رسالة كانط في السلم العالمي حلم قابل للتحقيق بسلطة العقل والحق والواجب

     اشتغل الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط على فكرة السلم الأبدي ودافع عنها باعتبارها حلماً قابلاً للتحقيق بالاستناد إلى سلطة العقل والحق العام والواجب، مما يؤدي إلى تأسيس مواطنية عالمية، وكانط هو أوّل مَنْ صاغ نظريةً عامةً في السلام الدائم: (Zum Ewigen Frieden Ein philosophisher Entwurf) (1795)، تصوّر إمكان الوصول بين الدول إلى عهدٍ عالمي للتحقيق والضمان.

   يقول كانط في عبارةٍ وردت في نهاية كتابه: الأصول الميتافيزيقية لفلسفة الحق (1797): "إنّ العقل العملي يواجهنا مناقبياً بالخطر الآتي، الذي لا مُهادنة فيه: يجب أن لا تنشب حربٌ البتة، لا بينك وبيني، في الحال الطبيعية، ولا بيننا كدولٍ مبنية داخلياً على أسس شرعية في ما هي حرّة خارجياً من أي ارتهان (في علاقات المبادلة)...

 

أي أنّ المسألة لم تعد مسألة معرفة ما إذا كان السلام الدائم واقعاً حقيقياً أو تصوّراً فارغاً.. إنما ينبغي أن نعمل كما لو كان السلام، الذي ربما لن يتحقق، وكأنه قابل للتنفيذ، وأن نعمد، سعياً وراء هذه الغاية، إلى إقامة نظام دستوري". وبحسب هذا التصوّر لكانط فإنّ المجتمع في حالته الطبيعية يشكّل حالةً اجتماعيةً، لكنه مثل توماس هوبز، وسائر الفلاسفة الألمان، يعتبر أنّ الحالة الطبيعية للمجتمع، تشكّل تهديداً دائماً للسلم، ولذا ينبغي أن ينتقل المجتمع إلى الحالة المدنية، حالة السلطة السياسية الدستورية أو الدولة. وهي حالةٌ أرقى؛ لأنها تشكّل إطاراً ناظماً يحقق السلم في الدواخل ليس بالقوة فقط، بل وبالدستور الذي ينظّم الحقوق والواجبات. لكنّ الدولة التي تضمن السلام الداخلي، لا تضمن السلم مع الدول الأُخرى. ومع أن البحوث الأنثروبولوجية بشأن السلطة ما كانت قد تطورت، وهي متشائمة كما نعلم، وتعتبر أن السلطة تقوم على الحرب؛ فإنّ كانط يعترف بأنّ سائر الدول (المعاصرة له) " ما تزال (رغم وجود الدساتير) تحشد مؤسساتها الداخلية باتجاه الحرب، كما لو كانت هي الغاية الأسمى"!

 

   ما الحلُّ إذن لاستحداث مقولة السلم الدائم في الأخلاد والتصرفات؟

 ثلاثة أمور: الاستناد إلى العقل وحده، والاستناد إلى الحق العام، والواجب الأخلاقي، والاستناد إلى العقل وإلى الواجب؛ لإنشاء عهدٍ عالمي أو مواطنية عالمية تتضمن ستة بنود:

 النص في العهد أو المعاهدة على تحريم اللجوء إلى الحرب، والنص على تحريم استحواذ الدولة المستقلة على دولةٍ أُخرى بأي صيغة، والنص على إزالة الجيوش النظامية بالتدريج، والنص على تحريم الاقتراض لتمويل نزاعات خارجية، والنص على تحريم تدخل الدولة الكبرى بالقوة في دستور أي دولةٍ أُخرى، والنص في حالة وقوع الحرب على عدم القيام بأعمال عدائية لا يمكن إصلاحها بعد استتباب السلام. ما يعني أن التأسيس للسلام الدائم يقوم على مبدأ العقل والحق العام، وعلى إحداث توافق بين الأخلاق والسياسة كما هو الواجب، وعلى تعاون الجميع في منع خروج أي طرفٍ على هذا العهد العام، مهما كانت الأسباب؛ لأنّ الطرف الخارج أو المعتدي يكون مخالفاً للعقل والحق العام والأخلاق! 

 

       ذكر كانط ذلك كله في رسالته في السلم الدائم أو العام أو الأبدي (1795) على مستوى العالم. وتصور إمكان الوصول بين الدول إلى عهدٍ عالمي قابل للتحقيق والضمان. وتابع العمل على مشروعه في كتابه: الأصول الميتافيزيقية لفلسفة الحق (1797)، وعاد فذكّر بأطروحته في ثمانينات القرن الثامن عشر عن "فكرة تاريخ كلي من وجهة نظر مواطنية عالمية". وقد اشتهرت هذه الأعمال وشاعت أفكارها في القرن التاسع عشر، قرن الحروب والثورات. ولا شكّ أنّ تأثيرات الثورة الفرنسية التي حملت شعارات: حرية، إخاء، مساواة، كانت سلبيةً؛ رغم بريق تلك الشعارات التي أوحت بإمكانياتٍ غير متناهية. بحيث بدا في نهايات القرن، ومع صراع الدول الأوروبية على استعمار العالم، كأنّما الحرب هي الغاية الأسمى، كما ذكر كانط. واحتاج الأمر إلى حربين عالميتين وعشرات الملايين من القتلى، والدمار الحضاري، ليعود التفكير ضرورةً إلى أفكار كانط في العهد العالمي، وسلطة العقل والحق العام أو الطبيعي، والواجب الأخلاقي، بحيث أفضى التفكير والتقدير والتدبير إلى كتابة ميثاق الأمم المتحدة (1945). والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، وإقامة الهيئات الضامنة. وتبعت ذلك العهود والإعلانات والمواثيق النوعية في مجالاتٍ ومصالح إنسانية شتى.

       وبالطبع ما انتهت الحروب، ولا جرى حلُّ الجيوش، ولا توقف عدوان الدول إحداها على الأخرى، وبخاصةٍ بين الدول الكبرى والصغرى. بيد أنّ القصور الرئيسي في مشروع الفيلسوف ظهر في نقطتين رئيسيتين: الأولى: الحرية، والثانية الجهات الضامنة لإنفاذ العهود الدولية، أي تحقيق حالة السلم الدائم.

       في النقطة الأولى: الحرية، اعتقد كانط أنها تنحلُّ بالدستورعلى مستوى كل دولةٍ على حِدَة، وتجتمع الدساتير في النهاية (وستكون متشابهة بالضرورة ما دامت تستند إلى العقل والحق العام وأخلاق الواجب)؛ لتصنع المواطنية العالمية. وفي حياة كانط أظهرت الثورة الفرنسية أنّ مسألة الحرية لا تنحلُّ بالدساتير. هذا ولم نتحدث بعد عن تحدي الممارسة الاستعمارية لكل المبادئ في الحرية والإخاء والمساواة.

       إنما النقطة الثانية هي التي تبدو الأكثر استعصاءً حتى اليوم: نقطة الهيئة الضامنة للسلم العالمي. وهي في حالتنا الحاضرة مجلس الأمن الدولي. فبحسب دراسة للمورخ المعروف أريك هوبسباوم فإنه في ثلثي حالات النزاع الداخلي أو النزاعات بين الدول؛ يبقى مجلس الامن مشلولاً وغير قادر على التدخل للاختلاف بين أعضائه. سيقول الكانطيون الجدد: إنّ هذه هي مشكلةٌ عملية ولا تتعلق بالعقل والحق العام. بيد أنّ الفيلسوف Axel Honneth وهو ليس كانطياً ذكّر بالمبدأ الثالث لكانط وهو الواجب الأخلاقي، والذي شكّل أساساً للقانون الدولي الإنساني، والذي تجري من خلاله المحاسبة على الجرائم ضد الإنسانية. كانط استند في أخلاق الواجب إلى الوعي الإنساني العام، وإلى الباقي من الدين وهو الجانب الأخلاقي. أما المفكر الكاثوليكي الكبير هانس كينغ Küng فأراد الوصول من خلال الأديان إلى أخلاقٍ عالميةٍ للسلام والعيش العالمي المشترك. وأخيراً فإنّ العلامّة الشيخ عبد الله بن بيه نادى بحلف الفضول ومبدأ الجوار القريب والعالمي أو الإنساني.

       إنّ فكرة السلام العالمي، التي بدأ التفكير فيها الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، تعود للواجهة لدى سائر شعوب العالم؛ بسبب الآلام الهائلة التي تُحدثُها الحروب والنزاعات التي تهدد بقاءَ الإنسان وإنسانيته. وهي مثابةُ ومآلُ وجودٍ لنا نحن المسلمين اليوم؛ بالنظر لحروب الإبادة المشنونة علينا؛ إنساناً وديناً ومجتمعاتٍ ودُوَلاً، فلنتأمل قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم والله يحب المقسطين}. ولنتأمل مقولة معالي الشيخ عبد الله بن بيه في"حلف الفضول ومبدأ الجوار"؛ باعتبار ذلك كلّه براً وقسطاً في التعامل فيما بيننا والعيش في عالم العصر وعصر العالم.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية