كيف نواجه التطرف بالحوار؟

بعد استشراء ظاهرة الإرهاب والتطرف في أكثر من منطقة في العالم، ولاسيما في الشرق الأوسط، بدا واضحاً أنّ هناك أزمة فكرية تقف وراء هذا الانفلات الإرهابي، وهو ما دفع إلى الواجهة بخطاب إعلامي، يطالب أصحابه بتجديد الخطاب الديني، خاصة أنّ معظم الحركات الإرهابية، راحت تستخدم الدين كمنصّة، لتسويق أفكارها في عقول الناشئة، مستغلّة مظاهر الفقر والإحباط والجهل التي تنتشر في العديد من الدول، بسبب غياب السياسات الاقتصادية الفاعلة، وآليات التطوير المجتمعية المناسبة، التي تكفل تأمين الحياة الكريمة للناس.

يهدف دعاة تجديد الخطاب الديني، كما هو معلن إلى مواجهة الإرهاب وحماية الشباب وضمان عدم انزلاقه نحو التطرف والارتماء في أحضان الجماعات المتطرفة التي استفحل أمرها أخيراً.

نظراً لاختلاف وجهات النظر حول ماهية معنى الخطاب الديني، وعلاقة ذلك بالعقائد والعبادات، فقد تحوّل هذا السجال في بعض الأحيان إلى ساحة جديدة للاختلاف حول تفسير معنى الخطاب الديني، هل هو خطاب العامة أم خطاب الخاصة؟ وهل هو الخطاب التداولي أم خطاب العلماء؟ وهل الأمر منوط بالإعلام؟ أو بالمناهج التعليمية؟ وكيف يمكن الوصول بالخطاب الديني إلى المستوى الذي يسمح له بأن يكون عاملاً من عوامل محاربة التطرّف والإرهاب؟

أسئلة كثيرة تفرض نفسها، على العالم الذي بات يواجه تطرفاً عابراً للحدود، ومنفلتاً من عقاله، يشكّل خطراً حقيقياً على قيم التعايش والسلام في العالم، ويهدّد بانتشار الحروب والفوضى. خاصة أنّ السجال في بعض مفاصله حول الخطاب الديني نحا في بعض الأحيان نحو التنافس الطائفي وهو ما زاد في الطين بلة، وساهم في تصوير الإسلام باعتباره منبعاً للتطرف! ولاسيما في نظر الغرب، الذي بات يلصق تهمة أي عمل إرهابي بالمسلمين.

وهنا لا بدّ من القول إنّ تجديد الخطاب الديني، إنّما يقصد به هو العودة إلى المقاصد الحقيقية التي من أجلها وضعت الشرائع السماوية. والتي وضعت في سلّم أولوياتها هدف الحفاظ على الحياة والكرامة الإنسانية. لكن بعد التأويلات والتفسيرات التي قام بها البعض لغايات سياسية أحياناً، جعلت الخطاب الديني في بعض المراحل يركّز على الواجبات الدينية دون الحقوق.

كما أنّ التركيز على التحريمات جعل من هذا الخطاب الديني مادة صماء، وصوّر الدين وكأنّه قائم فقط على التحريم، مع العلم أنّ الأحكام الفقهية متعدّدة، ولكلّ عصر ضروراته وظواهره مثل بعض الأمور العملية كالحرّية والاستقلال والعدالة الاجتماعية.

زد على ذلك أنّ أي خطاب ديني تحاوري لا بدّ أولاً أن يعترف بحقّ الآخر، فلو أخذنا على سبيل المثال الحوار بين الإسلام والغرب، أو لنقل بين الإسلام والمسيحية، ونلاحظ هنا أنّ المشكلة تنحصر في أنماط ونماذج من التفكير والرؤى للحياة وللقيم، وأنّها أنماط "حضارية" بكلّ ما تحمله هذه من خصوصية إنسانية. وعلى اعتبار أنّ الحوار في أساسه يتضمن بالضرورة "اعترافا" بحقّ الاختلاف وبإمكانيته، إذ لا يمكننا تصوّر حوار إيجابي ما لم يكن مسبوقاً بشرط الاعتراف بالآخر المخالف، وأنّ محاولات نفي الآخر لا يمكن إلا أن تنتج مزيداً من التطرف، وتخلق مناخاً من عدم الثقة بين الأطراف المتحاورة. وفي هذا الإطار يقول معالي الشيخ عبدالله بن بيه: "ما جدوى أن يغزو الإنسان الفضاء ويبلغ أقصى الكواكب، بينما يظلُّ عاجزاً عن التفاهم مع أخيه ونظيره ومثيله".

وكما أنّه مطلوب وجود رؤية غربية لصالح هذا الحوار، فإنّه من المهمّ أيضاً وجود رؤية إسلامية لصالحه أيضاً، حيث يمكن طرح السؤال "هل يتضمن الإسلام "إرادة" للحوار؟ بالتأكيد إنّ بنية الإسلام كانت ومازالت بنية حوارية واضحة، وأنّ الدين الإسلامي ثبت شرعيته عبر أخلاقيات الحوار والنقاش، وطرح اختياراته الإصلاحية من خلال أسلوب الجدال والحوار ومحاولة البرهان على ما يطرح، وإقناع مخالفيه بها. زد على ذلك الاعتراف بالتراكم المعرفي والأخلاقي الذي يمثّله تاريخ الديانات وسعيها نحو الإصلاح والتصحيح والكمال العقائدي والأخلاقي.

ويمكننا القول إنّ دفاع الإسلام عن القواسم المشتركة بين كلّ الديانات السماوية يشكّل القاعدة الأساس التي بنى عليها الإسلام مشروعية رسالته.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

كما أنّ حرص الإسلام على الانتساب إلى ذلك "الأصل المشترك" بينه وبين المخالفين من أتباع الديانات السماوية، دلالة على أنّ  المسلمين غير مرتبطين في ولائهم بجنس أو شعب أو بشخص من الأشخاص، بقدر ما أنّ ولاءهم متعلّق بذلك "القاسم المشترك" من القيم العقدية والأخلاقية بين الأديان الأخرى. بقوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة 136.

والحقيقة أنّنا لو أردنا أنّ نقدّم الدلائل في هذا المجال لوجدنا الكثير، من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة التي تدعوا إلى التعايش والاعتراف بالآخر، في إطار رؤية تدرك الوحدة الجامعة للبشر رغم الاختلافات الظاهرية.

ونلاحظ هنا أنّه رغم أنّ تاريخ العلاقة بين الأديان الكبرى تظهر أنّها تنكر أحياناً بعضها بعضاً إلا أنّ  الإسلام، يقابل ذلك الإنكار باعتراف مطلق، جعله منذ البداية يؤمن بإمكانية فتح باب الحوار معها.

في حين قوبل الاعتراف الإسلامي بالآخر وهذه "الدعوة" إلى الحوار   بنقيضه وهو النفي المطلق، ومحاولة تشويه صورته، في المخيلة الشعبية لجماهير الناس في الغرب… الأمر الذي أضفى على ردود الفعل المسيحية القديمة طابعاً عنيفاً، زاده عنفاً الاصطدامات العسكرية القديمة والحديثة والمعاصرة. ولاسيما في مرحلة ما عرف بالحروب الصليبية.

ومع أنّ البيان الشهير للمجمع الثاني للفاتيكان (1962-1965) يمكن اعتباره، من حيث المبدأ، مساهمة إيجابية ومعقولة في اتجاه الحوار، إلا أنّ التيارات السياسية الغربية المحافظة، عرقلت هذا التوجه، وإمكانية تلاقي الإسلام والغرب وتفاهم المسلمين والمسيحيين.

وإذا رجعنا للتاريخ نرى أنّ هدف "البعثات التبشيرية خلال وعقب الحروب الصليبية" لم يكن هو الحوار مع الإسلام، بمقدار ما كان الهدف هو غزو المسلمين ثقافياً، ومن هنا بدأت بوادر أزمة الثقة بين الجانبين، وهو أمر ساهم في إفساح المجال أمام التيارات السياسية المتطرفة، في كلا الجانبين، والتي استخدمت الدين مطيّة لتحقيق أهداف سياسية، مستغلة مختلف المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بين أوساط الفقراء والجهلة.

والحقيقة أنّ هذا المناخ ساهم في وضع العراقيل دون قيام حوار سليم وحقيقي بين الطرفين، كما أنّ المشكلة في كثير مما نعيشه من صراعات، هو أنّنا نتحدّث مع الآخر من خلال ما نحن عليه لا من خلال ما هو. ولذلك يتحوّل الحوار إلى ما يشبه الصراع وحوار الطرشان، خاصة أنّ عدم الاعتراف بالآخر، وهي مسألة غير إنسانية وغير واقعية... ولذلك، يجب علينا أن نعيش في الواقع، وأن تكون لدينا الشجاعة الكافية للاعتراف به، لأنّ تلك الشجاعة إن وجدت لدى الطرفين تجعلهما يكتشفان بعضهما بعضاً أكثر.

       ومن هنا تبرز أهمية تجديد الخطاب الديني، ومحاولة البحث عن القواسم المشتركة بين الديانات السماوية، لا التخندق كلّ خلف معتقداته الدينية، واستعداء الآخر، لأنّ العالم اليوم - كما يقول معالي الشيخ عبدالله بن بيه – "عالم متعدد الثقافات، قيمته في التعددية التي هي في حدّ ذاتها فضيلة تفتح فرصاً واسعة للسلام الأصل الطبيعي للبشرية".

فمن شروط الحوار الهادف للوصول إلى قاعدة الفهم المتبادل، هو أن لا تكون هناك شروط مسبقة يفرضها أحد الطرفين على الآخر، وباعتقادنا أنّ للإعلام والمؤسسات التعليمية هنا الدور الأكبر في ترسيخ هذا الاتجاه نحو الحوار، مع التذكير هنا على أهمية معالجة الأسباب التي تدفع للتطرّف أيضاً وفي مقدمها الفقر والاستغلال، والتأكيد على أهمية الحوار لكلا الطرفين وللأمن والسلام في العالم كله.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية