الإرهاب.. التشخيص والحلول في فكر الشيخ المجدد عبدالله بن بيه

   في الوقت الذي تزايد فيه الحديث عن حوار الحضارات والتقريب بين الأديان والتقريب؛ بغرض بناء جسور المحبة والتسامح، وصناعة غد أجمل للإنسانية، برزت في المقابل ظاهرة العنف والإرهاب التي لا تؤمن بحرمة للدماء أو للإنسان.. في هذا السياق تأتي محاولة الشيخ عبد الله بن بيه؛ لمعالجة الظاهرة من حيث تأصيلها تاريخياً وتعريفها وتشخيصها؛ بالوقوف عند أهم أسبابها، ثم تقديم مقاربة علمية لمواجهة الظاهرة.

 

   لا يختلف اثنان على حقيقة أن الإرهاب لا دين له، فبسببه سالت دماء كثيرة، وضاعت أسر، وتشتت جماعات؛ بل توترت علاقات الدول فيما بينها، فبات بعضها مصدِّراً للإرهاب، والبعض الآخر مستقبلاً له. ما يعني أن موضوع الإرهاب سيظل بحاجة دائمة إلى البحث والدراسة وعقد المؤتمرات والندوات، لعلنا نصل في يوم من الأيام إلى التأثير أكثر في الواقع؛ لإنتاج جيل يؤمن بالإنسانية؛ بغض النظر عن دينه أو طائفته.

   ولعل أبرز من تصدى لظاهرة الإرهاب مبكراً، هو الشيخ المجدد عبدالله بن بيه، رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" في كتابه الموسوم "الإرهاب: التشخيص والحلول"، الذي صدر عام 2004، حيث أكد أن اجتثاث شجرة الإرهاب من عروقها واقتلاعها من جذورها من بستان الأوطان، يستدعي إعمال فؤوس الحكمة في جذوعها، وغرس شجرة التسامح والتصالح في ربوعها. ذلك لأن الفكر الرديء لا يطرده إلا الفكر الجيد. معتبراً أن الإرهاب فتنة ومصيبة شنعاء؛ لأسباب عدة، أهمها:

أولا: أهلكت نفوسا بريئة؛ معصومة بالشرع، ودمرت منشآت محترمة في العالم الإسلامي وخارجه.

ثانيا: لأنها استعدت على العالم الإسلامي، وجيشت عليه جيوشا، أحدثت الدمار، واحتلت الديار، وما كان لها أن تفعل لولا تلك الأعمال المجنونة.

ثالثا: شوهت صورة الإسلام في أعين الناس.

رابعا: أوجدت احتمالا يؤرق الدوائر الغربية والأمنية بصفة عامة؛ من إمكانية حصول الإرهابيين على أسلحة تدميرية. وإذا استعملوها فسيكون الطوفان، وتكون حروب لا يعلم مداها إلا الله، لتدخل الأمة  في أتون دمار.

  ولذلك، كان شجب الإرهاب، والبحث عن سبيل إيقافه عند حده، أمرا لا مناص منه شرعا وعرفاً.

 

تاريخ الإرهاب

   يستهل الشيخ المجدد عبدالله بن بيه كتابه؛ بموجز تاريخي عن سيرة الإرهاب، مبينا أن "استعمال وسائل العنف في حل المشاكل الإنسانية، وفي العلاقات مع الغير، لم يكن حديثا، ولا شيئا مستغربا، في التعامل بين سكان هذه الكرة، بعد قصة ابني آدم.. وأن أقدم جماعة إرهابية عرفها التاريخ المكتوب، هي حركة "الورعاء" اليهودية في القرن الأول للميلاد؛ ممن لجؤا إلى العنف المفرط في مواجهة  الاحتلال الروماني. وقد اشتهروا في التراث اللاتيني المسيحي باسم الورعاء Zelotes في حين أطلق عليهم الرومان اسم "المخنجرين"،  نظرا إلى أنهم كانوا يعتمدون الخنجر وحده في اغتيال ممثلي السلطة الرومانية. وكذلك تصفية أبناء جلدتهم ممن كانوا يعتبرونهم كفارا أو مقصرين بحرف الشريعة التوراتية".

    يلاحظ الشيخ ابن بيه أن الحضارة الإسلامية عرفت بدورها؛ نماذج تؤمن بالعنف، حيث ظهرت في القرن الأول الهجري جماعة "الخوارج"، ثم "فرقة الحشاشين" في القرن الخامس الهجري، والأخيرة "كانت تكون عصابة سرية، يدين أعضاؤها بالطاعة العمياء، للرئيس الروحي، وكانت عادتهم الاغتيال، للتخلص من خصومهم".

    ويخلص الشيخ ابن بيه في عرضه التاريخي، إلى القرن الماضي، حيث "تعاقبت على حمل مشعل إشعال الحروب، وتأجيج زخيخ جمر المعارك، الأفكار القومية مع النازيين في ألمانيا، والفاشيين في ايطاليا واسبانيا (...)، إلا أن وصول مجموعة من اليهود إلى فلسطين، حيث كونت عصابات الهاجانا 1920 وغيرها، قبل إعلان دولة إسرائيل 1946، كان بداية الإرهاب (في المنطقة)، ذهب ضحيته مئات الآلاف من الأبرياء، ولا يزال ينفخ  في كير حرب لا يعلم نهايتها إلا الله".  لافتاً النظر إلى موضوعة حروب التحرير في العالم العربي، حيث كان الروح الإسلامي والنفس القومي، محفزين للمقاومة التي يسميها المستعمرون إرهابا. مؤكداً أن الدفاع عن الوطن ليس إرهابا. ولكن "في أواخر القرن الماضي، ومنذ قيام الخمينية في إيران، أصحبت الحركة الإسلامية الشيعية، في الواجهة في أعمال عنف (...)، وفي الوقت عينه كان الغزو السوفيتي في أفغانستان، يطلق شرارة حرب دينية، كان للمسلمين السنة على مختلف أطيافهم، الدور الأكبر والنصيب الأوفر فيها"، ثم تفجيرات نيويورك عام 2001، واحتلال العراق عام 2003.

 

الإرهاب عابر للثقافات

    توقف الشيخ ابن بيه عند مجلة القضايا الدولية Questions Internationales  التي استعرضت (في عددها يوليوز 2004) بعض الحوادث الإرهابية في التاريخ المعاصر، وتنوع المناطق الجغرافية التي احتضنتها، واختلاف المذاهب والمشارب؛ لمرتكبي الإرهاب. وقتبس بعض الواقعات للدلالة على ما يذهب إليه. من هذه الواقعات:

- 1800: نجاة نابليون بونابرت من محاولة اغتيال بقنبلة قام بها الملكيون.

- 1881: اغتيال القيصر الإسكندر الثاني، من طرق الشباب الفوضويين.

- 1949: اغتيال حسن البنا.

- 1959: ميلاد حركة الباسك "إيتا" في اسبانيا.

-1984: تأسيس حزب الله في لبنان.. والقائمة طويلة.

   ويعلق الشيخ ابن بيه على ذلك بقوله: أردنا من خلال هذا التنوع الذي تصورها هذه القائمة، وهو تنوع جغرافي، وديني، وإيديولوجي، ممتد في الزمان والمكان، أن نوضح أن الإرهاب لا يختص بدين دون آخر، ولا ببقعة دون أخرى، وأن الإسلام لا يجوز أن ننسب إليه إرهاب المرهبين، واعتداء المعتدين، حتى ولو كان بعض المسلمين في لحظة من التاريخ، ودورة من دورات الزمن، انخرطوا في سلك الإرهاب. وفي منظومة الحروب غير الشرعية، فيجب أن لا ننسى أن الغالبية العظمى، لا تعتنق هذا الفكر، وأن المسلمين هم ضحايا الإرهاب، بمختلف أشكاله وصوره.

 

تعريف الإرهاب

   في تعريفه للإرهاب، ينطلق الشيخ ابن بيه من مجموعة آيات قرآنية، حيث وردت كلمة "رهب"، وما اشتق منها من تصريف، في اثني عشر موضعا في القرآن الكريم، ومن هذه الآيات:

- يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. (البقرة - 40).

- قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. (سورة – 116).

- وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ. (الأعراف – 154)

- وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ. (الأنفال-60).

- وَقالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. (النحل -51).

    يؤكد الشيخ ابن بيه أن أكثرهذا الآيات "يتعلق بالخوف والرهبة من الباري تعالى جلت قدرته، إلا أن آية الأنفال المتعلقة بإعداد القوة، لإرهاب العدو، قد توحي بضلال، قد يخالها البعض، ذات صلة بالإرهاب المعاصر، إلا أن الأمر عند التأمل، يدل على خلاف ذلك؛ لأن الإرهاب في آية الأنفال، من قبيل الردع؛ لمنع القتال، وهو ما عرف في العصر الحديث، باستراتيجية التهيؤ بالقوة، لحماية السلام، بالإضافة إلى أنه خطاب موجه إلى الدولة المسلمة، وليس لأفراد ولا لجماعات". وعليه ينبغي تعريف الإرهاب من نبعه الأصلي. ملاحظاً أن "مصطلح الإرهاب Terrorisme ظهر 1798 في ملحق الأكاديمية الفرنسية؛ لوصف حكومة الثورة الفرنسية، التي كانت ترهب الشعب، وبخاصة الملكيين، باسم الحرية والثورة، فكان الإرهاب وصفا لنظام حكم، إلا أنه منذ نهاية القرن الثامن عشر أصبح المصطلح يتعلق بعنف صادر عن أفراد أو جماعات خارج القانون". وقد اعتبر بن بيه أن أول عملية وصفت بالإرهابية في العصور الحديثة، كانت محاولة اغتيال نابليون بونابرت 1800.

ويستعرض الشيخ ابن بيه مجموعة من التعريفات منها:

- تعريف عصبة الأمم المتحدة؛ بأنه "عمل إجرامي، يهدف بطبيعته إلى إثارة الرعب  والخوف، موجه لأشخاص معينين، أو مجموعة من الأشخاص أو العموم".

- تعريف معجم روبير الصغير الفرنسي بأنه " تيار يتخذ الإجراءات الاستثنائية العنيفة، بانتظام، للوصول إلى أهداف سياسية".

- تعريف مؤتمر وزراء الداخلية والعدل العرب؛ بأنه "كل أعمال العنف، أو التهديد، مهما كان سببها، أو هدفها، المنظمة التي تسبب الرعب، والفزع للناس، وتستهدف الممتلكات العامة، أو الخاصة، أو الاستيلاء عليها".

 

حرابة لا محاربة

   وفقاً لتلك التعريفات، يرى الشيخ ابن بيه أن ما يوحي بالعنف أو الإرهاب في القرآن الكريم، يجعله يدخل في باب الحرابة، وبخاصة على مذهب مالك، الذي لا يشترط أن تكون المحاربة مغالبة، لأخذ مال، فقطع الطريق، وتعطيل قدرة الناس على الخروج إلى معايشهم، هو من الحرابة. لكن مع ذلك لا يمكن إغفال النية السياسية؛ لبعض قضايا الإرهاب، فيكون بذلك جريمة بغي، وبخاصة عند مالك، الذي لا يشترط؛ لجريمة البغي أن يكون الباغي جماعة، بل الواحد يكون باغيا، إذا اعتمد طريق العنف، في مواجهة ولي الأمر(السلطة الشرعية)". وفي هذا الإطار ينبه الشيخ ابن بيه إلى مسألة مهمة، وهي قضية المقاومة، فيقول "إن الإشكال الذي كان ولا يزال، يواجه المسؤولين العرب، والشعور المسلم هو: كيف يميز بين جريمة الإرهاب، وبين أعمال المقاومة الوطنية المشروعة، ضد البغي والاحتلال إعمالا لمبدأ الدفاع المشروع؟ وفي رأيي أن التغلب على هذه المعضلة يكمن في الإحالة على الشرعية الدولية والأخلاقية. فالحرب ضد المحتل، تزكيها الشرعية الدولية التي تعترف بوجود حقوق مسلوبة، يجب أن ترد إلى أصحابها". وقد أعطى ابن بيه المثل بفلسطين، فالفلسطيني يستند إلى مشروعية دولية، تعترف له بحقوق يجب أن يحصل عليها.

   ويقترح الشيخ ابن بيه تغيير مصطلح هذه الجريمة على ضوء جريمتي الحرابة والبغي، فيكون الإرهاب عبارة عن "الأعمال العنيفة، التي ترمي إلى التدمير والإفساد وترويع الآمنين؛ بقتل الأبرياء وتدمير المنشآت وترويج المخدرات، وكذلك الأعمال العنيفة، التي تقوم بها العصابات، ضد السلطة الشرعية، لخلق جو عام من العصيان، يشل النشاط العام، ويخيف المدنيين، أو لقلب النظام الشرعي القائم".

    ويلاحظ أن هذا التعريف (الذي يقترحه الشيخ ابن بيه) يستجيب للهموم التي يشعر بها المتعاطف مع الأمن؛ لأن مصطلح التخريب، هو مصطلح واضح، يفهمه المثقف والعامي على السواء. ولذلك يقترح على منظمة المؤتمر الإسلامي (في غياب تعريف دولي لجريمة الإرهاب)، أن تقدم هذا التعريف إلى المنظومة الدولية.

 

أسباب الإرهاب

  يرى الشيخ ابن بيه أن أسباب الإرهاب، بات مجرد تخرصات، وتخمينات كثيرة؛ لكون كل جهة تريد أن تحمله رؤيتها، أو أجندتها الخاصة. معتبرا أن للخلفية الثقافية دورها البارز في تحديد الأسباب. ويذكر مجموعة من الافتراضات: الفقر، انعدام الديمقراطية، عدم حرية المرأة، المناهج التعليمية، بعض المذاهب الإسلامية، الإسلام نفسه، قضية فلسطين، العراق، الصهيونية وأمريكا. ويقول إن "هذه الافتراضات، أو المسارات، المتعددة لظاهرة الإرهاب، تضع أسئلة ذات طبيعة مختلفة، هل الإرهاب قضية اقتصادية؟ أم قضية سياسية، أم قضية ثقافية دينية؟.. فكم من قوم يعيشون في فقر مدقع لم تظهر لديهم هذه الظاهرة. وكم من قوم لم يسمعوا عن شيء اسمه الديمقراطية يعيشون في سكينة، وقل ذلك مسألة المرأة".

ثم يتوقف الشيخ ابن بيه عند دراسة صدرت عن جامعة منتريال - كندا، إذا قررت خمسة أسباب وهي:

1-البواعث الشخصية من الناحية النفسية.

2- إن الديانة هي أحد الأسباب، غالبا ممزوجا بأسباب أخرى، لكن الدين يقوم بدور تأطير للنزاعات؛ بل أحيانا دور مكرس للنزاعات. ولاحظ أنه لا يمكن اعتبار أي ديانة مؤهلة للإرهاب، أكثر من غيرها من الديانات.

3- الأسباب السياسية: العلاقة بين انعدام الديمقراطية، وبين ظاهرة الإرهاب؛ لأن الديمقراطية تسمح بالتعبير عن الاختلاف، في الصحافة الحرة، إلا أنها تهيئ منبرا للإرهابيين، لكنها تسمح للأقليات بالوصول إلى حقوقها.

4- أسباب اقتصادية: قد يكون الفقر سببا مباشرا للإرهاب، لكن عدم المساواة والتمييز ضد الفقراء، وعدم إتاحة الفرص للأقليات، وللمهاجرين، هي التي قد تكون بؤرا للإرهاب.

5- الأسباب الثقافية دون أن تشرح المجموعة هذه الأسباب".

  ولكن الشيخ ابن بيه ركز على في رصد أسباب الإرهاب، ما سماها "ثقافة العنف"، حيث يقول، "ينبغي أن نقرر أولا، أن ثقافة العنف ميدان متسع الأرجاء، مظلم الأركان، والجنبات، فهناك حوافز تقليدية للإجرام، فالسارق يسرق ليكسب مالا، وفي سبيله يعتدي على الأنفس، ومن يعتدي على الأبضاع، لإشباع الشهوات بطرق غير مشروعة". وليس هذا فحسب، بل هناك حوافز عقدية وإيديولوجية، تدفع أصحابها إلى القيام بأعمال عنف، قد تفوق بكثير ما يقوم به اللصوص، الذين يبحثون عن كسب المال الحرام. وتنضوي في تيارات عدة، قومية، ليبرالية غربية، تبارت بالإحياء الديني. فيقول: أن هذه التوجهات الفكرية، عندما تتجاوز حدها، لتكون تيارا حدا، يعبر عن نفسه بالعنف، ويلغي وجود الآخر، يحكم عليها بأنها ضارة، وليست في صالح الإنسان؛ إذ أصحبت تشكل خطرا على المجتمع، تنطبق عليها القاعدة الفقهية التي تقول: الشيء إذا خرج عن حده انقلب على ضده.

  كما انتقد الشيخ ابن بيه الصحوة الدينية الإسلامية، إذ يرى أنه قد انبثقت عنها تيارات متطرفة، تتخذ من التكفير مذهبا، ومن العنف وسيلة. والسبب في ذلك، "إن قلة الفقه في الشريعة، نصوصا ومقاصد وعدم فقه الواقع، أوقعها في متاهات التكفير والتضليل، محاكمة المسلمين، اعتمادا على مرجعية سمحت لنفسها بالحكم، والفتوى، في أخطر القضايا، وهي قضايا الدماء والأموال والأعراض". بالإضافة إلى ذلك يرى أن الإرهاب الحالي في العالم الإسلامي، سببه هو "الفكر المشوه، والثقافة المأزومة، والفهم المغلوط للإسلام". موضحاً، "أن الثقافة المأزومة المشار إليها، تتميز بضيق الأفق، وعدم قبول الاختلاف، والحَرفية في التفسير، وغياب فقه المقاصد، واختلال موازين المصالح والمفاسد، مما نشأ عنه غلو.. تكفير الحاكم، وأحيانا تكفير المجتمع بأسره، مما ينشأ عن هذا الموقف من استباحة الدماء، والأموال".

 

الحلول والمقترحات

   فيما يتعلق بالحلول والمقترحات، يرى بن بيه أن "الحلول متعددة، ويمكن أحيانا التأكيد على بعضها، أو الاعتماد على بعضها حسب طبيعة الإرهاب المستهدف، وتارة تكون استراتيجية المواجهة متعددة الأوجه، طبقا لنوعية الإرهاب، فتستعمل الوسائل الأمنية، والثقافية، والنفسية، والإجراءات السياسية، في خطة متكاملة". معتبرا أنه هنا يكمن الاختبار الحقيقي لذكاء المتعاملين مع  مشكلة الإرهاب، وكفاءتهم وقدرتهم على الاختيار؛ لأن الحلول الشاملة، يجب أن تكون متكاملة، فمنها السياسي، والاقتصادي، ومنها الثقافي والإعلامي، وهي حلول، تزاوج بين الردع والزجر، وبين الإصلاح الاجتماعي والسياسي والثقافي، وبعبارة أخرى، علاج ووقاية".

    يركز الشيخ ابن بيه  في حديثه عن الحلول على الجانب الثقافي، معتبرا أنها المصدر الرئيس للإرهاب. ولكن قبل التفصيل في الموضوع، تحدث عن الجانب السياسي، مقسما ذلك إلى أصناف ثلاثة:

أولا: سياسة في مجال الحكم، والعلاقة بين الحاكم والمحكومة.

ثانيا: سياسة زجرية ردعية، وهي المتعلق بتطبيق العقوبة على المجرم.

ثالثا: سياسة اقتصادية.

   فيما يخص سياسة الحكم، يرى ابن بيه "أن السياسة في الإسلام تقوم على العدل، فالعدل أساس الملك، وهو الدواء، وهو المحافظة على الدماء، والأموال، وايصال الحقوق إلى أهلها. كما يرى بن بيه أن مفهوم العدل اتسع في العصر الحديث، والسبب في ذلك ارتفاع  سقف مطالب الجماهير.

   ثم يفصل نوعا ما في قضية الشورى، معتبرا إياها نظام حياة، يدخل في الحياة الاجتماعية، من خلاياها الأولى، وهي خلية الأسرة إلى الصروح الكبرى في الحكم. معتبرا أيضا  الشورى وسيلة وليست غاية. والانتخاب أحد أشكال آلياتها. كما أنها نظام إلهي بتطبيقات إنسانية، والديمقراطية نظام إنساني بتطبيقات إنسانية". ويرى بن بيه أن الديمقراطية تطرح إشكالات:

الإشكال الأول: علاقة الرسول بالرسالة؟ ذلك أن الإنسان الغربي الذي يحمل الرسالة الإنسانية، لا يعمل بمقتضاها، في علاقاته بالدول المستضعفة، داخل أروقة الأمم المتحدة، وخارجها، حيث تضعف أخلاقيات التعامل، إلى حد عجز الأجهزة الدولية، عن كبح جماح التسلط؛ لبعض الدول الكبرى، ثم إنه داخل هذه الدول نشاهد حقوق الإنسان تخرق.

الإشكال الثاني: ما هو شكل الديمقراطية المطلوبة؟ إن الديمقراطية المرائية في بيئة غير ناضجة، قد تفتح باب الإرهاب على مصراعيه. فما الحل إذا؟ يجيب بن بيه، "وأنا أعتقد جازما، أن قيام سلطة مركزية قوية مستقرة من مقاصد الشريعة؛ لأن فتح باب التغيير الذي لا يتوقف، والرحيل الذي لا يستقر، من شأنه أن يوصل إلى فتن واضطرابات".

 

الزجر الفاعل

   أما فيما يخص مسألة قيام "سياسة ردعية زجرية فاعلة وعادلة"، فينطلق الشيخ ابن بيه من قوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ  ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا  وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. (المائدة -33). معتبرا إياها مرجعية لعقاب المجرم الذي يعتدي على المجتمع. والترتيب في الآية حسب ابن بيه، يسمح للحاكم أن يتعامل مع المجرم بما يسمى بعقوبة التفريد، وفق المصلحة المتوخاة من العقوبة. يواصل بن بيه بقية الآية، وهي قوله تعالى "إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ  فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". (المائدة – 34)، فيرى "أنه تشريع إلهي حكيم، لا يفلت فيه المجرم من العقوبة الصارمة، ولا ييأس فيه التائب من العفو والرحمة. إنه تشريع يرسم للحاكم نفسه خطة التعامل مع الإرهاب، وهي خطة ميزانها العدل وكفتاه الحزم والحلم". كما يرى بن بيه، أن اختراع الوسائل للوصول إلى الحقيقة دون إفراط في التعذيب، من شأنه أن يساعد في تحسين صورة المسلمين، وربما أيضا توبة بعض التائهين.

    أما في جانب "السياسة الاقتصادية"، فيرى الشيخ ابن بيه أنها "يجب أن تعالج الفقر والبطالة، بإيجاد مشروعات على مستويات عدة، وإنعاش سوق الشغل، ورفع مستوى الرواتب. داعياً إلى ضرورة "إصلاح السياسة الاقتصادية الدولية، ومزجها بشيء من المبادئ الخلقية، التي يزكيها العقل، وتدعوا إليها الديانات السماوية. إن ذلك من شأنه أن ينعش الآمال، بمناخات أكثر قابلية للتعايش البشري".

ثقافة التسامح

   في حديثه عن ثقافة التسامح، انطلق الشيخ ابن بيه من مجموعة من التعريفات التي أعطيت لمفهوم الثقافة، باعتبارها مجموعة من النظم الاجتماعية، والمظاهر الفنية، والدينية، والفكرية التي تتميز بها مجموعة، أو مجتمع بالنسبة للآخر. والتسامح هو احترام حرية الآخر وطريقة تفكيره وتصرفاته وآرائه السياسية والدينية. ومن مظاهر التسامح في الإسلام:

- أن الإسلام يعتبر البشر جميعا إخوة.

- اعتراف الاسلام للآخرين بحقوقهم في ممارسة دينهم.

- اعتبار الحوار والإقناع الوسيلة المثلى.

- اعتبار العلاقة مع الآخرين هي المسالمة.

    ويدعو الشيخ ابن بيه إلى ضرورة علاج العنف بالمضادات الحيوية، ويعني بها "ذلك الخطاب  الحي الواعي، الذي يقوم على نبذ العنف وزرع ثقافة السلام والتسامح، وتقديم البدائل أمام الشباب؛ اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ومحاولة صرف جهودهم ونشاطهم في قنوات؛ لصالح المجتمع ولصالح التنمية وجسر العلاقة بين مختلف الفئات، وتجديد الفكر التوفيقي والمنهج الوسطي في النفوس، وحشد جهود الطبقة المثقفة في الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام لذلك". فضلاً عن تفعيل ثقافة الاختلاف؛ إذ "مهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر". وذلك من خلال "ثقافة الحوار". ويقصد بها، "أن يوجد استعداد فكري ونفسي؛ لدى شرائح المجتمع المختلفة؛ للاستماع للآخر، وتبادل الرأي؛ دون عنت ولا حرج. ما يسمح بالتفاهم بين أفراد المجتمع، ويتيح التواصل مع الآخرين".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية