مشروعه الفكري يعمل على إحياء الكرامة الإنسانية وبعث القيم الدينية

منتدى تعزيز السلم حاضنة التجديد الإسلامي بروح نقدية معاصرة

  • نهجه يشكّل فرصة للمراجعة والمساءلة النقدية لمجمل الموروث الثقافي
  • ابن بيه: الشرع الإسلامي لم يحجر على العقل بل أعطاه مساحة واسعة
  • ابن بيه يضع الجميع أمام تحدي إنبات شجرة السلم ووقف الاحتراب
  • ابن بيه يدعو إلى اقتحام التحديث والإبداع بالتوازي مع التجديد الفقهي

      لقد كرّم الله الإنسان وأعزّه كما قال في كتابه المجيد "ولقد كرمنا بني آدم"، وفضّله بالعقل والعلم والتقويم والكرامة المطلقة، وكثيراً ما تحدّث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة عن كرامة الإنسان وعزته، والارتفاع بشأنه إلى ذرى تليق بخليفة الله على الأرض، المكلّف بعمارة الأرض بالخير والجمال. وهو ما يعيد معالي الشيخ المجدّد عبد الله ابن بيه رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" إحياءه وتأكيده؛ بروح إسلامية معاصرة، تكتسب مشروعيتها المعرفية، من بعدها المؤنسن على كلّ المستويات القيمية، الأخلاقية والدينية. فهو يقول: كرامة الإنسان قبل كرامة الإيمان.

لقد تَوَّجَ الشيخ المجدّد مشروعه الفكري على مدى ما يزيد عن ثلاثة عقود؛ بتأسيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" في أبوظبي عام 2014، فأعلن في ملتقاه الأوّل "الحرب على الحرب؛ لتكون النتيجة سلماً على سلم"، وهي المقولة، التي استشهد بها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة (عام 2015)؛ في سياق حديثه عن مدى الفاعلية الثقافية في مواجهة الإرهاب، والتصدي للغلو أو الفكر المتطرف.

التأمّل بأفكار فضيلة الشيخ ابن بيه، يحيلنا إلى ما يمكن أن نسمّيه، الترابط الدلالي الجامع في ما بين القيم السامية العليا، مثل: الكرامة والحقّ والحريّة والإرادة، بحيث لا يمكن العزل أو الفصل بين مكوناتها المشكّلة؛ لبنية قيمة الكائن، بالمعنى الإنساني المطلق. الأمر الذي يجعل حرمان الإنسان من أحد العناصر المكوّنة لإنسانيته؛ بمثابة الاعتداء على الصورة التي أرادها الله له. وهي بمعنى من المعاني تحيلنا إلى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً. ولو توقفنا عند كلّ عنصر من عناصر الكرامة الإنسانية من حيث النتائج المترتّبة على سلبه؛ لأدركنا دون عناء الأسباب العميقة لتمرّد الناس وثوراتهم.

       أما كيف يمكن تنزيل هذه الرؤية المؤنسنة من الفضاء النظري إلى الإطار الواقعي وترجمتها إلى سلوك اجتماعي عام، فالشيخ المجدّد عبد الله بن بيه، يطالب بإعمال العقل المعطّل؛ للنزول بالنصوص والمقاصد والفروع والقواعد من سماء التصور إلى أرض التطبيق. ويدعو إلى التعرف على الواقع والتوقّع؛ لحلّ ما يسمّيه "مشكلة الأجهال الثلاثة: الجهل بتأويل النصوص، والجهل بالمقاصد، والجهل بالواقع والمآلات (التوقّع). ما يعني أنّ الجميع مكلّفون ببذل المزيد من الجهد والاجتهاد على المستوى الفكري. فضلاً عن ضرورة تجاوز بعض القناعات التي لا تخدم ثقافة الأنسنة وقيم السلام. وبالتأكيد، لن تكون الحلول من خلال القطيعة مع التراث والتاريخ، أو التقوقع في زنزانات الماضي، وإنّما لا بدّ من اقتحام عصر التحديث والإبداع؛ بالتوازي مع التجديد المرتكز على فقه التصحيح الشرعي ومنطق التأصيل العلمي. فيقول: إنّ التعامل مع منظومة الأدوات الاستنباطية؛ بأيد عليمة، وأذهان متفتّحة، ودين متين؛ لا وسوسة فيه ولا تردّد، يستهدف صالح الإنسان، وذلك باستهداف المقاصد الأولى؛ لفهم النص، ولإيجاد انسجام في ضمير المسلم بين كلي الإيمان وكلي الزمان.

الواقع متغير

يؤكد الشيخ ابن بيه أنّ الواقع متغيّر. وهذا يعني؛ بحكم الدلالة، أن تغيُّر الواقع يحتّم تغيُرنا، وتغيّرنا لن يكون له قيمة؛ من دون البحث بإلحاح عن أجوبة عملية؛ في قضايا متنوعة، تمسّ حياة الأمة في شتّى المجالات والميادين في وقت واحد وفي كلّ مكان. ويشدّد الشيخ ابن بيه أنّ ما يهمّه هو التأصيل للقضايا الفقهية، التي تمثّل للمسلمين، منظومة تعبدية وقانونية، تحكم النسق السلوكي والمعياري في حياة الفرد والجماعة، ويجب أنْ تواكب مسيرة الحياة، التي تشهد تغيرات هائلة وتطورات مذهلة من الذرة إلى المجرة، في شتّى المجالات ومختلف المظاهر والتجليات، في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمالية، والكشوف العلمية، والعلاقات الدولية والتمازج بين الأمم، والتزاوج بين الثقافات إلى حدّ التأثير في محيط العبادات، والتطاول إلى فضاء المعتقدات. وقد أصبحت الأنظمة الدولية والمواثيق العالمية ونظم المبادلات والمعاملات جزءًا من النظم المحلية، وتسربت إلى الدساتير، التي تعتبر الوثائق المؤسسة، فيما أطلق عليه، اسم العولمة والعالمية.

الأمر الذي يدعو إلى التجديد في كلّ شيء؛ بما يواكب هذه العالمية؛ حتى تستقيم مقولة: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.

ولكن واقع الحال يقول إنّ العقل الإسلامي بدأ منذ القرن السابع الهجري يدخل في أزمة فقهية وفكرية، نتيجة الجمود على المنقولات، وأخذت هذه الأزمة منحى تصاعدياً بشكل تدريجي، صاحبته أحداث جسام؛ لعلّ أهمها سقوط الأندلس في القرن التاسع، ولم تعد النظرة التجديدية لقضايا الزمان حاضرة في العقلية الفقهية والفكرية، واتسم الوضع بنوع من القصور في القدرة على إنتاج مفاهيم جديدة، تحيي في الأمة ما اندرس منها وعفا رسمه. واستمر مؤشر الأزمة في تصاعد، تزامنت شدته مع الحركة الاستعمارية، وسقوط الدولة العثمانية في بدايات القرن العشرين، فإنّ واقع اليوم يقتضي البعد عن الخيال الرومانسي حول التاريخ – بحسب تعبير الشيخ المجدّد - والتخلي عن الوهم الإمبراطوري للأمة، وعن التاريخ المعسكر والمنتصر، وعن أوهام جعلت الأمة اليوم في حالة عداء للإنسان والكون عوض أن تبقى على أصلها شريكة في بناء الكون وعمارته.

كل ذلك يقتضي الاقتداء بنهج فضيلة الشيخ ابن بيه، واقتفاء أثره على مستوى الجد والاجتهاد الفقهي؛ بكل ما يستدعيه الأمر من جرأة على المراجعة والمساءلة النقدية؛ لمجمل الموروث الثقافي الإسلامي. وهي فرصة يتيحها العلامة ابن بيه للجيل الجديد من العلماء والمفكرين.

يقول الشيخ ابن بيه؛ على سبيل رسم الطريق أمام طلبة العلم: "نحتاج اليوم إلى نظر كلي يلاحظ الواقع المستجد؛ لتركيب الدليل مع تفاصيله، وترتيب الأحكام على مقتضياتها. إنَّ صُنْع الأداة التي هي هنا القاعدة أو المفهوم أو الكلي، هو أهم وسيلة لإنتاج فكر، أو إصدار حكم في قضايا الواقع وفروع الشرع والقانون وتفاريع الحياة وشعابها". مستدلاً بإدراك الرعيل الأول حقيقة: أن لا تعارض بين الديني والدنيوي، وبين العقل والنقل، وبين المصالح الإنسانية والقيم الدينية". لذلك وجدناهم، انطلقوا يعمرون الدنيا ويقدمون للآخرة. ما يعني أن الدين ترك مساحة واسعة للعقل فيما يتعلق بتدبير شؤون الناس ومصالحهم. فيؤكد الشيخ المجدد أنّ الشرع الإسلامي وإن كانت فيه دائرة الوحي والنصوص هي الحاكمة على الواقع الإنساني، إلا أنّ هذا الشرع لم يحجر على العقل، بل أعطاه مساحة واسعة، يدرك فيها العقل مصالح العباد.

شجرة السلم 

يدرك معالي الشيخ المجدّد أنّ الواقع المدمى في المجتمعات المسلمة، يستدعي العمل المستعجل على وقف الاحتراب وفض الخصام، واستنبات ثقافة السلام فيقول: "إنّ الهمّ هو أن تنبت شجرة السلم، التي تحتاج وقتاً، لتقوم على ساقها، وليس المهم من يستثمر أو من يستظل، ولكن المهم هو إنجاز المهمة التاريخية، وهي المهمة التي نحن بصدد إنجازها، وإن شاء الله سائرون إليها، لأنّ غايتنا أن ننشر السلام وثقافته، والغاية تبرر الوسيلة في هذا المقام حصراً". وهو بذلك يضع الجميع أمام التحدي، إنبات شجرة السلم. فهل يعني ذلك استقالة العلماء والمفكرون من أدوارهم، أم أن الأمر هو عكس ذلك؟

في الواقع إنّ الجميع مدعوون؛ بل مطالبون بالعمل الحثيث على تخصيب التربة اللازمة لإنبات شجرة السلم، والدفع نحو المزيد من الإيمان بامكانية استنباتها بالعقل والحكمة؛ لأن السلاك            كما يعبّر الشيخ المجدّد "يورث الفردَ الطمأنينةَ والسكينةَ، والأمن والسلم بجميع أنماطه وتجلياته هو ثمرة الإيمان"، من هنا صارت الظروف مواتية؛ لأنّ الشيخ يرسم العلامات ويؤشر بأفكار هاديات، ومقولات خالدات إلى الطريق التي يفترض أن يسلكها حملة العلم وأهل الفكر والعقل.. الجميع مكلّفون بالأصل في استكمال نشر رسالة السلام التي حملها ديننا الحنيف، وإتاحة فرص العدالة والتفاهم والبناء والتنمية، وأستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم. أفشوا السلام بينكم..)  أخرجه مسلم.

يمكننا التعقيب هنا بسؤال أي سلام قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو لفظ السلام أو تحية الإسلام، أم هو دعوة للعمل من أجل السلام، عموم السلام، ليس خدمة للأمة وحدها، وإنما لجميع بني الإنسان؟


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية