تحالف القيم .. استراتيجية عالمية لإنقاذ البشرية

   إن قيمة تحالف القيم تتجلى بوضوح في قوله عليه الصلاة والسلام: "لقد شهدت في دار عبد الله ابن جدعان حلفاً ما أحبّ أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت". هذا الحلف هو حلف الفضول، تعاهدوا فيها ألا يعز ظالم مظلوماً وعلى التآسي في المعيشة.  فهو حلف يجمع: قيمة العدل والإنصاف، وقيمة التضامن في المجتمع.

   الإسلام يزكي الفضيلة أياً كان مَصْدرها ومُصَدِّرها، وأياً ما يكن مَنشأُها ومُنشِئُها، فالفضيلة هي الفضيلة، لا يقف الدين واختلافه حاجزاً دون التعامل معها، ولا يقف حائلاً دون مدّ اليد إليها. ولهذا زكى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف، وقال إنه مستعد للانخراط في هذا العقد لو دعي به. وهذا دليل على أنّ المسلم منفتح على غيره، وأنه يتعاون مع جميع البشر من أجل تحقيق القيم الإنسانية الفاضلة، حتى ولو لم يكن على اتفاق معهم في الدين، أو العرق، أو العنصر، أو المنشأ.

هذا هو محل الاستشهاد من هذا الحديث، ولعلنا نتحدث عن القيم، وضرورة تحالف القيم، انطلاقاً من وجود قيم مشتركة، لنصل في النهاية إلى البحث عن أولي بقية من القوم الذين يمكن أن نتحالف معهم على القيم.

القيم معيار للخير والجمال

القيم جمع قيمة، وهي في العربية ثمن الشيء والفائدة التي تجنى من ورائه، ومنه جاء المثل "قيمة كل امرئ ما يحسن". ووردت في القرآن الكريم مفرداً في قوله تعالى: ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً. (الأنعام – 164)

والمعنى يدلّ على أن هذا الدين يقوم بمصالح العباد في المعاش وفي المعاد. كذلك وردت كلمة قيماً في قوله تعالى وَلَا توتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا (النساء: 5)، ومعناها تقوم بها أمور. فالقيم بهذا المعنى هي شيء ثمين يحرص الإنسان على اقتنائه، وبالتالي جاء لفظ القيم من ذلك. أما معنى الحديث الذي هو ترجمة لكلمة Valeurs، فالمراد منه ما يكون معياراً للخير والجمال والحق، أو ما يكون مرجعاً يرجع إليه؛ كمعيار أخلاقي. لكن معنى القيم ربما يكون أوسع من ذلك، فالقيم هي الفضائل، وهي الخصال الحميدة، وهي كل أمر يزكيه العقل ويشهد له النقل. فالقيم بهذا المعنى الإسلامي ترادف الخصال والخلال. وكانت العرب تقول الخصلة والخلة للخير غالباً، فالخلة هي القيمة والخصلة الحميدة، وكذلك القيم (في رأيي)، هي عبارة عن تلك الخلال المستحسنة والتي يُستقبح ضدها ويُستهجن، وهي تلك الخلال التي يكون استحسانها مستمراً وعاماً، ولهذا نحن لا نقول بالنسبية في القيم -أي القيم الكبرى- هناك قيم كبرى وقيم صغرى، هناك تسلسل في القيم، لكن القيم الإنسانية الكبرى التي جاءت بها الأديان السماوية لا يوجد فيها اختلاف، وهي قيم تُستحسن وخلافُها يُستهجن، فالعدل مثلاً قيمة جليلة، وكذلك الوفاء، والصدق، والحق، كل هذه قيم جميلة يؤمن بها كل الناس وكل الأقوام.

منابت القيم وأصولها

لا شكّ أنّ القيم تقسم إلى نوعين: القيم الإنسانية، والقيم السماوية. لكن في المفهوم الإسلامي تمتزج القيم الإنسانية بالقيم السماوية، ولهذا فيمكن أن نرد القيم إلى خمسة أصول:

الأول: قيم مردها إلى صفات الله سبحانه وتعالى، أو ما سمّاه الشاطبي "أصل التخلق بصفات الله والاقتداء بأفعاله". إن الله يضرب مثلاً للإنسان وهو جل وعلا له المثل الأعلى، ويقدم له وسيلة للإيضاح عن طريق التشبيه والتشبه، وهو سبحانه لا يشبهه شيء، وهو الملك القدوس، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشورى: 11).

الأصل الثاني يتمثل بأخلاق رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فهو كان يمثل القيم على وجه الأرض، وقد زكاه الله سبحانه وتعالى فقال وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(القلم: 4)، وقالت عائشة رضي الله عنها (كان خلق نبي الله (صلى الله عليه وسلم) القرآن).

أما الأصل الثالث، فهو الأوامر والنواهي التي جاءت في القرآن الكريم، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى( النحل:90) وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا( البقرة: 83). والأوامر التي جاءت في الحديث: (وخالق الناس بخلق حسن).

ويشير الأصل الرابع إلى العقل الذي هو أساس الاعتقاد، فالله سبحانه وتعالى عظم شأن العقل، وهو أصل منشئ في العقائد، بمعنى أنّ الإنسان ليعتقد عليه أن يقتنع عقلياً بأن اعتقاده صحيح لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (البقرة:256)، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. فالعقل أساس من أسس القيم، والعقل هو أعدل الأشياء توزيعاً كما يقول ديكارت.

الأصل الخامس فهو التقاليد والعوائد والأعراف، وهذا الأصل نسبي، لكنه معتبر في الشرع، ومثل ذلك، عندما رجع النبي (صلى الله عليه وسلم) من سفر فكانت مجموعة من الحبشة قد أسلمت حديثاً وجاءت إلى المدينة، فدخلوا مسجده وقاموا يزفنون (حسب رواية البخاري)، اي يرقصون، وهو رقص فيه شيء من الأصوات. لكن عمر بن الخطاب على طريقته ومزاجه رضي الله عنه؛ أراد أن يحصبهم أي يرميهم بالحصى، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): دعهم، إنهم بنو أرفدة. معناه هذه عادتهم وهذه أعرافهم، فاعتبر الشارع هذه الأعراف وتسامح معها وجعلها أصلا ًمن أصول القيم؛ لأنها قيمة تخص هؤلاء، ولذا قلت إن الأعراف والتقاليد هي قيم إسمية.

هذه هي أصول القيم بالنسبة لنا معشر المسلمين. أما بالنسبة لأوروبا فلا أزيدكم علماً إذا ذكرت أنها شهدت تطورين في غاية الأهمية: التطور الأول لما بدأ عصر النهضة كانت القيم سماوية، لكنها نزلت إلى الأرض وانقطعت أوروبا من الوحي بشكل مختلف - من منطقة إلى أخرى-، لكن الفلسفة التي مهدت للثورة الفرنسية كانت فلسفة إنسانية، فجاءت قيم حقوق الإنسان، والحريات، والديمقراطية، وأصبح الإنسان مرجع نفسه. وقد بلغت هذه القيم أوجها بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت صحوة من الضمير البشري جرى بعد ذلك إعلان حقوق الإنسان. لكن حقوق الإنسان عند ما كانت تحرّر، اتفقت اللجنة التي كانت تحررها على استبعاد الله سبحانه وتعالى، واستبعاد الخلق وما يشتق منه، كما يقول شارل مالك الذي كان العضو العربي الوحيد مع رينيه كاسان وجون همفري.

في الفصل الأول يقولون: إنّ الناس يولدون أحراراً متساوين، وقد وهبوا عقلاً وضميراً. هذا الفصل لي عليه تعليقان، التعليق الأول: "ولدوا أحرارا" عندنا – نحن المسلمين - في هذه حقوق المؤلف " Droits d'auteur"، لأن هذه الكلمة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي كلمة مشهورة " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً". أما التعليق الثاني: فهو على الفعل المركب للمجهول "وهبوا عقلاً وضميراً". من وهبهم العقل والضمير؟. هم لا يريدون أن يذكروا الله سبحانه وتعالى، وكأنّ الإنسان هو الذي وهب نفسه هذا العقل والضمير. وبالتالي كلمة "وهبوا" التي ابتدأ بها أعيان حقوق الإنسان ستظل في التاريخ تشهد عليهم؛ بوجود شيء مجهول أو غائب لم يريدوا التحدث عنه.

أما التطور الثاني، فهو في عصر ما بعد الحداثة، حيث أعلنوا موت الإنسان أيضاً، وأصبحت هذه القيم لا وجود لها، تكنولوجيا بلا روح، وجمع للثروات بلا رائحة. أصبح العنف سائداً، والأنانية سيدة. هذا العصر الجديد الذي قال عنه الأمين العام لمنظمة اليونيسكو – متهماً العولمة - العولمة تسير بسيرورة جعلتنا نعيش بلا معنى، إنها تقنيات فقط، وهذه التقنيات تحرك الإنسان في اتجاهات لا يحسب لها حساباً.

وهنا دق الفلاسفة والسياسيون أجراس الخطر، فلأذكر بعض العناوين، جياني فاتيمو Gianni Vattimo وهو فيلسوف فيما أحسبه من إيطاليا يعنون مقالاً له بـ: Crépuscule des valeurs شفق القيم أو غروب القيم، -بحسب الترجمة التي نراها في هذه المسألة-، وهو في ذلك يأخذ عنوان الفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر Oswald Spengler في كتاب سماه Le déclin de l'occident " أي: أفول الغرب أو دلوك الغرب، بمعنى دلك وأفل، وكلها تعطي معنى واحداً ثم المرشح للرئاسة الأمريكية باتريك جيه بوكانن  Patrick J. Buchanan الذي يكتب كتاباً بعنوان موت الغرب The Death of the West.

إنها عناوين متشائمة، تدل على أنّ القيم وصلت إلى الحضيض، وأنّ الناس في حاجة إلى أن يعودوا إلى السماء، وأنّ هذه القيم التي استنبتوها في الأرض ثم تخلوا عنها هم بحاجة من جديد إلى أن يرفعوا رؤوسهم إلى السماء ليروا ضياء من نور، وليروا بارقة في أفق رحمة الله سبحانه وتعالى.

ضروة تحالف القيم

هنا نصل إلى السؤال العالمي الإنقاذي حول مصير الإنسانية، كيف تتحالف القيم؟ أعتقد أنّ القيم تتحالف في ثلاث مقدمات: المقدمة الأولى  تمثل الشعور بالمأزق، بمعنى أنّ الإنسانية وصلت إلى تقدم تكنولوجي غير مسبوق في التاريخ، حيث أوصل البشرية إلى قدرة على التدمير الذاتي، مما أشاع حالة من الفزع والقلق، وعدم اليقين، وعدم الثقة. 

أما المقدمة الثانية فهي تتمحور حول البحث عـــن القيـــم المشتركـــــــــة، في حين أنّ المقدمة الثالثة تروم البحث عن أولي بقية. يقول الله سبحانه وتعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ( هود: 116) المفسرون يقولون: أولوا بقية: أولوا عقل، وأولوا تمييز. أن نبحث عن أولي بقية، عن حكماء من مختلف الديانات، ومن مختلف المذاهب والمشارب حتى يقوموا على ترشيد البشرية في هذه اللحظة الحاسمة.

أما القيم المشتركة، فلا أضيف علماً إذا قلت: إن هذه القيم المشتركة اختلف الفلاسفة فيها، فهذا ألفريد نورث وايت هيد  ALFRED NORTH WHITE HIDE يقول: إنه لا توجد قيم مشتركة، وإن القيم ليست مطلقة وإنما هي نسبية، وإنّ لكل عصر قيمه، والقيم التي تعتبر راقية سامية في زمان، هي منحطة في زمن آخر. أما أكثر الفلاسفة تحت قيادة "كانت" رئيس المذهب المطلق، يرون أنّ الحق والخير والجمال هي قيم أزلية، لا علاقة لها بالزمان ولا بالمكان، فما كان قيمة في الماضي هو قيمة في الحاضر، وسيظل قيمة في المستقبل.

وهذا المذهب المطلق أرى أنه هو الذي تؤيده الديانات السماوية، لأنها تعتمد على الأوامر المطلقة لله سبحانه وتعالى، والله مطلق. من أجل ذلك القيم المشتركة موجودة، وإن العقل واللغة يزكيان ذلك.

 كما أرى أنّ الفضيلة هي مرحلة متقدمة وطور جديد من تطور حقوق الإنسان، كالرأفة والرحمة والإيثار والحب والأخوة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

 قيمتان قيمة الحب وقيمة الأخوة. وقد ذكر العلماء أنّ هذه الأخوة لا تختص بأخوة الإسلام، بل هي أخوة تشمل جميع البشرية، وتتجاوز أخوة الدين إلى أخوة الإنسانية.

أما قيمة الحب فهي قيمة عظيمة، وديننا دين الحب، لأنه يقوم على الحب عمودياً وأفقياً: حب الله لعباده، وحب العباد لله، وحب الناس لبعضهم بعضاً.

أما القيمة الأخيرة، فهي قيمة الاختلاف. علينا أن نحيي قيمة قبول الاختلاف في حياة الناس لا أن نكفر المخالف، نحن في العالم الاسلامي نعيش حالة من التمزق والتكفير والتفجير والتبديع والتشنيع بسبب الاختلاف، ولا أقول الخلاف، لأنّه يوحي بالقطيعة، والاختلاف يوحي بالحوار والتناغم، ويؤدي إلى اتساع الصدر كما أوصى به المقري في وصية له: "تعلم الاختلاف يتسع صدرك". فتعلم قيمة الاختلاف، وأنّ الاختلاف لا يؤدي إلى بغضاء، وأنه إثراء وغنى وليس حرباً، يمكن أن يحلّ مشكلة العالم الإسلامي، ويعالج ظاهرة المتطرفين والغلاة في كل العالم.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية