التعايش معا .. رؤى تستقرئ المستقبل

   تقول ساداكو وغنا في تقديمها لكتاب "تخيّل التعايش معا" إن العلاقات الممزقة لا يمكنها أن تنتظر، وأن معالجتها من خلال التعايش تتضمن هدفاً نبيلاً وقابلاً للتطبيق. والتعايش يخضع نفسه لاعتبارات قوية. كما أنه يعكس أيضا تقديراً صادقاً لما هو محتمل وضروري فور انتهاء النزاع. ويبقى التحدي الصعب والمعقد هو جلب المعاملة الحسنة والسلام إلى مجتمع يخوض حرباً مع نفسه. فالتعايش فكرة يجب أن تُغرس في كل جهد يبذل من إعادة بناء المجتمعات.

 

بناء التعايش:  لورا كوليتون:

تقدم لورا كوليتون مجموعات من الاقتراحات، ترى لها نفعا وقدرة أكثر في الإسهام بتطوير الاستراتيجيات العالمية المشجعة على التعايش، منها:

أ- حل النزعات وإدارة الصراعات:

في ظل ثقافة دولية حديثة تقدر قيمة حكم القانون، لا يجب أن نبخس من تقدير مدى تأثير القوانين، ولعل الأساس الضروري للتقدم من مجتمع يعاني من الهيمنة العرقية والعنف الجماعي إلى مجتمع أكثر عدلا وإنصافا هو غرس النظام القانوني المحلي في الأفكار العامة للمساواة وحكم القضاء. مثل هذا الجهد يتضمن إعادة بناء النظام القضائي. وكذلك يتضمن تطوير وسائل فعالة لحل النزاعات وإدارة الصراعات.

والهدف الأساسي لذلك هو تشجيع منظور وحقيقة العدالة وحكم القانون، لأن المظهر المتكامل للتعايش هو رؤية ووجود قوانين عادلة وتعاملات سياسية تضمن معالجة متساوية وغير مميزة لأعضاء جميع الأقليات العرقية.

ب- الخدمات الاجتماعية:

يعتبر قطاع الخدمات الاجتماعية من أكثر المنابر ملاءمة وفعالية بالنسبة لمشاريع التعايش. فالحروب، والنزاعات المسلحة، وما يرافقها من فقدان الأمن والتهجير، غالبا ما تشتت تخصيصات الموارد الموضوعة من قبل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية. وفي مثل هذه الأوضاع، يفتقر المواطنون إلى الخدمات الاجتماعية ووسائل الاستجمام العادلة. إذن العديد من المشاريع أوجدت سبلا لتعزيز التعايش ومنها:

التعليم: المدارس متعددة الثقافات، والتي تدرس بلغتين أو ثلاث، وتضم كوادر تعليمية مختلطة، تجمع الطلاب من مختلف الأعراق والأديان معا لتعلم المواضع الجوهرية بينما تقوم في الواقع بجسر الهوة بين المجتمعات التي مزّقتها النزاعات. وهذا المنبر يفتح الباب أمام إقامة اتصالات تؤدي إلى الوعي بالتعايش والتسامح بين الجميع دون استثناء.

الرعاية الصحية: الرعاية الصحية هي حاجة أساسية عالمية. وأمام مثل هذا الهدف، يتم التعاون حتى بين الفئات المتنازعة في سبيل تحسين صحة جميع الجماعات. فقام بعض الأفراد في أحد المجتمعات، وبعد أن أدركوا وجود نقص في صحة الأطفال بإطلاق برنامج "المناعة من أجل السلام" بعد أن طلبت النساء القرويات تحسين ظروف صحة أطفالهن في مناطق الحرب. وقد دفع هذ الطلب نحو إطلاق حملة برنامج "المناعة من أجل السلام". وكان هدف هذا البرنامج هو تأمين بقاء وتنمية وحماية الأطفال عبر البلاد. وتقديم الخدمات الصحية وتحقيق التعاون السلمي والتعايش بين مختلف الفئات التي تؤثر على منفعة الأطفال في مناطق النزاع.

الفنون: بقي الشعر والنثر والفن على مرّ العصور يشكلون مرآة صريحة وسفراء لقضايا السلام، يعملون على فتح الجسور بين الأمم، حتى الأمم التي تقاتل بعضها البعض. إذ يمكن للنثر والشعر والفن أن يؤسسوا دوافع إيديولوجية وعاطفية ونفسية ومعرفية تساعد على رؤية مستقبل قريب للمصالحة. كما يمكنهم أن ينقلوا صور وأهوال الحرب وأجواء الخوف بأكثر الطرق عمقا وفورية وجوهرية.

وفي حقل الموسيقى، تأسست أوسي في أوسي Oci v Oci وهي منظمة بوسنية غير حكومية ترعى فرقة موسيقية متعددة الأديان تتألف من صرب وكروات ومسلمين ويهود وتنشد الألحان الدينية لأربع فئات. مثل هذا المشروع وغيره، كفرق الأوركسترا، وتعليم العزف على الغيتار، تقدم لأعضائها خبرات أدائية غنية ومتنوعة في نفس الوقت الذي تساعدهم فيه على تقدير التقاليد الموسيقية والثقافية والدينية للمجموعات الأخرى.

أما الدراما فقد أثبتت أيضا أنها أداة محفزة للتعايش من خلال عملها كأداة تعبير تجمع بين أعضاء مختلف الفئات باتجاه نشاط خاص ومشترك تعزز فيه التفاهم المتبادل. كذلك، يقدم لعب الأدوار فرصة فريدة للتعريف بالآخرين، مما يسهل التفاهم الأفضل والتراحم، وفي هذا السياق يمكن للدراما أن تستخدم كوسيلة لإحلال الوفاق بين الممثلين. وفي جميع الميادين، تستطيع الفنون أن تسهل التفاهم بشكل أفضل وأن تقدم تعبيرات مفيدة لكل المواضيع.

ولا يمكن كذلك نسيان دور الرياضة ومساهمتها في بناء الجسور، وينطبق الأمر كذلك على التنمية الاقتصادية، لأن توليد الدخل يعتبر المادة الأساسية للنمو الحديث والتقدم، إذ تعتبر المشاريع التي تشجع الأعمال الصغيرة والزراعة أساسية في نهضة المجتمع من النزاع. وتشكل التنمية الاقتصادية مترافقة مع إعادة الإعمار مظهرا أساسيا للتعايش الحقيقي.

من المواجهة إلى التكامل: كارلوس أي سلوزكي:

يقدم سلوزكي الخطوات –المراحل- الهامة المفضية إلى الخروج من النزاع وتحقيق الاندماج المتكامل:

- النزاع: تتضمن هذه المرحلة انخراطاً نشطاً في الأعمال العدائية بهدف تدمير حياة الطرف الآخر أو تدمير رزقه. كل طرف يفترض وينسب سوء النية كرد على أعمال الطرف الآخر. حيث تكون الأعمال العدائية هي الخيار الوحيد.

التعايش: تتميز هذه المرحلة بقدرة الأفراد على التعايش دون أعمال عنف مكشوفة. ولكن تهمين على هذه المرحلة مسلكيات ترمز إلى افتراض سوء النية وراء كل تصرف للطرف الآخر. ويكون الشعار الغالب هو: "نحن مستعدون للقيام بأعمال عدائية عندما يحتاج الأمر لذلك". بمعنى أن مشاعر الحقد والكراهية لا تزال حاضرة في النفس. وبالتالي فرغم ذلك التعايش، فهناك أيضا الحيطة والحذر المصاحبان له.

- بداية التعاون: بينما تحوم افتراضات سوء النية في خلفية المشهد، يبدأ السيناريو بالتحيز عندما تنطلق بعض النشاطات والمشاريع المشتركة مثل المشاركة في زراعة الأراضي الحدودية المتجاورة، أو بناء جسر أو إعادة إعمار سكة حديد عبر خطوط التماس، أو حتى المشاركة في استخدام مياه نهر تقوم النسوة من الطرفين بغسل الثياب فيه. ويكون شعار هذه المرحلة: "الأعمال العدائية أصبحت خياراً وضعناه وراء ظهورنا" وقد يبدأ جو من التضارب والازدواجية بإزالة غيوم الشك، ويهمين هذا الجو على المشاعر فتبدأ الخواطر تصفو وتسود النية الحسنة.

- التعاون: عادة ما يترافق التخطيط للقيام بنشاطات مشتركة (تعاون) مثل تصميم سد من أجل تسهيل عملية الريّ في كلتا المنطقتين، مع نقلة في الافتراض المهيمن باتجاه عزو الأشياء لنية محايدة (قد يكونون أصدقاء لنا ولكنهم لا يتصرفون وكأنهم أعداؤنا، فالمصالح التي يسعون إليها تناسب مصالحنا). إذن فإن وجود صدامات خارجية لم يعد ضروريا، وربما تصبح هذه القوى وكأنها تذكير غير مريح بالماضي العدائي. عند هذه المرحلة، تتم منظمات الإغاثة الطارئة، مثل المفوضية العليا  للاجئين وبرنامج الغذاء العالمي انسحابها من الميدان لكي تستبدل بالاعتماد على الذات. وفي الحقيقة يبدو الشعار الذي يقف وراء هذه المرحلة وكأنه متّجه في تطوره نحو "أن العداء هو ضرر كبير... لكلينا والسلم مرغوب". ويتحرك ميدان العلاقات نحو تفعيل القوانين للشراكة. وتبدو المشاعر المهيمنة وكأنها تنتقل بعيدا عن التضارب ونحو احتمال حدوث التراحم.

تبادل الاعتماد أو الاتكال:

في هذه المرحلة، يغطي تجسد الأهداف المشتركة على ما تبقى من افتراضات سوء النية، في حين يدخل الطرفان في التخطيط المشترك والعمل تجاه الصالح العام. وتعكس الأحاديث المهيمنة في هذه المرحلة إجماعا على "نحن بحاجة إلى بعضنا البعض. إن العداء أحمق". ويتم المحافظة على الطبيعة البنّاءة للعلاقة والإشارة إليها مرات ومرات ضمن عرض نشط لتذكارات شعائرية؛ وقد تشمل المشاع المهيمنة هنا القبول بالماضي وربما غفران الأخطاء السابقة مع بقاء الثقة الحذرة والارتباط المكشوف.

الاندماج والتكامل: في النهاية تصبح جميع التحركات العقلانية مبنية على افتراض متضمن في النية الحسنة المنسوبة إلى أي عمل يقوم به الطرف الآخر. إضافة إلى أنها تصبح على شكل مشاركة نشطة في التخطيط والتحرك نحو الصالح العام. كذلك تدخل استراتيجيات وأنظمة إدارة للصراع ضمن بنية العلاقات بحيث أنه إذا ظهرت هناك أيه عقبات أو مشاكل، وهي تظهر في العادة، يتم إعادة صياغتها نسبة إلى النية الإيجابية لدى الطرف الآخر، إضافة إلى ذلك يتحول كل فريق إلى دعم الفريق الآخر. والروايات المتناقلة هنا ترفع راية "نحن شعب واحد". ولا يعود العداء يدخل في الاعتبار. والمشاعر المهيمنة هنا تصبح التضامن، والثقة المبنية على الصداقة وربما تتطور إلى المحبة. وإذا ما تم تحقيق هذه الخطوة، التي تحصل أحيانا في العلاقات الشخصية الداخلية وتحصل بشكل أقل ندرة في غيرها من نظم العلاقات الكبرى، فإنها تجر وراءها نظاماً تغييرياً ثانياً (نوعيا) في العلاقة.

ويشير سلوزكي في الأخير إلى أن معظم علاقات النزاع يمكن أن نتوقع تحركها عبر هذه الأشكال الستة. وقد تتوقف العملية عند أي مرحلة أو ربما تتراجع باتجاه مراحل أكثر نزاعا إذا لم يتم حثها للسير في الخط المعاكس من خلال الظروف التي تمر بها أو  المصالح المشتركة.

تأملات في التعايش: مايكل إغناتيف

من جهته يرى مايكل أغناتيف أن هناك قضية أخرى تتعلق بالتفكير حول التعايش، وهي العلاقية بين الثقة وبين الزمن. فالصيغة القديمة تقول لنا إن الزمن كفيل بمداواة جميع الجروح. وهذا الأمر يعني أن المجتمعات تحتاج إلى الوقت من أجل تطوير التعايش. وفي الحقيقة فإن العلاقة بين الوقت والتعايش هي علاقة متعارضة ومتعاكسة. "لا تعتمد على الوقت لأنه لن ينفعك". بالتأكيد كلما عاشت المجتمعات مدة أطول في سلام جنبا إلى جنب، كلما زاد احتمال أن تبقى على هذا الحال في المستقبل.

لكن ذلك ليس دائما ايجابياً، إذ يؤكد مايكل في المقابل على أن الزمن لا يبني الثقة لأن الزمن لا يدمل بالضرورة الجروح القديمة، وإن الأهم من الزمن هو الأداء الحقيقي للمؤسسات. وإذا ما تم إجبار الفئات العرقية على التعاون، ولو عكس رغباتها في إدارة المؤسسات الحكومية المشتركة، فإن هذا النمط من التعاون سوف يقود، مع مرور الزمن، إلى ظهور أنماط محدودة وحذرة من الثقة بين الأعراق. الزمن وحده لا يشفي شيئا. ولكن التعاون المؤسسي، والتعلم الذي يستمر عندما تجد الفئات العرقية نفسها وقد أخذت تجني فوائد التعاون يمكن أن يفعلا شيئا أكثر بكثير.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية