الوسطية والاعتدال استراتيجية المفتي في تحقيق الاستقرار والسلم

       تتألق الأنسنة في خطاب معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" وتزهر وروداً في أطروحاته الفكرية التنويرية فتسيل عطر أمل  وطاقة، وأريج شغف وتقدير، وتتشكلّ نبراساً آخاذاً يضيء القيم العليا والمقاصد النبيلة، وهي تلازمه لزوم القلب في البدن، وتسكن في أعماقه جوهرة أصيلة تمدّه بالقوة والشجاعة والحكمة. ولم تكن الأنسنة عند الشيخ أفكاراً تتلوها أفكار، وكلمات تزاحم كلمات، وإنما رؤى حقيقية نابعة من جوهر الدين الأصيل، وأفعالاً مشرقة على أرض الواقع وأرض المتوقع، ينتشر شعاعها في كل مكان، وحضوراً إنسانياً طاغياً وفاعلاً لما هو خير للإنسان وكرامته ودينه.

       في كل خطاب إشراقة خاصة تنضح من عمق فكره، وبصيص أمل للإنسانية في زمن عزت فيه وتراجعت الكرامات والمحاسن، وبشير خير يحثّ على التفاؤل والحوار والتعاون من أجل عمارة الأرض بالمسرّات والفضائل.

       تصدى الشيخ المجدّد لمهمة تجديد الخطاب الديني وتصحيح المفاهيم الخاطئة معتمداً على الأنسنة في منطلقاته وفتوحاته، وتمثلت باستعادة الروح الإنسانية المختطفة أو المغيبة في تمظهرات الخطاب الإسلامي المعاصر، وما فعله حتى الآن من "إعلان مراكش التاريخي"، وإطلاق "حلف الفضول العالمي للتحالف بين الأديان" إضافة إلى تأكيده شرعية وإسلامية الدولة الوطنية؛ هو تأصيل للأنسنة بمعنى استعادة الإنسانية الضائعة في متاهات العنف والتشدد وإنكار الآخر والاستعلاء، وإعادة إحياء القيم الإنسانية والمكارم الأخلاقية الأصيلة الذاتية في الدين الإسلامي التي حجبت وأُبعدت بسبب موروثات فلسفية وأيديولوجية وفقهية ومذهبية، وما الركون إلى التراث والنبش في أوراقه وسجلاته، إلا وجه آخر من الأنسنة بهدف قراءة النصوص قراءة نقدية فاحصة، وفهمها على ضوء المناهج المعاصرة وتخليصها من الشوائب والمغالاة والمبالغة، فضلاً عن إخراجها من الصور النمطية والتقليدية وإعطائها أبعاداً إنسانية تتسم بالتكامل والتواصل مع الأجيال في مختلف الأزمنة.

       وتبدو الأنسنة في مشروع الشيخ المجدّد شرياناً دفاقاً ومتواصلاً، وهي الحل لصنع واقع إنساني جديد، فتشفى من خلالها جراحاتنا وتفكّ عقد مشكلاتنا، لذلك انتقلت الأنسنة إلى فعل ثقافي وحضاري وعمل مؤسساتي ونشاط دعوي وتعليمي، تمثّل كل ذلك بمنتدى تعزيز السلم وما نتج عنه من مؤتمرات وندوات وفعاليات، يقف على رأسها معالي الشيخ ابن بيه الذي ما انفك يواصل إبراز إنسية الإسلام وجعلها شعلة عالمية، وتسليط الضوء على المنابع الإنسانية في الدين الإسلامي، إنسية تتجلى في التشريع والأحكام، وتعطي الإنسان قيمته الإنسانية وحقه في التفكير والحرية وتصون كرامته. من هنا يمكن أن نقرأ كلمة معالي الشيخ عبدالله بن بيه بمناسبة تكليفه برئاسة "مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي" التي تحدث فيها عن أهمية الفتوى الصحيحة والضرورية التي تبعث على الطمأنينة والسلام والسعادة، بمعنى أنسنة الفتوى من خلال ردم الهوة بين الخطاب الديني والتطور الراهن، وإلغاء القطيعة بين النص والواقع المعقد، إضافة إلى تسخير الفتوى لخدمة الإنسان وتنظيم حياته وتحسين علاقته بنفسه من جهة ومع الآخرين من جهة ثانية. وقد نبّه الشيخ المجدّد من التوظيف المفرط للفتاوى في تأجيج الصراعات السياسية وتعميق الخلافات الأيديولوجية والمذهبية معتبراً أن "أخطر ما أنتجه الواقع المعاصر أن صارت الفتوى سلاحاً للمتطرفين وحملة الفكر المأزوم بكل أطيافه وتمظهراته، استحل به الأديان ودمر الأوطان وجنى على الإنسان فاصطلت بناره كليات الشريعة، واجتثت به جزئياتها ومفاهيمها، وانبتت نصوصها عن سياقاتها".

       ولم يكتف الشيخ المجدّد بوصف الواقع المعقّد في تركيبته، وفي إكراهاته، وفي تقلباته وتغيراته، وإنّما وضّح كيفية المواجهة حيث يقول "ما يلزم الدولة في المجتمعات المسلمة أن تستعمل نفس السلاح في مواجهتها المباشرة وغير المباشرة للتطرف، وفي تدخلاتها العلاجية والوقائية الاستباقية ضد ثقافة العنف والكراهية والإرهاب، وتحصين المجتمع بفتاوى رصينة ضد الفتاوى المارقة التي تفضي إلى المفاسد دون المصالح، وتحش نيران الحرب المجنونة بدل السلم بيئة كل الحقوق، ومظلة لكل مكونات المجتمع".

       ونلحظ في هذا الكلام أنه متى ما الفتاوى خرجت عن مسارها الصحيح أنتجت واقعاً بائساً خالياً من الحسّ الإنساني، وألحقت الضرر الكبير في الخصائص الإنسانية والقيمية، لذا وجب التصدي للفتاوى المارقة التي تفعل ما تفعله النار في الهشيم، فتعطي الأسبقية للفكر الإلغائي المتعصّب، ويحلّ الوهم مكان الحقيقة، وتختزل كل أفهام الدين في فهم واحد ضد المبادئ الحضارية.

       وأشاد معالي الشيخ ابن بيه بقرار إنشاء "مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي" في عام زايد لما له من دلالات إنسانية عميقة تجسد الوفاء والتسامح والاعتدال والحكمة، مرجعاً الفضل إلى السعي المحمود والجهد المشهود لدولة الإمارات السباقة في تنظيم مراكز الفتوى مؤكداً أن هذا المجلس لا يقف عند هذه الغاية، بل سيكون معلماً وملهماً ليس فقط للعلماء المفتين في هذه الدولة الكريمة، ولكن لنظرائهم وزملائهم، والمجالس والهيئات الأخرى في العالم الإسلامي التي سيكون محاوراً لها، ومشاركاً معها.

       واشتملت كلمة معالي الشيخ على مهمات ومسائل من دون إطناب مملّ ولا إيجاز مخلّ، محدداً استراتيجية الإفتاء لمواجهة الفتاوى المارقة والتيارات الهدّامة التي تهدّد الأمن الروحي والسلم الأهلي والاجتماعي والإقليمي بل والدولي. ورسم الشيخ المجدد الخطوط العريضة لمهمة المفتي قائلاً: إنّ المطلوب من المفتي هو معرفة الواقع بكل تفاصيله، وليس الواقع بمعنى اللحظة الحاضرة، ولكنه الواقع الذي يعني الماضي الذي أفرز الحاضر وأسّس له، والذي من دون تصوّره لا يمكن تصوّر حاضر، هو امتداد له وحلقة من سلسلة أحداثه وإحداثياته. غير أنّ ذلك لن يكون كافياً دون استشراف مستقبل تتوجّه إليه تداعيات الحياة وتفاعلات المجتمعات، وذلك ما نسمّيه بالتوقّع.

       وتتجلى أنسنة الفتوى وتبلغ مداها حينما اعتبر معالي الشيخ أنّ الواقع الذي يبحث عنه الفقيه هو الإنسان فرداً ومجتمعاً، ولهذا فإنَّ المناط لا يتحقّق إلا بالإنسان، ومن خلال الإنسان نفسه، فهو المحقّق الأوّل والأخير، لأنّه الفاعل والمحل، بمعنى أنّ الفتوى فعل إنساني ذو هدف ربّاني تستلزم المسؤولية وإحقاق الحق والرحمة. ويذهب الشيخ المجدد في تحديد المهمات إلى أهمية فكّ التناقض بين الواقع والفتوى موضحاً "أنّ العولمة أنتجت واقعاً جديداً معقداً، فرض نفسه على الدول والمجتمع والأسرة والتعليم، والسياسة والاقتصاد؛ بصور مغايرة للصور التي نزلت فيها الأحكام الجزئية. ما يعني أنّه ليس أمام المفتي سوى فهم الواقع بتركيبته ومتغيراته وإكراهاته، المرتبط بتركيبة الكينونة البشرية في سعتها وضيقها، ورخائها وقترها، وضروراتها وحاجاتها، وتطوراتها وسيروراتها. ويتعين على المفتي الحرص على تطابق كامل بين الأحكام الشرعية وتفاصيل الواقع، بحيث لا يقع إهمال أي عنصر له تأثير من قريب أو بعيد في الواقع وبين الدليل الشرعي".

       كما تضمنت كلمة الشيخ المجدّد جواهر من المعاني السامية ودرر من الكلام الزلال من ينابيع الإسلام الصافية، ففي كل ركن من أركان الكلمة منارات تهدي إلى النور والحق، ومسارات تفضي إلى العدل والإيمان والسلم والطمأنينة، كلّها مبادىء تعلي من قيمة الإنسان وتستعيد معنى إنسانيته وتجعله عنصر بناء لا هدم، منفتحاً لا منغلقاً، متسامحاً لا متشدداً، هنا تلعب الفتوى دوراً في عمارة الحياة، فبقدر ما كانت الفتوى وسطية تتسم بالاعتدال بقدر ما كان تأثيرها صالحاً طيباً على المجتمع والأسرة، وقد جاء في كلمة الشيخ ابن بيه حول مفهوم الوسطية في الفتوى: إذا كان الاعتدال محبباً للإنسان كلّه، فإنّه بالنسبة لنا نحن المسلمين وفي دولة الإمارات يعني الوسطية النابعة من تعاليم الإسلام ودعوته بالحكمة والموعظة، تلك الوسطية التي تقدّم الإسلام كما هو في قيمه وتفاعله البناء مع الحضارات الأخرى في ما هو إنساني مشترك عام، فهي الميزان الشرعي الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، هو نبذ المبالغة والمغالاة. ما يعني أنّ الوسطية هي الميزان والموازنة والتوازن بين الثبات والتغيّر بين الحركة والسكون.

       كذلك تضمنت كلمة الشيخ المجدد سرداً لمرتكزات الوسطية ومعاييرها وتحدّث عن مواصفات ومؤهلات المفتي مقدّماً عنصر العلم، كما تناول موضوع "تصنيف القضايا النازلة"، مختتماً بالإشارة إلى موازين الفتوى، وأخيراً نلحظ في مجمل الكلمة إبراز معالم الوسطية سواء في الإفتاء أو الخطاب الديني بشكل عام ودورها في تحقيق الاستقرار والسلم وحفظ حياة الناس.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية