الاعتراف بكياننا وتأكيد قيمتنا هما أوكسجين الوجود

يناقش تزفيتان تودوروف في كتاب "الحياة المشتركة" موضوع الكائن البشري التواق إلى الاعتراف به، وتصوراً مفاده أن ذاته حتى في العزلة، مصنوعة من العلاقات مع الآخرين. فنحن سعداء لأننا نحب، ونحب لأننا لا نوجد من دون الحب، فسعادتنا تتوقف حصراً على الآخرين، الذين بيدهم أيضا أدوات تدميرها.

     يبدأ تودوروف بالتأكيد على أن ما يعد عالمياً ومكوناً للإنسانية، هو أننا ندخل منذ الولادة في شبكة من علاقات التفاعل الإنساني، وهذا يعني إذًا أننا ندخل إلى العالم الاجتماعي. وما يعد عالمياً كذلك، هو أننا جميعا نتطلع إلى الإحساس بوجودنا. والطرق التي تسمح لنا بالوصول إليه، تتنوع تبعاً للثقافات، والمجموعات الاجتماعية، والأفراد.

وكما أن القدرة على الكلام هي قدرة عالمية وتكوينية للإنسانية، فإن اللغات متنوعة، والنزعة الاجتماعية نزعة عالمية، يقول تودوروف: يمكن للشعور بالوجود أن يكون أثرا لما أسميه الإنجاز والتماس غير الموسَّط مع العالم، وكذلك التعايش مع الآخرين. ويمكن للتعايش أن يأخذ شكل الاعتراف أو التعاون، وشكل المعركة أو الاتحاد. وأخيرا، ليس للاعتراف المعنى نفسه، حين يكون مباشرا أو غير مباشر، مفارقا أو مطابقا، داخليا أو خارجيا. وإذا كانت رغبة السمعة، والشرف، والتفضيل، حتى وإن كانت كلية الحضور، لا تحكم كل حياتنا، إلا إنها تبرز احترام الذات، وليس فقط فكرة التقدير، وهذا تحديداً ما سمح لرسوا لكي يفهم بأنه لا يقوم وجود إنساني من غير النظرة التي يحملها بعضنا إلى بعضنا الآخر.

 

الاعتراف الاجتماعي

من المؤكد أن مسألة الاعتراف الاجتماعي لا تعرض نفسها بالطريقة ذاتها في مجتمع تراتبي (أو تقليدي) وفي مجتمع متساوٍ، وذلك مثل الديمقراطيات الحديثة. ففي الأول، يتطلع الفرد أكثر، كي يحتل مكاناً خصص له مسبقا، فإذا وجد نفسه فيه، فهو يحس بأنه ينتمي إلى نظام، وإذًا فهو يوجد اجتماعياً: إن ابن الفلاح يصبح فلاحاً، وسيمتلك بهذا الإحساس الاعتراف به. ويمكننا القول إذًا إن اعتراف التطابق يهيمن هنا مسبقا، ويختفي هذا المكان المقدر له في المجتمع الديمقراطي، حيث الاختيار هو اختيار محدود نظريا. ولم يعد التطابق مع النظام هو علامة الاعتراف الاجتماعي، ولكن النجاح هو الذي يصبح كذلك، وهذا وضع مثير للسأم. ويعد السباق نحو النجاح جزءا من اعتراف المفارقة والتميز. ومع ذلك، فإن هذا ما لا يجهله المجتمع التقليدي: إنه يأخذ شكل التطلع إلى المجد أو الشرف، اللذين يكرسان السمو الشخصي. وهذا هو الطريق الذي يختاره الأبطال الذين يتطلعون إلى انتباه خاص نحو الاستثمارات التي ينجزونها. ويتحول هذا التطلع الأخير، في المجتمع الحديث، إلى ما يأتي أيضا: إن المقصود الآن هو البحث عن الحظوة. فالنجاح اليوم، يعد قيمة اجتماعية نستعجل الإعلان عنها، ولكن الحظوة لا تثير إحساس الاحترام نفسه الذي يثيره المجد.

يشير هنا تودوروف إلى أن مجتمع المساواة، يوفر الكرامة للجميع بالتساوي. وهذا ما لا يفعله أبدا المجتمع التقليدي الذي لم يتأسس على مفهوم الفرد. وفي النتيجة، فإن المجتمع التقليدي يفضل الاعتراف الاجتماعي، في حين أن المجتمع الحديث يوفر لكل مواطنيه اعترافا سياسيا وقانونيا (للجميع نفس الحقوق، وهذا يتنافر مع نسق الأفضليات ويسوس المجتمعات التراتبية)، ويبرزُ في الوقت نفسه قيمة الحياة الخاصة، والعاطفية، والعائلية. ويبقى أن حاجة الاعتراف تبقى دائما حاجة بالغة القوة.

استراتيجيات الدفاع الاجتماعي

يرى تودوروف أن الاعتراف بكياننا وتأكيد قيمتنا هما أوكسجين الوجود. بما أن كل واحد يصوغ طلباً مشابهاً، فإن من المستحيل تلبيتها جميعاً. والأفراد الآخرون يلتمسونه أيضا، وقد يعني هذا إذًا أنهم مشغولون وأنهم لا يستطيعون إجابتنا. عمليا يصطدم الطلب مع اللامبالاة أو مع الرفض. يبدو أن دوام الطلب لا ينسجم مع التشابه مع البشر. ويُطرح السؤال حينئذ: كيف نسوس الفشل في الاعتراف؟ يوجد، كما أعتقد – تودوروف- طريقة للتصرف أكثر إرضاء من الطرق الأخرى، وهي طريقة تهتم بحاجتنا إلى الآخرين. ولكن توجد أيضا طرق كثيرة أخرى، وهي مألوفة لدينا جميعا، كما أنها تخفي أو ترجئ الحرمان الذي نعانيه، من غير أن تعالجه فعلا، وذلك بإضافة حرمان آخر. وتالياً تستحق أن تُشخّص بوصفها مسكنات ما دام القاموس يقول لنا إنها: "تخفف أعراض مرض ما من غير أن تؤثر في سببه" فهذه وسائل ذات أثر عابر بتعبير تودوروف.

 

مسكنات ضارة

ويرى كل المختصين بالنفس الإنسانية أنفسهم – كما يذكر ذلك تودوروف- مجبرين على أن يدخلوا مفهوما شبيها يناسب مع الحمايات التي نلجأ إليها، حتى وإن لم يكونوا متفقين على الوظيفة الدقيقة التي تضطلع هذه الحمايات بها، والسبب في ذلك أن هؤلاء المختصين لا يقيمون لأنفسهم تمثلاً واحداً لحياتنا النفسية. ففرويد مثلا ينطلق من صورته للإنسان المعزول، ساعياً إلى أن يحظى بأقصى ما يمكن  من الملذات، يستخدم صورة "المسكنات": "إن حياتنا، كما هي مفروضة علينا، جد ثقيلة. وإنها لتنزل بنا الكثير من الآلام، ومن الخيبات، ومن المهمات التي لا تنقضي. ولكي نتحمل حياتنا فإننا لا نستطيع أن نستغني عن المسكنات".

هذه المسكنات في نظر تودوروف تتخفف فورا من ألم حرماننا. ولكن أثرها على المدى الطويل مضر، والسبب أنها لا تعالج جذر المرض، وأن عقلنا اليقظ سيزيل عنها القناع عاجلاً أم آجلاً، ولكن هذا سيترك، مع ذلك، آثارا غير مرغوب فيها.

 

الحصول على الإقرار

   في ذكرياته يصف شاتوبريان بأنه كائن متعلق تماما باعتراف الآخرين، وأنه لا يعرف أن يعطي شيئاً في المقابل. ولقد كان يفكر أن سبب مأساته يكمن ها هنا، "إنه لا يكتب إلا للآخرين، ولا يعيش إلا لنفسه". ومن هنا فإن موهبته لم تجعله سعيدا أبدا. والسبب أن أساس الاكتفاء الذي كان يمكنه أن يتلقاه كان خارجه، وبعيدا عنه، ومجهولاً. يقول تودوروف إن موهبة شاتوبريان هائلة، ولكن أذواق الجمهور متحركة. فإذا كان لا يمكن للاعتراف إلا أن يأتي من المعجبين، فإن الكاتب سيكون محكوماً بالفشل حتما. فشاتوبريان لا يحتاج الآخرين حاجة مطلقة، ولكنه نادرا  ما يهتم بمعرفة ما إذا كان الآخرون، بدورهم، يحتاجون إليه. وهو يعتقد بأنه، إذ يمنح أعماله الأدبية للجمهور، فهو معفي من التبادل الاجتماعي.

   يرى تودوروف أننا نرغب في النجاح ولكننا لا نحظى به، والسبب أننا نكون عاجزين في البداية، وفقراء، وقبيحين، وبطيئين ذهنيا، أو لأننا منحوسون. وإننا لنلجأ حينئذ إلى العنف الذي يندد المجتمع به باسم الجريمة. إن هذا الاعتراف الذي لا أحظى به عن طيب خاطر، سآخذه بالقوة. وهكذا فإن الذي لا يتلقى الاعتراف الضروري، ولا يجد طريقة لكي يواسي نفسه، يستطيع أن يكون مجرماً عنيفاً. ولكنه يستطيع أيضا أن يتجاوز حالته الشخصية، وأن يسأل نفسه إذا كان غياب هذا الاعتراف لا يشمل كل أولئك الذين هم مثله، كل الفقراء، وكل السود، وكل المنبوذين، كما يسأل نفسه إذا لم يكن من الواجب السعي إلى تغيير قواعد اللعبة نفسها عن طريق العنف. وبالتالي فإن هذا يعتبر تعصباً وحقداً على الآخرين، وهو ما يقضي على العيش المشترك والانتماء المشترك.

دوران الدور

   يتساءل تودوروف: ألا توجد أي طريقة لعيش الاعتراف الذي يخرج عن إطار معوِّقات المسكنات؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فماذا تشبه؟

    أعتقد – يقول تودوروف- بأن هذه الطريقة توجد عموما وبشكل كاف، حتى وإن كانت ممارستها ليست دائما ميسورة: يمكن أن يقبل المرء نزعته الاجتماعية الخاصة وذاتية الآخر في الوقت نفسه. وأن يقبل الـ "أنت" بوصفه شبيها ومتمما للـ "أنا" في آن. وقد أستطيع أن أميز هذا النمط مستخدما التعبير "دوران الدور". وتستطيع هذه الصيغة التي تعني اشتقاقا أن على المرء أن ينتظر دوره.

   إن لكل واحد دوره: يأخذ بعضهم هذا التوجيه حرفيا. ولأن كل واحد يطلب الاعتراف من كل إنسان، فإننا نستطيع، بالتناوب، أن نقوم بهذه الخدمة المتبادلة. فأنا أسمعك، ثم أنت تسمعني. ونبدأ اللعبة. ومقصود الكلام هو الشكل الأكثر آلية لدوران الدور. يقول تودوروف: نستطيع أن نلاحظ فيه مظاهر مسكنة تقوم حول أحواض الرمل في الحدائق العامة، حيث تأخذ الأمهات الشابات ذريتهما لكي يبنوا قصورا، وسدودا، وأنفاقا: لكي تستطيعي رواية مغامرات صغيرك، يجب أن تكوني مستعدة لسماع مغامرات طفل الجارة. إنها تروي لي أن طفلها سقط من على السرير، وتورم رأسه، وأنه أوشك على البكاء، وأنه لم يشأ أن يأكل اللحم مساء. وإني لأسمعها بصبر. وهكذا، فإني أمنحها من الاعتراف الذي تطلبه مني. ولأني راكمت بهذا بعض الثقة، فإني أستطيع، ما إن تغلق فمها، حتى أفتح فمي مباشرة: لا أعلق على المغامرات التي سمعتها، إلا بقولي "نعم"، ولكن أنخرط بدوري بقصة توازيها بدقة: ابنتي أنا، من جهتها، كانت البارحة  درجة حرارتها مرتفعة، وهكذا تكون الجارة مرغمة حقاً على سماعي.

وهكذا، يوجد في قاعدة كل حوار، عقد تبادل: إن الكلام الذي أتوجه به إلى الآخر، يشهد في آن على وجودي ويقيم وجوده. ويعترف بانقطاع خطاباتنا وتشابهها في الآن ذاته. لكي أسمع ما يقوله لي، يجب عليَّ أن أصمت، كما سيفعل ذلك بدوره

ويؤكد تودوروف أن دوران الدور، ليس، ترياقاً، إنه يوالف حاجاتنا في الاعتراف مع تعددية الكينونات التي تشكل المجتمع الإنساني. ولكنه جزئي في ذاته وهش. ولذا، فإن الانطلاق من ضرورة التبادل والتقسيم لهوأفضل من كل المسكّنات المستخدمة ضد فشل الاعتراف، لأنه حقيقي أكثر. ومع ذلك، فإن هذا لا يضبط شيئا بشكل نهائي. ولذا، يحتاج دوران الدور، في كل لحظة، إلى إعادة إبداع وإلى إعادة بدء.

لذلك، نجد تودوروف يؤكد على أن العزلة لا تهدد الوجود الإنساني، لأن العزلة في نظره مستحيلة. ولكن تهددها بعض أشكال التواصل السالبة، كما تهددها التمثلات الفردية لهذا الوجود، والتي تجعلنا نعيش وضعا مأساويا. أي الحالات الفردية التي تجري وراء المصالح الخاصة بها فتعكر علينا صفو علاقاتنا الإنسانية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية