كيف نفهم الفكر المنفتح عند الشيخ الأكبر ابن عربي؟

كلمة السر في مجمل تفكير ابن عربي الصوفي، هي نسف الحدود، وتفكيك الجدران الاصطناعية بين المقامات والمنازل والتجليات والمفاهيم والعلوم. ولئن كان إدراك الوحدة وراء التعدد، والهوية وراء الاختلاف، أحد مرامي رياضته الصوفية، فإن استحداث المغايرة والمقابلة، وإثارة الاختلاف، كانت أحد ممارساته المفضلة. فالوحدة التي لا اختلاف فيها، لا يعول عليها، والاختلاف الذي لا يسري في الوحدة؛ عدم في عدم. هكذا يستهل محمد المصباحي كتابه "الفكر المنفتح عند ابن عربي".

 

   أول ما يعلّمنا إياه الشيخ الأكبر ابن عربي، هو ضرورة التخلي عن فكرة الماهية الواحدة المنغلقة على ذاتها، الثابتة في مقوماتها، وبمعيتها التخلي عن فصل الماهية عن أعراضها، وفصل جوهر الشيء عن صوره الحسية. ومثل هذا الفكر، يمنحنا حرية أكبر في قبول الآخر المختلف، والتعايش مع الاختلاف الديني والحضاري.

   كذلك، ينبهنا فكر الشيخ الأكبر إلى أنه لا وجود لمُطلَقات تند عن التقلب والتغير، ولا شيء يند عن الزمن والصيرورة، فكل شيء في حركة دائبة، حتى الجوهر نفسه. فلا يوجد محرك أول في مكان دون مكان، وإنما هو يوجد في كل مكان، وكل محرك يمكن أن يصير متحركا، وهكذا دواليك.        

    ونعتقد أن هذا الانفتاح الشامل على الحركة والزمان، هو الأساس الذي يجب أن ينطلق منه أي حوار بين الثقافات؛ لأن هذا الانفتاح هو الذي يمنح الثقافات شرعية التداول ويضمن لها قابلية الحوار. ما يعني أن فكر ابن عربي كان يؤمن بتكافؤ الأديان والثقافات عموماً؛ لأنها كلها تروم شيئا واحدا، هو صون كرامة الإنسان؛ باعتباره خليفة الله في الأرض. ذلك لأن تكافؤ الثقافات يجعلها قابلة للتبادل في الدلالة، وقابلة للحوار في المضمون.

 

البصيرة ونقد الذات

   إن الإنسان عند ابن عربي ليس إنسانا بعقله وحسب، أي بقدرته على الحصر والتقييد، ولكنه إنسان أيضا ببصيرته التي تمكنه من الإدراك المباشر، ومن قدرته على انتقاد ذاته.. إن الإنسان ليس إنسانا ببرهانه وقدرته على التسمية فقط، وإنما أيضا بخياله وبقدرته على الاستعارة والمحاكاة؛ لأنه لا يمكن أن يعمل إلا بكلتا يديه. إن استعمال العقل أمر ضروري، ولكن ليس العقل بمعناه المركزي، الذي يقود إلى التقوقع على الذات، ولا العقل الذي يقود إلى الاقصاء والصراع والحروب، وإنما العقل المرن، العقل الذي ينصت إلى نبضات القلب، العقل الذي يساير تقلب الواقع؛ بماهياته وأعراضه.

    وفي المقابل، لم تعد الواقعية الحسية هي المعيار الوحيد للوجود، بل إن الوجود أضحى غير منفصل عن الإمكان والخيال. ولما كانت الثقافة هي نمط الوجود الذي يعيش الإنسان بداخله، فإنه من الممكن أن نتصورها عبارة عن مرآة تعكس بعضها البعض الآخر، في تداخل لا ينقطع. ومن ثم لا قيمة لثقافة، ما لم تكن مرآة تعكس باقي الثقافات الأخرى. فمن يعش بصورة واحدة ووقت واحد يتمسك به دون غيره؛ يكن أفقر الناس، ومن تكن له صورة في كل وقت، يكن أغنى الناس. وبالمِثل من يعرّف الإسلام ويحدده في صورة واحدة بعينها لا يبرح عنها، يسيء للإسلام ويؤذِه، لأنه أرحب من أن تحيط به صورة واحدة تقيده.

 

آفة القطعية العمياء

   نتعلم من ابن عربي (حسبما يقول الكاتب) أن الحقيقة لا توجد في مكان دون غيره أو في مبدأ دون غيره؛ لأنها توجد في كل الأمكنة، وفي كل الخطابات؛ بل إنها توجد بين الخطابات المختلفة وبين الأقوال المتعارضة. ولذلك كان طلب الزيادة في العلم معناه طلب الزيادة في الشك والحيرة، إذ كلما امتلأنا حقيقة احتدم شوقنا لطرح المزيد من الأسئلة والمطالب. ومن ثم كان البحث عن نظام نهائي وواحد وثابت للعالم، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة، في حقيقة أمره، بحثا عن الهيمنة والإقصاء إلى الهوامش، والصواب هو أن كل نقطة يمكن اعتبارها مركزا، وكل مركز يمكن اعتباره هامشا. وبهذا النحو من التفكير يمكننا أن نبعد عن أنفسنا آفة القطْعِية العمياء، وفتح باب النسبية والحوار بين الثقافات.

  وعليه، نعتقد أن أنسب أرضية للتوافق بين الحضارات والثقافات هي التي يقدمها لنا فكر ابن عربي، لا سيما وأنه يعلمنا بأننا جميعا نعيش على تخوم الحقيقة، طالما أننا كلنا سواء؛ بالقياس إلى مطلق لا يمكن بلوغه. فلا أولوية ولا مركزية مطلقة، وأي نقطة يمكن اعتبارها مركزا، دون أن تلغي مركزية النقاط الأخرى.

 

ابن عربي والحرية

     كانت مداخل ابن عربي للنظر إلى مسألة الحرية متعددة؛ كمدخل العلاقة (السببية)، أي مدخل الوجود في علاقته بالإمكان والعدم، ومدخل الفرق بين العيني والإضافي، النهائي واللا نهائي. لكن غالبا ما كان ابن عربي ينظر إلى الحرية من جهة الإضافة، أي بوصفها علاقة مع ضدها، العبودية. وتكون هذه العلاقة بين حدّين غير متكافئين، هما الأنا البشري المتناهي والمتميز والمحدد، والحق المطلق واللا متناهٍ واللا متميز واللا محدود؛ لكونهما يندرجان معا تحت نطاق الوجود الممكن، هما الذات البشرية، وباقي الموجودات من الأمثال والأغيار. ويعتقد الكاتب أن العلاقة بين المتناهي واللامتناهي هي التي كانت تعني ابن عربي أكثر من غيرها في تحليله لمفهوم الحرية. مفضلاً النظر إلى الحرية من مستوى الكشف؛ لا من مستوى التغيير، من زاوية الوجدان والانفعال؛ لا من زاوية الفعل والتأثير، من مشارف التعالي والتسامي، لقد كان ينشد إذن حرية روحية، تسعى إلى التخلص من ضروب الحجر الأخلاقي، وفنون الاستبداد والقمع الاجتماعي وألوان الطغيان الثقافي، كانت الحرية لديه فضاء وجوديا يُدرك فيه الإنسان نهائيته، لا إزاء أمثاله وأغياره من الخَلْق، بل حيال الحق.

 

إشكالية الحرية

    إشكالية الحرية عند ابن عربي؛ تأتي من كونه ربط الحرية بالوجود ربطا جوهريا؛ إلى درجة صار مصيرها رهنا بمقدار أو بنوع الوجود، الذي يتمتع به الكائن الذي يُفترض أن يتصف بها. وهذا ما سيُضفي على إشكالية الحرية، كما تصورها الشيخ الأكبر، طابعا إضافيا. ذلك أننا لا نستطيع فهم حقيقة الوجود، الذي للإنسان أو للعالم، إلا من خلال إدراكنا لطبيعة الوجود لله. وبالمثل لا نستطيع استيعاب مقدار ونوع الحرية التي للإنسان؛ إلا عبر إدراك مقدار الحرية التي لله.

وبارتباط مع الوجود، نجد الإشكالية الحرية وجها آخر، هو الوجه الثاني. ذلك أن مقتضيات النظرة البرزخية كانت توجب على ابن عربي، منذ البداية أن ينظر إلى كل من الله والإنسان من زاوية الذات. فقد كان ابن عربي يميز بين الحق الغني عن أي علاقة له بالعالم، والله المضاف إلى العالم في كل آن وحين. ونفس الأمر بالنسبة للإنسان، حيث كان ينظر إليه حينا بوصفه عينا (ذاتا) مستقلة عن المقولات والأعراض الوجودية، وينظر إليه حينا آخر باعتباره عبدا لله أو للعالم، أي بما هو مضاف إلى غيره.

 

الالتباس الدلالي

 

    يرى الكاتب أن صياغتنا لجانب من عناصر الإشكالية الكبرى للحرية على هذا النحو، لا يعني أننا نعتقد أنه كان يقص من الحرية ما كان يفهمه الفلاسفة منها، من حيث المحرك والغاية. فلم تكن غايته الاستراتيجية في القول؛ بيان وتبيين أطروحته حول الحرية والعبودية؛ ضمن بناء منسجم؛ باستعمال الآليات العقلية الصارمة التي تحصر وتُقيّد، وإنما كانت على العكس من ذلك، تستهدف خلق جو من الالتباس الدلالي والتشابه القولي في كل ما تحكيه وتشهده أو تتأمل فيه، سعيا وراء توسيع الدلالة وتكثير مجالات استعمالها، وذلك باستعمال آلة التأويل في أقصى حدودها.

ويظن المصباحي أن دخول العبودية في ذات الإنسان لا تصح على نحو مطلق، وإنما في حال إضافتها إلى الله. أما حين تضاف العبودية إلى الأكوان والأغيار، فإنها تكون خارج الذات الإنسان؛ بعبارة أخرى، الإضافة إلى الله تُفضي إلى العبودية التي لا عتق فيها، بينما تسمح الإضافة إلى العالم بأن يكون الإنسان عبدا وحرا. ويستعمل ابن عربي لتوضيح هذه الوضعية المزدوجة إلى الله والإضافة إلى العالم تمييزا فلسفيا وهو التمييز بين العبد حينما يكون مضافا إلى الله؛ والعبد حينما يكون مضافا إلى الطبيعة؛ أي أن الإنسان في حقيقته ليس عبدا للطبيعة، لكنه عبد لها في أعراضه وحاجاته، أما بالنسبة لله فهو عبد له في حقيقته وأعراضه معا.

وهنا يمكن القول، إن العبودية والتعلق بالله من قِبل الإنسان؛ من شأن ذلك أن ينعكس على سلوك الإنسان؛ كذلك في علاقته مع الآخرين. فالإنسان إذن عبد الله، وله الحرية في علاقته بالأغيار، تلك الحرية الضامنة والحاضنة لقيم التسامح.

 

اشتباكات فكرية

 

    لم يكن من الممكن للشيخ الأكبر أن يفتح باب التسامح والحوار والتلاقح بين الحضارات والثقافات؛ لولا قيامه بعدة اجتهادات فكرية متشابكة، نذكر منها تخليه عن فكرة ثبات الماهية، وعن فصل الجوهر عن الأعراض، مما سمح لها بربط الوجود بالزمن ربطا ذاتيا، وتحطيم فكرة المطلقات غير القابلة للتطور والصيرورة، وهو الطريق الواضح نحو الحوار بين الأديان والثقافات، الذي يعبّر عنه جلال الدين الرومي: كن كالبحر في التسامح، وكالنهر في السخاء وغوث الغير.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية