المنطق التنويري والمعرفة الإيمانية في فكر الشيخ المجدد عبدالله بن بيه

إذا أردنا أن نربط بين العمل الإنساني والفكر الإسلامي نجد أنّ الصلة متينة بين الإثنين. فللفكر الإسلامي أصوله وخصائصه المنهجية والفلسفية التي تؤدي إلى تطبيق العمل الإنساني، لما تحتويه من التحليلات النموذجية والعقل الدينماكي الذي يعتنق المنطق، وإدراك المعلومات من خلال ممارسة الفرد للعمل وهو المسبّب وتطبيقه فعلاً على أرض الواقع.

لقد سعى معالي الشيخ المجدد عبد الله بن بيه إلى تطبيق الفكر الإسلامي بشكلٍ متوازٍ، يسير بخفّة بين ربط السبب بالنتيجة، على ضوء مبادئ القرآن، مستعيناً بظروف البيئة الجديدة التي تكتنف المسلمين على اختلافاتهم الحضارية والتاريخية والبيئية. وهو في هذا، قد عالج أمرين على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، شرحهما بأسلوبٍ مبسّط وسلس.

الأمر الأول هو أنّ لكلّ فرد من أفراد المجتمع مهما بلغت درجة ثقافته أو أميته عقلٌ فطري غريزي، ويمارس دوره وتحليله على قدر ثقافته، مستمدّاً أصول التحليل من صلب بيئته التي وجد فيها. فمن طبع الإنسان أن يبحث عما يلائم المكان والزمان الذي نشأ فيهما. ومن هنا احتاج الإنسان على مرّ العصور أن يجبر عقله على التأقلم في التطور الجديد الذي يتدرّج عليه عالمه، واضطرّ أكثر في أن يستخدم منطق الفكر ليحلّل دينه وتربيته ونشأته على أساسه. وقد أدّى هذا إلى ثورة علمية شاملة نشأ عنها تحولات اجتماعية وفلسفية وسياسية اجتماعية كبيرة. واكتشف الإنسان بأم عينه بأنّ الله وهبه الكثير ممّا غفل عنه. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم - سورة العلق: " علّم الإنسان ما لم يعلم". وقد قال الشيخ ابن بيه في هذا:"مسيرة الحياة تشهد تغيرات هائلة وتطورات مذهلة من الذرة إلى المجرة، للتمازج بين الأمم والتزاوج بين الثقافات إلى حدّ التأثير في محيط العبادات والتطاول إلى فضاء المعتقدات".

الأمر الثاني الذي عالجه الشيخ ابن بيه بدقّة متناهية، هو درجة الانسياق في علم الغيبيات لهذا الفكر سواء الدينية أو العقائدية، وقد قاد هذا الأمر إلى ثورة دينية تجديدية كبيرة، تبنّاها الكثير من العلماء والمؤمنون ورجال الدين. فمنهم من عمل على إصلاح العقيدة ومنهم من اتّجه إلى التشديد على شمولية الإسلام ولكنه قدّم قالباً استظهارياً عن ظهر قلب، لا مجال فيه للمناقشة والتساؤل وطرح الأسئلة أو الاستنباط والتفكير. وفي هذا، قال الشيخ ابن بيه ناقداً مستعرضاً ضعف السلوك الفكري لهذا المنطق اللامتوازي:"الأخلاق ليست كلمات تقال، وليست شعارات ترفع. إنما هي سلوكٌ حقيقي ينبعث من النفوس ومن أعماق القلوب، ليتوجّه إلى الإنسان أينما كان وكيفما كان".

وقد أدى هذا الاستدراك الجزئي للثورة العلمية والدينية الشاملة في عصرنا الحالي، إلى التغاضي عن "الكلي". وفي هذا فصلٌ عقيم بين الجمع والفصل والتعليل، والتجرّد من التفتح الذهني للولوج إلى عوالم التوضيح والتنوير والاستنارة. وقد قال الشيخ ابن بيه في هذا: "إقبال الناس على أحكام الشريعة دون أن يحيطوا علما بمصادرها ومواردها وجزئيات نصوصيات و كليات نصوصها".  وهذا الجهل أو التغاضي من الآخرين يحتاج إلى الاستنارة بنور الفقه والعلم والمعرفة.

ولهذا، عمل معالي الشيخ ابن بيه على تجديد مناهج التفكير الشرعي وطرق التحليل والاستنباط والتعليل. وهذا يحتاج في رأيه إلى فهم معنى التجديد والثورة العلمية والفكرية على حدّ سواء، والتوغّل في طرق هذا التجديد وأساليبه وأدواته. وفي هذا يقول : "إن للتجديد أدواته، كما لكل بناء أدواته، قبل الشروع في البناء علينا أن نخترع الأدوات أو تفحص ما لدينا من الأدوات، لنرى صلاحها و صلوحيتها".

يرى الشيخ بأنّ التجديد في الفقه هو مدخلٌ للحلول التي يعجز عن الإلمام بها الفكر الإنساني، مؤمناً بأنّ هذا التجديد على بعض ما تضمّنه من معتقدات قديمة بالية لم ترد في القرآن، هو ضمانٌ ثابت للاستنباط والانضباط الفكري الإسلامي الصحيح. وبهذا تسنّ الأحكام بناءً على مستجدّات الزمن الجديد، ولكنها طبعاً مستمدّة من روح الشريعة، لأنّ الدين في رأي الشيخ ابن بيه يسرٌ وليس عسر، واللين في التعامل الإنساني يغني الفكر ويحقّق الأهداف المنشودة. وفي هذا يقول: "إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا".

التقوقع الذي لطالما شهده الفكر الإسلامي الذي كان يستمدّ معارفه كلها من تأويل النصوص المقدسة والأقوال الشريفة التي وردت عن لسان العلماء والفقهاء، لم يتقبّله الشيخ العالم ابن بيه، فشدّد على ضرورة التجديد بين الدعوة التي هي بيت القصيد، وبين الداعي الذي يأخذ دور المرشد في دراسة الإسلام والنصوص والظاهرة اللغوية من حيث تطور الدلالة فيها.

وقد اختصر مفهوم التجديد في التقارب بين الجزئي والكلي في الأحكام، وفي الواقع والمتوقع، وأوضح أنّ الخلل الأساسي في الفكر الفقهي يعود إلى الاتكال الكلّي في الشرع على عالم التأويل والتعليل والتنزيل. فضبط أدوات الأحكام بمنطق العقل والتنوير، وأجاد التعامل مع النصوص المقدسة، وتحليلها واستنباط مغزاها الحقيقي، ومقاصدها الشرعية، وشدّد على فقه الأقليات، واحترام الزمن الذي يتبدّل مع فكر الإنسان وكيفية التعاطي معه والتكيّف فيه، وتحرير الفكر التقليدي من روتينه العقائدي للانطلاق نحو منطقٍ يوافق العصر دون الإخلال بالمبادئ الأساسية للدين الإسلامي.

وقد شدّد أنّ اللغة هي في خدمة الفقه، وأنّ استغلال بعض الأصوليين للغة والنصوص في التأويل هو أمرٌ بالغ الخطورة لأنه يفتح الأبواب على مصراعيها للنزاع الفكري وتوليد القمع المتشدد، وتبنّى الخطاب الديني المنفتح الذي يلائم المكان والزمان. وفي قوله: "ولما كان الإسلام هو الرحمة، كان من صفات المفتي أن تكون له شفقة على أهل الملة وعلى البشرية جمعاء، بأن لا يلقي بالناس إلى التهلكة بحملهم على الأشق، بدعوى الاحتياط والورع والأخذ بالعزم في الدين"، دلالة كبيرة على تمسّكه بتيسير الأمور الدينية للفكر الإنساني ودمجه بالفكر الإسلامي بوعيٍ كبير، وبأمانة لا تخدش أصول الدين وتعليماته الكريمة.

أما الفتاوى التي تطبّق في عصرنا الحالي من الفكر الإسلامي المتشدّد، والتي لا تتفّق مع الزمان والعصر الذي نعيش فيه، فقد رفضها الشيخ ابن بيه، قائلاً :" تَنْزِيلُ فتوى في زمنٍ ماضٍ على واقِعٍ يَخْتلفُ عن ذلك الواقعِ زمانًا ومكانًا وحالًا ومآلًا وإنسانًا تنزيلٌ مخلٌ وغيرُ صائب". وشدّد على ضرورة الاعتدال في الأمور، حتى تطبّق الفتاوى دون شدّة وفي نفس الوقت دون تساهل، حتى لا يفلت زمام الفكر وتنقلب المعرفة إلى جنحة كبيرة.  وقد قال في هذا:" ما أحْوَجَنَا في هذا الأَوَانِ لِضَبْطِ الفَتَاوَى التي تَرَاوَحَتْ بَيْنَ شِدَّةٍ في غير مَوضِعِهَا وسُهُولَةٍ في غَيْرِ مَحَلِّهَا فَاسْتَحَالَتِ السُّهُولَةُ إلى تَسَاهُلٍ ، والشِّدّة إلى غُلُوٍّ وتَنَطُّع".

الفكر الإسلامي هو موضوعٌ دار عليه الكثير من اللغط، وتناوله الشيخ ابن بيه بمنطقه المعروف بالاعتدال والسعي لملائمة الأفكار القديمة مع العصر الحديث، وتطويعها بحذر حتى تبقى ضمن أصول الفقه، وما فعله هو التجديد وليس التغيير، لأنه آمن بالفكر الإنساني تماماً كما الفكر الإسلامي، فأتت أفكاره تبشّر بعصر التنوير الإسلامي الجديد.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية