار تأثير القانون الطبيعي على القانون الوضعي وعلى المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان العالمية.  فمن حق الإنسان أن يتمتع بكافة الأبعاد القانونية والسياسية والاقتصادية والثقافية للعدالة الاجتماعية، فجميع القيم الإنسانية العليا تطمح في إقامة مجتمع عادل يعيش الفرد فيه وهو آمن على نفسه، وأنه لن يقتل بسبب عرقه، أو يقصى بسبب دينه، أو يهمش بسبب أفكاره، أو ينبذ بسبب معتقده.

       ولن يتحقق ما سبق ذكره دون وجود منظومة قانونية تجسد رمزية العدالة في سيدة معصوبة العينين وبيدها تمسك ميزان متكافىء الكفتين، لأن وظيفة القواعد القانونية هو ضبط سلوك أفراد المجتمع حال تعارض مصالحهم، فالقواعد القانونية هي أشبه بقواعد التقويمية للإنسان فهي لا تكتفي بتنظيم ما هو كائن، بل تهدف لتحقيق ما يجب أن يكون، وذلك تجنباً للفوضى والجور، وتحقيقاً للمصلحة العامة للجميع.

       إن سيادة القانون وتطبيق أصول العدالة الاجتماعية يعتبر بمثابة الحصن المتين لإقامة مجتمعات عادلة تحمى وتصان فيها القيم الإنسانية العظمى.

       إن مبدأ الفصل بين السلطات يعتبر بمثابة الضمانة لحماية الحقوق والواجبات وصمام أمان للأفراد لمنع مركزية السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلا أنّ مفهوم القانون يتسع ليشمل انصياع الحاكم والمحكوم لأحكام القانون، والبعد كل البعد عن الاستثناءات التي هي بمثابة الداء الذي ليس له دواء.

       نعم... إذا أردنا بناء مجتمع أممي تجمعه القيم الإنسانية العظمى وتأسيس دول تتطلع إلى نظم ديمقراطية بمعناها الحقيقي والصادق، لابد أن يصل الإنسان إلى مستوى من الوعي الفكري الذي يمكنه من معرفة متى ينهزم لوجه الله ومتى يتمسك بسيادة القانون.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية