احترام الاختلاف المفتاح السحري لحلّ مشاكل العالم

الكاتب: نسرين بلوط

تجديد الخطاب وثقافة التسامح في فكر الشيخ عبدالله بن بيه

  • آراؤه تشكل ثراء وتكاملاَ ومصدراَ فقهيّاً لا يفنى ومعيناً لا ينضب
  • العقول ملّت من تكرار القديم من الأقوال واحتكار الكثير من الأفعال
  • نادى بالتجديد لا التقليد والتصويب لا الترتيب وأثار أفكاراً تركن للتصور والتطور
  • جعل التقبل والاستيعاب يرتكز على ثقافة راشدة لا مكان فيها للتهويل أو التضليل
  • شدّد على الخروج من عقدة الصِدام وتعزيز فلسفة التسامح للتلاقي والحوار
  • صوّب أفكار الجيل الجديدة نحو مبادئ الإيمان الحق والعلم وترسيخ ثقافة السلم
  • أفكاره ترتقي بالمجتمع إلى واحة الأمان وتبني أوطاناً مدعومة بالمعرفة والمنطق

تأصيل البعد الإنساني والفكري والثقافي في الخطاب الإسلامي، جزء أساسي من فكر واشتغالات معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية"، حيث يقدّم رؤى عقلانية واضحة مستنبطة من الجوهر الإنساني في النصّ القرآني الكريم، الذي تتوالد من صلبه روح الدين الحنيف ومعتقداته وأطروحاته المعرفية وأمثولاته المجازية والروحية.

يعدّ معالي الشيخ ابن بيه نموذجاً لهذا التفاعل الإنساني المنهجي المعاصر. ولسوف نبحر في ثقافة التسامح والسلم والتجديد في تصويب الفكرة المراد لها أن تصل بمبادىء فكره ومنهاجه إلى العقول اللينة والجافة على حدّ سواء؛ بسلاسة ويسر؛ حتى يتساوى قدر الفكر والمعرفة في كلّ منها، متبعاً إيمانه الكامن في أنّ الدين يسر وليس عسراً؛ لأنّ تلك العقول قد ملّت من تكرار القديم من الأقوال، واحتكار الكثير من الأفعال.

وهذا ما سعى إليه العلامة الشيخ ابن بيه مؤسّس "مجلس حكماء المسلمين"، وقد أُشير إليه بالبنان للدور الذي لعبه؛ كواحد من أكثر خمسين شخصية إسلامية ناضلت ونجحت في ترك تأثير إيجابي على الجيل الجديد بأسلوب فائض بالاعتدال؛ من دون تعصب أو انحياز لجهة عقدية أو فئة أيديولوجية.

وعندما نعرّج على البيئة الفكرية للعلامة ابن بيه، التي احتدمت كصراع مرير في صدره، وبخاصة فيما يتعلّق بالأقليات المسلمة التي تعيش في المغتربات، نجد لها تأثيراً كبيراً في تحديد هدفه؛ من خلال فتاواه وخطاباته؛ لتصل بشكل خاص إلى تلك الأقليات، وبشكل عام إلى المسلمين في مختلف البلدان. وقد شكّل الواقع المعاصر والتبّحر العميق في الدين عنصرين هامين في تحفيز النصّ المؤسّس؛ لانطلاق المنحى الفكري لدى الشيخ ابن بيه.

استوحى الشيخ ابن بيه فلسفته المستنبطة من العلم، والوحي، والإدراك والمعرفة، واتَّكأ على مبدأ الماهية واستحضار تعليلاتها ومستلزماتها من حيث الصور والمادة وما إلى هنالك. فهدف من خلالها إلى التجديد لا التقليد، والتصويب لا الترتيب الروتيني الذي كرّره الكثيرون. فكان وفيّاً لأصول الفقه مجدّداً في استثارة أفكار غير مرئية تركن للتطور والتصور. فحين قال: "إنّ مكانة العقل الراجح محفوظةٌ وحقوقُه مصونة، لكن المقاصد تحكم عليه بالذهاب في إجازة ولا تحيله إلى التقاعد، ريثما تختفي المصلحة التي من أجلها تبوّأ القول الضعيف مكانه"، وهنا يرجح العقل الضعيف على العقل القوي بسبب مصلحة موقتة. أما الاعتراف بالاختلاف فهو منبر ضروري للأفكار الفلسفية والروحانية، واحترام الاختلاف كما يعبر معالي الشيخ ابن بيه مفتاح لحلّ مشاكل العالم، لقد اعتمد على سياسة العقل بعمق معرفي وفتح قنوات التواصل والاستعانة بروح العصر ومعارفه بالدمج بين التراث والمعاصرة، وتحريك المنطق كعنصر فعّال للتوارد الفكري، وجمع المعارف العصرية والدراسات الإنسانية الحديثة مثل: الهرمنيوطيقا، والتفكيك، وضبط الأحكام من خلال الضبط المنطقي واللفظي.

وكان لمادة أصول الفقه الأثر الأكبر في تجديد الخطاب الإسلامي وثقافة المحبّة والتسامح لتعزيز السلم والعيش المشترك في المجتمعات الإسلامية. فعلّل خطابات الصحابة على أسسٍ جديدة متينة مستنداً إلى مدونة الفقه واللغة العربية والسنة النبوية الشريفة، وتمعّن في علم الخطاب والكلام، من مبادئ التركيب مستنداً على الأدلة الإجمالية وركائز الاستقراء والصعود من الجزئي إلى الكلي، وهي عملية صعبة، تعمّق فيها الشيخ ابن بيه ليوضّحها لنا بشكلٍ متسلسل وسلسٍ في آنٍ معاً، ليخلق منها مادة تستوعب الماورائيات والمفاهيم الجديدة التي تلج إلى أذهان الأجيال كلها، وهي عملية صعبة تكاد تكون مستحيلة ولكنها لم تستعص على فكر الشيخ ابن بيه حفظه الله. وهذا التركيب والتقليب المجازي جعل عملية التقبل والاستيعاب للمؤمن ترتكز على أسسٍ واعية وثقافة عالية لا مكان للتهويل والتأويل فيها.

فكانت الأجوبة عن الأسئلة التي تتمحور حول كلمة "لماذا"، أو "كيف" أو "متى"، تتعاطى مع النص المقترح بمراجعة ما قدّمه الفكر الأصولي وعلاقة اللغة بالوحي، والبلاغة وعلم الأصول واللغة.

وقد توغّل الشيخ ابن بيه في روح الهيكل الإنساني، وهي الإنسانية، ودورها في الدين الإسلامي وأهدافه. وهي مبدأٌ مبني على التجرّد من المحسوسات تنشقّ من الإنسان نفسه، هذا الكائن الذي أغدق عليه الله بالفكر والعقل والمعرفة لينشد كلّ ما هو قيّم وله أثره في تاريخ البشرية.

أما القيم التي تتوهج بها الإنسانية في نظره ففي روحانياتها العميقة، حيث تتلخّص بمنهاج سليم قوامه العدالة والديمقراطية والحوار والتسامح والتضامن الفردي والجماعي. فالعدالة حيّرت الكثير من علماء الدين والمفكرين والفلاسفة، لأنّ العدل لا يطبّق بشكلٍ سليم في دنيانا، إلا من أصحاب الضمير الحيّ والإنسانية الفذّة. فإذا وجد العدل حلَّ السلام وتجلّى التسامح وعمّت الطمأنينة أركان المجتمع. الفكر السليم هو الذي يبنى على مبادئ المساواة التي لا تفرّق بين غنيّ وفقير أو حاكم ومحكوم.

ويعلّل الشيخ ابن بيه بأنّنا عندما نتسامح فنحن نرجم الظلام المستعر في داخلنا، ونتشبّث بالنور والرحمة، ويحتلّ التسامح ركناً مهمّاً في مفاهيم الإنسانية الحقّة، فالأديان جميعاً توصي بالتسامح والتغاضي عن أخطاء الغير والابتعاد عن التطرّف والتعصب الأعمى الذي يهدم حضارات بأسرها، من هنا يقول بن بيه: "إنّ اليوم الذي ننبذ فيه جميعنا التصورات النمطية ومشاعر الكره؛ لتجمعنا مشاعر الأخوة الإنسانية وحبّ الخير والصداقة، ذلك اليوم سيكون بحق يوماً مشرقاً في تاريخ الإنسانية".

يرى الشيخ ابن بيه أنّ العدل والتسامح هما طريقان نحو الديمقراطية والحريّة  وبالأخص الإيمان، فلا نزاع فيها ولا خصام ولا تعدّي على حقوق الآخرين، فالحرية السليمة تجعلنا متحرري الفكر، نناشد المبادئ على أسسٍ متينة لا تتزعزع جذورها. وفي هذا يقول:" تضيق الأرض بما رحبت بالمعتدل، لأنّ كل طرف إذا لم تتفق معه يحسبك عدواً، بدلاً من أن يعتبرك أخاً، أو ناصحاً، أو إنساناً". وهذا مفهومٌ مهم جداً في جوانب الإنسانية التي تسعى للمعرفة وترنو للديمقراطية الراقية.  

كلّ تلك المفاهيم الإنسانية التي أتينا على ذكرها في منطق الشيخ ابن بيه، تخدم الإنسان أوّلاً؛ لأنّها تصبّ في جوهره ومعدنه الإنساني البحت، وتؤثر إيجاباً على حداثة المجتمع؛ كونها ترقى به إلى واحة الأمان والنظام والتنظيم الفردي والجماعي، وتبني مواطنة حرّة، ووطناً حرّاً مدعوماً بالفكر والمعرفة والمنطق السليم، وتساعد على انتشار شذرات تلك القيم في العالم بأسره، من خلال جسور التواصل بين البلدان والأديان، وسعي كلّ بلد لإظهار قيمه وحضارته بشكلٍ أكثر تأثيراً وتفعيلاً بين الناس جميعاً.

يقول الشيخ ابن بيه عن الأمن والأمان في كتاب "خطاب الأمن في الإسلام وثقافة التسامح والوئام": وهذه الشريعة المباركة تتسع لوصف كلّ جرم وتطبيق العقوبة الملائمة، وهي بعموماتها وتفاصيلها وتفريعاتها ومحكماتها ومؤولاتها بالإضافة إلى آراء مختلف المذاهب التي تشكّل ثراء وتكاملاَ وكمالاَ، تشكّل مصدراَ فقهيّاً لا يفنى، ومعيناً لا ينضب ولا يذوي، من قبل عزائمها بذلت له رخصها، ومن آمن بوعيدها قدمت له وعدها في ظلال الأمن والأمان، ذلك ما يجب أن يعيه أبناؤها ليعودوا إلى أحضانها الحانية ويقتطفوا من قطوفها الدانية".

لقد لخّص لنا الشيخ ابن بيه بلسان الحداثة الفقهية في علم الدين كلّ ما يتعلّق بالمفاهيم الإنسانية البحتة، من المشتركات الإنسانية في ثقافة السلم والتسامح، فجدّد في الخطاب الإسلامي دون أن يحوّر، وصوّب أفكار الجيل الجديدة نحو التقييم الحق لمبادئ الإيمان والعلم وترسيخ ثقافة التسامح والسلم، فعرّف الأصولية والتطرف وأوضح مدى الغلو الفائض فيهما، والذي ينتج بالتالي عنه سياسة التخويف في علاقة المسلمين بغيرهم، وببعضهم بعضاً. فشدّد على الخروج من عقدة الصِدام، ودعا إلى تعزيز فلسفة التسامح التي تحول دون صياغة خطابات دينية متطرفة تبثّ سمومها في العالم وشرورها في الأرواح الضالّة عن الدرب السليم. وهو ما يعبّر عنه الشيخ ابن بيه في مقابلة له مع إحدى الصحف الإماراتية: "التحدي الأكبر هو أن نزيل وهم التناقض الذي أنزل أضراراً شديدة بالأمة وبمفاهيم التعايش والسلم، وأفرز مفاهيم التكفير والتفجير من جهة، والإساءة والمروق من جهة أخرى".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية