الشيخ ابن بيه يمضي في التجديد على خطى الأنسنة في الإسلام الأول

الإسلام الكلاسيكي كان تعددياً وعقلانياً ومبدعاً وإنسانياً. أمّا الخطاب الإسلامي المعاصر فيعبّر عن نفسه بروح دوغمائية، أي عقائدية تكرارية اجترارية، لا مكان فيها للإبداع ولا للتنوّع ولا للاختلاف. هذه المقولة غالباً ما ردّدها الليبراليون والعلمانيون على السواء.

لا ينكر جاحد أنّ الإسلام في عصوره الكلاسيكية الأولى، كان ينطوي على أبعاد مؤنسنة، تمثّل غواية للمخيال البشري في مختلف الثقافات، وعلى تباين الأزمنة والأمكنة؛ باعتباره كان يستجيب لحاجات الإنسان الروحية والماديّة على كلّ المستويات الأخلاقية والإنسانية؛ سواء لجهة صيانة وحماية الكرامة والحريّة والعدل والمساواة والمواطنة النديّة المتكافئة، أو لجهة احتفائه بالعقل والإبداع وسنن التطور البشري. ولا نحتاج إلى كثير من البحث والتأويل والتعليل للتأكد من هذه الحقيقة الساطعة. وربما لن تكون أقلّ الدلالات على ما نذهب إليه أنّ الإسلام وصل بفضيلة غوايته المؤنسنة إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف من وصلهم من خلال الفتوحات. وخير شاهد على ذلك "سيرة ابن فضلان"، التي تحدّث فيها عن رحلته إلى بلاد الصقالبة (الدنمارك الحالية مروراً بروسيا)، التي جاءت استجابة لطلب ملكهم من الخليفة العباسي المقتدر بالله؛ بإرسال من يهديهم ويفقههم في الدين الحنيف. 

أمّا لماذا بات الإسلام المعاصر؛ بنظر البعض إقصائياً، منفراً، معادياً للعقل والتنوير، وبرأي الكارهين والحاقدين من الغلاة والعنصريين، الإسلام هو مفرخة للعنف والإرهاب، متوحّش، يفتك بالإنسان ويهدم العمران؛ قبل هدر الكرامات والحقوق وخراب الأوطان، فهذه الدعوى الظالمة والرؤية الضالة والمضللة ما انفكّ "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"؛ منذ انطلاقته الأولى في آذار (مارس 2014)، برئاسة معالي الشيخ عبدالله بن بيه يعمل على تفكيكها وتفنيدها على وجهين:

الأول: تصحيح المفاهيم، التي طالها التحريف والاجتزاء، فذهبت بعيداً عن مقاصد التنزيل الرحمانية، ومن ثم تأصيل ثقافة السلم والتسامح والتلاقي الإنساني السعيد في روح الإسلام وجوهر دعوته، التي تحتفي بالإنسان، كما لم تحتف به عقيدة أو أيديولوجيا أو ثقافة إنسانية أخرى على مَرِّ التاريخ البشري. وهو ما أكد عليه معالي الشيخ عبدالله بن بيه في مقولته المطرزة بالجمال والكمال والأنسنة الباذخة: "كرامة الإنسان قبل كرامة الإيمان".

الثاني: تجديد الخطاب الإسلامي، والانتقال به إلى مستوى الاستجابة لشروط الواقع والتوقّع؛ وفق مقاصد الشريعة وفقه المصالح، حسب التأصيل العلمي والتأويل الشرعي؛ لأمّ الكتاب والسنّة الشريفة بالدرجة الأولى، ثمّ آثار السلف. ما يعني أنّ التجديد في مشروع الشيخ ابن بيه يقوم بجوهره على قاعدة استعادة البعد الإنساني في الخطاب الإسلامي والشخصية العربية والإسلامية عموماً. استعادة ذلك البعد الأخلاقي الرهيف، ذلك البعد الديني الشفيف، الذي جرى تغييبه أو اختطافه على يد مجموعات من الجهلة والغلاة والمتطرفين المأجورين؛ لخدمة أيديولوجيات ومشاريع إمبراطورية وهميّة، أو أجندات خفيّة خارجية.

السؤال البديهي، الذي يُفترض أن يطرح نفسه، ونحن على عتبة الملتقى السنوي الخامس للمنتدى: أين أصبح المنتدى في مشروعه التجديدي؟.

بداية لا بُدَّ من الإشارة إلى مسألة والتأكيد على مسألة أخرى: أمّا الإشارة فهي إلى حقيقة أنّ التجديد في الإسلام يُفترض أنّه بداهة إيمانية، تلي الفرائض مباشرة، وتتقدم السنن. ويُفترض أنّه تجاوز للقديم، من حيث هو بناء عليه، كما ينادي ويحض معالي الشيخ ابن بيه. ولكن بدا واضحاً أنّ علماء المسلمين منذ أحد عشر قرناً ونيف، فهموا التجديد، بأنّه "ترقيع"، أو ما يمكن أن نسميّه إصلاح المعطّل، فاجتهدوا على النهل من السلف والتكرار؛ لتأبيد المعارف القديمة؛ دون البناء عليها أو تقديم إضافة جديدة. ما يعني أنّهم لا فضل لهم، ما لم يضيفوا جديداً يحاكي الزمان. وكما يقول الطاهر ابن عاشور: "ما كان تعلمهم (يعني السلف) لعلوم أساتذتهم ومتابعتهم لأقوالهم إلا ليجعلوها أصولاً يبنون عليها ما يحدّثونه"، فلماذا "وقف بنا المسير، وضاقت بنا التآليف، واختلطت العلوم، وأصبحنا نتابع ما وجدنا غير شاعرين، ألِحُسنٍ اتبعناه، أم لقُبح نبذناه. وتبدّلت العصور، وتقدّمت العلوم، وطارت الأمم، ونحن قعيدو علومنا وكتبنا، كلّما أحسسنا بنبأة التقدّم والرقيّ وتغيّر الأحوال استمسكنا بقديمنا، وصفدنا أبوابنا. فإنّك لتنظر الرجل وهو ابن القرن الرابع عشر فتُحسّه في معارفه وعلمه وتفكيره من أهل القرن التاسع أو العاشر؛ ممّا هو معلول لوقوف التآليف عند الحدّ الذي تركه الواقفون، فرُزئ الناس فائدة الانتفاع بأخلاقهم وعوائدهم ومكتشفاتهم، وسلبوا شرفَ النفس باعتيادهم التقليد والاستكانة لكلام الغير، واعتقادهم أنّ ما أتى به الأقدمون هو قصارى ما تصل إليه قُدَر البشر. فهم إذن عالة عليهم في العلم، والعبارة، والصور، والاختيار أيضاً". فما بالنا نحن لم نعد نجرؤ على نقدهم، لا بل قدّسنا نصوصهم، حتى صارت؛ بنظر القاصرين فكرياً معصمومة عن الخطل أو الزلل؛ علماً أنّ جهود السلف كلها معرفة، والمعرفة هي بالضرورة علمية ومفاهيمية محكومة بقوانين العقل والمنطق، وتستجيب لتحدّيات وتغييرات الزمان وشروط المكان. ما ينفي عنها الأبدية أو الأزلية، ويجعلها متحركة ومتجدّدة.

إذن من الطبيعي أن يكون أحد أسباب الانحطاط "سلب حرية النقد" والمراجعة؛ لأنّ الاستكانة غلبت، ففترت الهِمَّة وخبت جذوة الجدّ والاجتهاد؛ "حتى إذا وجد الباحثون والدراسون قولين متناقضين أمسكوا عن الترجيح وقالوا: هذا قال، وهذا قال، خصوصاً في علم الفقه. وهذا حال دون نقد الأصول المتلقاة بالقبول من دون غربلة، وأمر بإبقاء الفاسد على فساده، وهو شعبة من شعب الرضا بالموجود الذي هو من أكبر أسباب تأخرنا" حسب ابن عاشور.

 

وهذا ما جعل الـ"كم" يطغى على الـ"كيف"، فتراكم الغثّ فوق السمين، و"كثرت التآليف واتسعت، وتعدّدت النحل، ولم يهتد المسلمون أمام هذا التيار إلى تقييض طائفة من العلماء تختار كتباً من بين تلك الكثرة، فكان من هذه الكثرة، أن ناءت بالقُدر تحملها، ودعت حاجة إلى الأخذ من جميعها، فطفق كلّ أحد يختصر ويزيد وينقص على ما يبدو له، فماذا نشأ عن ذلك؟

نشأت عقد اللسان واستتار المسائل تحت الألفاظ واشتغال المؤلفين عن النقد، والعناية باختزال حرف أو نقص كلمة (...)، فضعفت الأفهام، وتهيأت لشرح تلك المغلقات، وإضاعة بقية الأوقات، والخصومة في معاني الكلمات (...)، فأصبحت لا ترى التآليف إلا مناقشات وخصوماً على الألفاظ والعبارات، وفي ذلك يضيع عمر الطالب ويخور فكره، ويصبح رجلاً قادراً على المكابرة واللجاج بغير حجاج. فماذا بقي للعلماء من مجدهم القديم؟ انحصرت دائرة التآليف في نقل ما قال المتقدمون، ترى تأليفاً يظهر بعد آخر، ولا تجد شيئاً جديداً، أو رأياً أو تمحيصاً".

وهذا ما هو حاصل حتى الوقت الراهن؛ إذ تراكم النقل وتواصل تكرار الموروث من دون غربلة، أو إضافات جديدة، منسجمة مع سنن التطور، ومستجيبة لشروط المعرفة. ما ساعد في اتساع الهوة، وزاد من الخلاف والشقاق في الآراء الفقهية، فتباعدت المذاهب وتنابذت بأسوأ ما تحمل الكراهية من عنف وأحقاد سوداء، فاستقال المفكرون من أدوارهم؛ إما بمجافاة الخطاب الإسلامي، واعتباره أسّ البلاء، وإمّا بالوقوف على الحياد، واللواذ بعتبة السلطان؛ طمعاً بحمايته وتنعماً بغنائمه. وانتهى المطاف بنا إلى هذا الاحتراب والخراب الذي يلفّان معظم البلدان العربية والإسلامية، ليس هذا فحسب، وإنما راح شرر العنف والإرهاب يتطاير في كلّ الاتجاهات. ما أدّى إلى أن يسم بعض الغلاة والعنصرين الإسلام بأبشع الصفات وأرذل السُبَّات.  

يعزو ابن عاشور أسباب العقم في الحلقات الفكرية والبحثية على مستوى التيار الفكري الإسلامي إلى ما سمّاه "الإعجاب بآراء المتقدمين كيف كانت، وتنزيهها عن الخطأ" فانحصر العلم "في نقل واحد عن آخر، وربما وجدت في التآليف نقلَ قولين متجانبين (يقصد أحدها جنب الآخر) وهما متضادان، من غير أن يبحث المؤلف في صحة أحدهما، فإذا بان لهم الخطأ وعسر التصحيح بوجه، تلعثموا وأصلحوا الكلام بكلّ تكلّف، من قلب الحقيقة للمجاز وتقدير المضاف، وجعل الجزئي كلياً، ونحو ذلك". ويقول: إنّ ما تركه السلف من علوم وما أسسوه من قواعد وما وضعوه من أصول فهو من أجل أن يقرأها الطالب ويدرسها؛ "لتخدم فكرَه لا لتستعبد أفكاره، ومتى استأسرت القواعد الأفكار بان خطأ النظر". ذلك أنّه "متى اقتصرنا في تعليماتنا على ما أسّسه لنا سلفنا ووقفنا عند ما حددوا، رجعنا القهقرى؛ لأنّ اقتصارنا على ذلك لا يؤهّلنا إلا للحصول على بعض ما أسّسوه وحفظ ما استنبطوه، فنحن قد غُلبنا بما فاتنا من علومهم ولو قليلاً. أمّا متى جعلنا أصولهم أسساً نرتقي بالبناء عليها فإنّا لا يسؤنا فوات جزء من تعليماتهم؛ متى كنّا قد استفدنا حظاً وافراً قد فاتهم".

ويتجاوز ابن عاشور في تحريضه على تجاوز اجتهادات السلف في الفقه والمقاصد، إلى ما هو أبعد بكثير، حيث يرى أنّ تعظيم وتقديس تفسير الأولين للقرآن الكريم، قيَّد فهم دلالاته وضيَّق معانيه وبياناته، فيقول: "ثمّ أصبح تفسير القرآن تسجيلاً يقيد به فهم القرآن، ويضيَّق به معناه الذي كان السلف يقولون فيه: "إنه لا تنقضي عجائبه ولا تنفد معانيه".

 إذن هذا هو حال الخطاب الإسلامي المعاصر، مكابرة ولجاج بغير حجاج، ولا نسمع منهم إلا قال فلان وقال فلان من الأقدمين. أمّا الجديد الذي يجعلنا شركاء أكفاء في الحضارة المعاصرة، والمساهمة الفاعلة في عمارة الأرض بالخير والجمال، فمازال في طيّ الأماني أو التمنيات.

  تقديم العقل

أما التأكيد الذي ما بعده تأكيد، هو أنّ معالي الشيخ ابن بيه حدّد وجهة التجديد، فأولى العقل مكانة تجعله يتقدّم على النقل، حيث يقول "إنّ مكانة العقل الراجح محفوظةٌ وحقوقُه مصونة، لكن المقاصد تحكم عليه بالذهاب في إجازة ولا تحيله إلى التقاعد، ريثما تختفي المصلحة التي من أجلها تبوّأ القول الضعيف مكانه".  ودعا في ملتقى منتدى تعزيز السلم الأوّل من سماهم "حملة العلم" إلى اجتراح "المنهجية العلمية العملية"، أي الانغماس في فلسفة تأويل الواقع والتوقّع؛ لمجاراة شروط وأحكام المكان الزمان؛ وفق منهجيّة "تحقيق المناط"؛ لأنّ المعرفة الإنسانية تحتاج إلى منهجيّات. وعليه تكون المعرفة الإسلامية الجديدة تحتاج إلى منهجيات علمية جديدة.

وعندما أعلن العزم على تجديد الخطاب الإسلامي في ملتقى المنتدى الثاني طالب الشيخ ابن بيه بإعادة النظر في كلّ الركام التاريخي وغربلة الغثّ من السمين، ومن ثمّ الانفتاح على معارف العصر؛ بما فيها المصالحة مع الفلسفة وعلم المنطق. فدعا في كلمته خلال إطلاق "برنامج إعداد العلماء الإماراتيين" إلى ما سمّاه "فتح آفاق العلوم العقلية كالفلسفة وعلم المنطق والعلوم الإنسانية أمام الطالب لبناء الملكة النقدية عنده". مطالباً بتخريج جيل من العلماء على وزن ابن رشد الحفيد، أو المازري؛ أي فقهاء وفلاسفة وحكماء في كلّ علوم عصرهم؛ بدءاً بالفلسفة والمنطق وصولاً إلى الطبّ والعلوم الرياضية والاجتماعية والتاريخية والأنثربولوجية، وغيرها من المعارف الإنسانية؛ التي تتوالى انفجاراتها بسرعات غير معهودة في تراكم معرفي غير مسبوق، ولم تشهد الحضارة الإنسانية نظيراً له.

وتوّج الشيخ ابن بيه رؤاه؛ بالتركيز على البعد المؤنسن في تجديد الخطاب خلال الملتقيين الثالث والرابع. هذا فضلاً أنّ معاليه يعالج في كلّ ملتقى قضية ملحّة على الوعي الإسلامي والإنساني عموماً، ويقدّم بها ومن خلالها فتوحات معرفية، علمية، علوية غير مسبوقة. هذا بالإضافة إلى جهوده الجبارة، الموازية للمنتدى، مثل إنجاز "إعلان مراكش" التاريخي، و"إطلاق حلف الفضول العالمي للتحالف بين الأديان" كما أسلفنا.

العلماء والتجديد

ولكن هل يُعقل أن يقوم الشيخ ابن بيه في تجديد مجمل الخطاب الإسلامي؛ من دون مساعدة أو مؤازرة تذكر؟ بطبيعة الحال، يمضي الشيخ الهُمام قدماً في حمل الأمانة بهمّة عالية، ولا يبالي البتة في من يأتي أو لا يأتي بجديد، لا بل يمكن القول: إنّ معاليه يمضي على رأس القافلة، ولا ينتظر متلكئ أو متأخّر؛ في ضوء مقولته الذي صدح بها يوم أطلق منتدى تعزيز السلم، وأعلن العزم على إطفاء الحرائق المشتعلة بجسد الأمّة، مؤكداً "أنّ الإطفائي لا يسأل عن أسباب الحريق، وإنّما يعمل على إطفائه". وهي عين دلالة الخطاب، التي كشف مضمراتها؛ بوضوح أكثر بلاغة وبياناً، حينما دعا الجميع من دون مواربة؛ للقيام بالحدّ الأدنى من دورهم، حيث قال: "علينا التأصيل وعليكم التوصيل".

ومع ذلك من حقّنا أن نسأل: أين هم "حملة العلم" أو المفكرون والعلماء، الذين يُفترض أنّهم مبعوثون لتجديد الخطاب؟ هل يقومون بدورهم؛ وفق رؤى ومفاهيم الشيخ المجدّد؟ أين هم أهل القلم؟ أين هم عشيرة العقل؟ هل قاموا بدورهم؟

نميل إلى الاعتقاد أنّ الجميع استقالوا من أدوارهم عجزاً وتقصيراً، وأنّ بعضهم لا يمضي بنور العقل، وإنّما على هدي النقل، وأنّ البعض الآخر يتوارى خلف أوهام صارت مؤبدة في المخيلات التي لم تتصالح مع العقول. وأغلب الظنّ أنّ الشيخ المجدد ليس براض عن منجزات "حملة العلم"؛ حتى على مستوى تصحيح المفاهيم. ولكن أدبه الجمّ يحول دون التعبير عن عدم رضاه، حتى لا نقول أكثر؛ لأنّ حلم فضيلته أكبر من الغضب، وحكمته أسمى وأجل من السخط. وفوق الظن ظنٌ وظن بأنّ الشيخ المجدد مطمئن تماماً أنّ القافلة تمضي وقادرة على ردف الآخرين؛ لعلهم يستفيقون من ثباتهم!

العجب العجاب     

أما العجب العجاب، فعلى المقلب الآخر، أي دعاة الليبرالية والعقلانية أو العلمانية.. ففي مطالع التسعينيات الماضية، أدركني السؤال النهضوي الذي طرحه شكيب أرسلان في ثلاثينيات القرن الماضي: لماذا تخلّف المسلمون، ولماذا تقدّم غيرهم؟

ولم تكن هناك علامة فكرية عربية هادية، تؤشر على طريق الخلاص؛ سوى المرجعيات المنهجية الغربية، التي فشل العقل العربي على مدى قرنين في التفاعل معها، أي هضمها ومن ثمّ البناء عليها؛ بغرض التأسيس لإنتاج معرفة عربية إنسانية، يجري اختبارها في الحقول الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والسياسية؛ من أجل بناء مداميك النهضة العربية خطوة خطوة. ولذلك عندما انشغلت - كما غيري من أبناء جيلي - بالبحث عن إجابة لهذا السؤال الموجع؛ بل الحارق، فلم يكن أمامي سوى الحوار؛ كوسيلة لمراجعة الأفكار والمقولات، التي يدندن بها أهل النخبة على مدى عقود، فالتقيت عشرات المفكرين والكتاب العرب من مختلف أطياف النخب الثقافية، وتحاورت معهم في البداية تحت عنوان: "القطيعة الثقافية بين ضفتي المتوسط"، أي القطيعة الثقافية بيننا وبينهم!. ونُشرت تلك الحوارات حينذاك في مجلة "المشاهد"، التي كانت تصدر عن إذاعة (بي بي سي) العربية في لندن. وعدت إلى الموضوع مرة أخرى قبل بضع سنوات، ونشرت أيضاً عشرات الحوارات المفتوحة في جريدة "الاتحاد" الظبيانية (سوف أنشر هذه الحوارات في كتاب قريباً إن شاء الله). وكان الجميع، يحيلون محنة التخلّف ومشكلة العقل العربي المأزوم إلى تجميد أو تحجر الخطاب الإسلامي المعاصر؛ من دون أن يقدموا وسيلة معرفية أو آداة منهجية؛ للانتقال بالفكر الإسلامي من الجمود والموات إلى الحركة والحياة، لا بل الأسوأ من ذلك، كان البعض يجاهر أنّ لا خلاص لنا من التخلّف مع التديّن، وأنه لا بُدَّ من القطيعة الجذرية مع الدين؛ لأنّ الإسلام يعادي العلم، كما ذهب صادق جلال العظم في كتاب "نقد الفكر الديني" وآخرين، وهو بذلك ومن معه أو لحقه من العلمانيين العرب، إنما كانوا يستعيدون الحوار الذي جرى بين جمال الدين الأفغاني والمستشرق آرنست رينان في نهايات القرن التاسع عشر. واستأنف الحوار مطالع القرن العشرين فرح أنطون وآخرين في مجلة "الجامعة"، فرد عليهم محمد عبده في مجلة "المنار"، وجمع محمد رشيد رضا، ناشر المنار، ردود محمد عبده في كتاب "الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية"، فخبت جذوة الحوار إلى حين؛ إلا أنّه استؤنف مجدداً بعد هزيمة حزيران النكراء ( يونيو عام 1967)، من خلال الماركسيين والقوميين؛ من بوّابة العودة للتراث؛ لمواجهة أسباب الهزيمة، وأحياناً للتغطية عليها، فصدرت عشرات الكتب في حقبة السبعينات الماضية، منها: "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، و"من التراث إلى الثورة" للطيب تيزيني، و"التراث والثورة" لغالي شكري، و"النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" لحسين مروة، و"نظرة جديدة إلى التراث"، و"التراث في ضوء العقل" لمحمد عمارة، و"التراث والتجديد" لحسن حنفي، و"نحن والتراث" لمحمد عابد الجابري وآخرين. وجميع هذه المنجزات فشلت في تشكيل لبنة معرفية جديدة، تنتقل بالفكر العربي من الفشل والإخفاق إلى التأسيس العلمي، الذي يمكن أن يشكّل رافعة موضوعية للنهضة. 

أمّا المحايدين من الليبراليين والعلمانيين، الذين لم يجرؤا على طرح القطيعة مع الدين بوضوح؛ بسبب الخوف من سطوة التيارات التكفيرية، فراحو ينادون بضرورة العودة إلى خلاصة تجربة الحداثة الغربية، ألا وهي "فصل الدين عن الدولة"، أي كما فعلت أوروبا في التخلّص من سطوة اللاهوت القروسطي الظلامي، بمعنى أنهم كانوا يطالبون بإقصاء الدين عن حياة المجتمعات العربية والإسلامية؟

ولكنْ إذا كانت مقولة "إن الإسلام يعادي العلم"، أسقطها محمد عبده؛ دون أن ينفي حقيقة أنّ حَمَلَة الخطاب الإسلامي المعاصرين، هم من يعادون العلم وليس الإسلام، وهو ما جدّد التأكيد عليه ابن عاشور بعد نصف قرن، حيث يقول: "وتأخرنا من سوء البخت، ولا نرى سبباً لذلك إلا اعتقاد كثير منّا أنّ التقدّم في العلوم الدنيوية، ينشأ عنه التأخّر في الدين، والحال أنّ الواقع بالعكس، فإنّ الدين إنّما تقهقر عند تأخر المسلمين في تلك العلوم. أمّا عند تقدّمهم فقد كان له مزيد قوة وتمكّن، كما كان في الدولة البغدادية والأندلسية"... أقول: إذا كانت مقولة "إنّ الإسلام يعادي العلم"، تراجعت أو انزوت قليلاً، ولم يعد أحد من الليبراليين والعلمانيين يجهرون بها صراحة، إلا أنهم تترسوا مرة أخرى وراء مقولة "فصل الدين عن الدولة"، ولا يزالون كذلك إلى اليوم، مع أنّ المقولة لا تحتاج إلى دحض وتفنيد؛ لأنّها متهافتة في الواقع، ولا تحتاج إلى برهان أو دليل، لا بل تفضح عقم النخبة الليبرالية أو العلمانية العربية، وتكشف مدى إصرارها على التسطيح والترديد الببغائي؛ من دون مراجعات أو مساءلات للذات أو المقولات، التي تُفترض أنّها أهمّ ميزة تميّز من يسمون أنفسهم بالفكر العلمي أو العقلاني.

ولَعَمري لم أفهم حتى اليوم، كيف يمكن الفصل بين الموجود بقوة شاخصة أمام العيان قبل الأذهان، وبين الوهم أو ما هو غير موجود في الأصل؛ إلا أن يكون من بنات الخيال؟

فما تدعون إليه يا سادة هو من قُبَيّل الفصل بين الجبل الشاهق والهواء مثلاً؛ لأنّ الدين يمسك في تلاليب المجتمعات العربية والإسلامية بكلاليب فولاذية، بينما الدولة في هذه المجتمعات هي مجرد وهم غير موجود على أرض الواقع، فبالله عليكم قولوا لنا كيف يمكن الفصل بينهما؟

هذا ناهيك أنّ مقولة "الفصل بين الدين والدولة" في الغرب، هي ثمرة سياق متكامل من الحداثة الصناعية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بدأ منذ اكتشاف البارود والطاقة، الذي مهّد لاكتشاف أميركا، وما تعنيه أميركا من ثروات وتحولات في المجتمع والاقتصاد والسياسة؟! وتطوّر المفهوم مع الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر، وتبلوّرت الحاجة له قانونياً وحقوقياً ومؤسساتياً مع إشراقات ثورة الأنوار في فرنسا. وللعلم أنّ فرنسا ألغت الملكية القائمة على الحقّ الإلهي ما بين 1789-1792، وذهب الفرنسيون بذلك حتى إعدام الملك لويس السادس عشر. ما يعني أنّ الدولة في المفهوم المعاصر، هي دولة القانون والمؤسسات والمواطنة الندية وحقوق الإنسان؛ بكل ما تعنيه الحقوق من كرامة وحريّات وعدل ومساواة وفرص متكافئة. أمّا عربياً فالدولة ليس لها من دلالة تؤشر عليها؛ سوى اسمها وعملتها وعلمها وحدودها. فهل هذه هي مواصفات الدولة التي تريدون الفصل بينها وبين الدين كما فعل الغرب؟

لا ريب أنّ الشيخ المجدّد عبد الله بن بيه وضع الجميع أمام مواجهة الذات، إسلاميين وليبراليين وعلمانيين. ومع ذلك إنّ "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" ماض قدماً في حمل الأمانة، وينتظر من أهل القلم و"حملة العلم" أقلّه "التوصيل"، حسبما أراد الشيخ المجدّد.

مرة أخرى، نضع هذه التساؤلات ومع جملة من التحدّيات برسم الجميع؟!


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية