الشيخ المجدّد تصدى للقضايا الدينية والاجتماعية ببعد إنساني مختلف

 

  • عمل على تجديد الخطاب وتجويده شكلاً ومضموناً وإكسابه مقوّمات التكيّف مع العصر
  • حث العلماء على إعادة رسم مقاصد الشريعة حسب حاجات الاجتماع البشري وتطور المعرفة
  • دعا الشيخ المجدّد إلى مقاصد متجددة بتجدد المعرفة ورقي العقل وتطور الاجتماع البشري
  • اشتغل على تجديد الخطاب الإسلامي بما يعزّز المشترك الإنساني بين الثقافات والحضارات
  • منهجه التجديدي من أصول الفقه يستجيب للقضايا البشرية ويلائم المصالح الإنسانية وضرورات الحياة

 

       إذا نظرنا إلى مفهوم التجديد في الإسلام نجد أنه يعني الرجوع إلى الطريق الصحيح والنبع الصافي، وهو المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله (ص)، وإذا كان الخطاب يتكون من ثلاثة مستويات: اللغة، والفكر، والشيء الذي يُشار إليه، فتجديد الخطاب يعني تجديد اللغة عن طريق الانتقال من جانبها الثابت إلى جانبها المتحرك، من الحقيقة إلى المجاز، ومن الظاهر إلى المؤول من أجل تجنب الوقوع في الحرْفية.

 

       من هنا ينطلق الإنتاج المعرفي للشيخ المجدّد عبد الله بن بيه من إشكاليات تجديد مناهج التفكير الشرعي وطرائق الاستنباط، بدءاً بتحديد مفهوم التجديد وموضوعه ومراجعة أدواته حيث يقول "إنّ للتجديد أدواته كما لكل بناء أدوات، وقبل الشروع في البناء علينا أن نخترع الأدوات أو نفحص ما لدينا من أدوات؛ لنرى صلاحها وصلاحيتها، وليس المقصود من هذا التجديد التغير في الوسائل والأساليب المستخدمة في توصيل الخطاب للآخرين، فالأصل في الأساليب والوسائل الجواز ما لم تخالف نصاً وعلى ألا يتوقف عليها قيام فرض، فعندها تندرج تحت قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

       من هنا اقترح الشيخ ابن بيّه أن تنطلق عملية التجديد من "وضع مقدمة لدراسة الظاهرة اللغوية من كل جوانبها ونواحيها وزواياها لاستخراج خباياها" وإرساء سلام عالمي على أساس الاحترام المتبادل بين الأديان، والغاية من تجديد الخطاب هنا هي تجويده شكلاً ومضموناً والارتقاء به نحو الأفضل، وإكسابه مقومات التكيّف مع العصر، من أجل أن يكون أداة لتبليغ الرسالة الإسلامية، ووسيلة لبناء الإنسان الذي يعرف دينه، وينفتح على عصره، ويندمج في محيطه، ويحترم من يخالفه في المعتقد والرأي والموقف وأسلوب الحياة، ويتحاور معه، ولا ينأى بنفسه عنه، أو يتخذ منه عدواً له لمجرد أنه يختلف معه في أمور كثيرة.

       إنّ ّمطلب تجديد الخطاب الديني قديم متجدد، في الماضي كان مطلب الاجتهاد بتغير الزمان، وفي الحديث "يبعث الله على رأس كل مئة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها"، فالتجديد خاصة من خواص هذا الدين، ويقرّ القرآن الكريم كما جاء في الآية الكريمة: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، وقد كان التجديد مسعى أساسياً في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية. ومن هنا أكد الشيخ عبد الله بن بيّه على انفتاح الدين الإسلامي على العالم وليس انغلاقه بمزيد من التحريمات حيث فتح المجال أمام العلماء في كل زمان ومكان لإعادة رسم مقاصد الشريعة حسب حاجات الاجتماع البشري، وتطور المعرفة، والواقع الدولي، انطلاقاً من روح الشريعة، وقواعد التشريع، بشرط التقيد بقواعد أصول الفقه.

       وتأسيساً على هذا المنهج والرؤية الفكرية يعيد طرح مجموعة من الأسئلة التي يرى أنه يتعين على العلماء الإجابة عليها وهي: ما مدى استجابة التشريع للقضايا البشرية المتجددة بالرغم من أنّ نصوصها محدودة ووقائع الحياة غير متناه؟ وما مدى ملاءمة التشريع للمصالح الإنسانية وضرورات الحياة؟ وما هي المكانة الممنوحة للاجتهاد البشري المؤطر بالوحي الإلهي؟

       إنّ التحول الجذري الذي حدث في عالمنا الإسلامي ربطه الشيخ عبد الله بن بيّه بالثورة العلمية التي أدّت إلى تحولات اجتماعية وسياسية لم تعرف البشرية لها مثيلاً، مقترحاً الأسئلة التالية: ماذا نجدد؟ وكيف نجدد؟ وبمَ نجدد ومن؟ حيث يقول: إن "مسيرة الحياة تشهد تغيرات هائلة وتطورات مذهلة من الذرة إلى المجرة، للتمازج بين الأمم والتزاوج بين الثقافات إلى حدّ التأثير في محيط العبادات والتطاول إلى فضاء المعتقدات"، ويلفت الشيخ عبد الله بن بيّه النظر إلى مدى قوة تأثير هذا التحول على النظام الاجتماعي، وإلى خطر المآلات التي قد يقود إليها، بسبب أنّ "الأنظمة الدولية والمواثيق العالمية ونظم المبادلات والمعاملات قد أصبحت جزءًا من النظم المحلية، وتسربت إلى الدساتير التي تعتبر الوثائق المؤسسة فيما أطلق عليه اسم العولمة والعالمية"، وهذا ما جعله يطلق  منهجه التجديدي من أصول الفقه؛ باعتبار ذلك هو المدخل الصحيح  لتجديد الفقه والتفكير، لأنّ التجديد في أصول الفقه "هو بالضرورة تجديد في الفقه ذاته؛ لأنّه هو المستهدف في الأصل والنتيجة المتوخاة" ولأنّ "القضايا الفقهية – التي تمثل للمسلمين المنظومة التعبدية والقانونية التي تحكم النسق السلوكي والمعياري في حياة الفرد والجماعة يجب أن تواكب مسيرة الحياة".
       يدعو الشيخ المجدّد إلى مقاصد متجددة بتجدد المعرفة ورقي العقل، وتطور الاجتماع البشري، كما ينادي بضرورة توظيف عناصر معرفية جديدة لفهم "دلالات الألفاظ"؛ إذ يرى أنّ عملية الفهم تتعلق بموضوع : "دراسة الظاهرة اللغوية في علاقتها بالوحي، وليس ذلك خاصاً بحضارتنا، فموضوع الظاهرة اللغوية شغل الدراسات الغربية في ميدان اللسانيات وبخاصة في الهيرمينوطقيا وهي تفسير النصوص المقدسة، أو ما عبر عنه بول ريكور بأنه: فن تأويل النصوص في سياق مؤلف النصوص ومتلقيها الأوائل".

       واتجه الشيخ ابن بيّه إلى تصحيح الرؤية الخاطئة لكثير من الأمور والقضايا الاجتماعية والدينية، على سبيل المثال دعا إلى تصحيح النظر إلى المرأة: فالمرأة في القرآن الكريم كائن عاقل رشيد، يحسن التصرف في الأمور كلها، فدين الإسلام جعل مكانة الأم تعلو مكانة الأب بثلاث درجات، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات. كما دعا إلى تصحيح النظر إلى الآخر، المختلف مذهبياً أو دينياً، فجنة الله تعالى الواسعة تسع المؤمنين جميعاً، "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". مؤكداً في الخطاب الإسلامي على الانشغال بما يجمع بين الناس وما يعزّز المشترك الديني والمذهبي والأخلاقي والوطني بين أبناء المجتمع الواحد.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية