التعاون مطبوع في جيناتنا ويحدث دون صداقة أو تبصر

يمكن للتعاون أن يترافق مع التنافس، كما هو الأمر عندما يتعاون الأولاد فيما بينهم؛ لوضع قواعد أساسية للعبة يتنافسون فيها. ونلمس لدى الكبار بوضوح توليفية شبيهة من التعاون والتنافس في الأسواق الاقتصادية وفي السياسات الانتخابية وفي المفاوضات الدبلوماسية. ويغدو للتعاون قيمة في ذاته؛ سواء في الطقوس المقدسة أو العلمانية، وحتى نكون قريبين من هذا الموضوع. سوف نتوقف مع ريتشارد سينيت من خلال مؤلفه "في مواجهة التعصب: التعاون من أجل البقاء".

   من لا يراقب لا يستطيع التحدث. هذه المقولة الحكيمة تحرّض على روحية "الحوار" وتحمل بين طياتها مهارة الانتباه والاستجابة للآخر؛ بمعنى أن هذه المقولة تطالب بإعطاء انتباه خاص؛ لحصّة الطرف الآخر، المشارك في النقاش.

   وعندما نتحدث عن مهارات التواصل، يرى سينيت أننا نركز عادة على كيفية تقديم مساهمة واضحة، والدفع بما نشعر به أو نعتقده. في الواقع، هناك مهارات مطلوبة في هذه الحالة ولكنها إشهارية. يتطلب الإصغاء الحسن تشكيلة متنوعة من المهارات، من بينها مهارات المتابعة الحثيثة وتأويل ما يقوله الآخر قبل الرد، والبحث عن معنى إيماءاته وفترات صمته وكلماته أيضا. لكن ربما يتعيّن علينا أن نأخذ وقتا للمراقبة؛ كي تصبح المحادثة الناتجة؛ تجربة ذات تبادل أكثر غنىً وتمتاز بتعاون عميق وأبعد حوارية.

تعاون غير مستقر

لقد اعتبر  سينيت أن كلمة "طبيعي" تتساوى مع كلمة "موروث". يمكن ببساطة أن تبدو المساواة قاسية ومتصلبة، فالموروثات تحدد كيف نسلك. بشكل قريب من الحتمية، يقول علم الأعصاب إن طريقة تشبيك الدوائر العصبية لدماغنا تحكم إدراكنا لأنفسنا وللآخرين.

مثل هذه الحتمية تبدو لستيفن بنكر ضيقة جدا: إن "كونك تستطيع النظر إلى المعنى والغاية... كظواهر عصبية- نفسية، لا يعني أنك لا تستطيع النظر إليها بطريقة أخرى، فيما يتعلق بكيفية عيشنا لحياتنا". لكن الحتمية هي علم محدود أيضا لأنه لا وجود لأي شيء في الطبيعة ثابت في صيغته.

إنه من المؤكد أن التعاون مطبوع في جيناتنا وأنه يحصل، كما قال اختصاصي السلوك روبرت اكسيلرود "دون صداقة أو تبصر". إذًا، يبدأ التعاون الطبيعي بواقعة أننا لا نستطيع البقاء أحياء وحيدين. يساعدنا تقسيم العمل على مضاعفة قوانا غير الكافية، ويعطي هذا التقسيم أفضل النتائج عندما يحدث، لأن البيئة ذاتها في عملية تغير مستمر. هنا يطرح السؤال: كيف يمكن تحقيق التوازن بين التعاون والتنافس؟ وإجابة ذلك في نظر سينيت هي التبادل.

 

طيف التبادل

تعني كلمة "تبادل" ببساطة تجزئة العطاء والأخذ عند جميع الحيوانات، وتظهر بفضل إيقاع الحياة الأساسي للتحفيز والاستجابة، وتحصل في الجنس وفي أنظمة الغذاء أو في الصراعات. لقد أصبحت التبادلات حالة واعية وسط الرئيسيات العليا؛ بمعنى أن جميع الرئيسيات تظهر دلائل على أنها تتمعن في ما تعطي وما تأخذ. وأنها تجرب أنواعاً مختلفة للتبادل.

وبحسب سينيت تستخدم التبادلات التي تنخرط فيها جميع الحيوانات الاجتماعية طيفا من سلوكيات الإيثار، وصولا إلى التنافس الشرير. وهذه التبادلات هي:

أ- تبادل إيثاري، ويستلزم التضحية بالذات.

ب- تبادل رابح – رابح، ينتفع منه الطرفان.

ج- تبادل تمايزي، يدرك الطرفان بنتيجته الفروق بينهما.

د- تبادل مجموع صفري، ينتصر أحد الطرفين فيه على حساب الآخر.

ه- تبادل الرابح، يأخذ الكل. في هذا التبادل يقوم الرابح بإلغاء الآخر. عند الحيوانات، يضم هذا الطيف من النملة العاملة التي تقدم جسدها طعاما للنملات الأخريات، وصولا إلى الذئب الذي تكون تبادلاته مع الغنم قاتلة دون شك، وعند الإنسان يتراوح هذا الطيف بين جان دارك وصولا إلى الإبادة الجماعية.

ويتحقق التوازن بين التعاون والتنافس على الوجه الأمثل في منتصف هذا الطيف. في تبادلات رابح – رابح يمكن للتنافس أن يعطي فوائد متبادلة، كما في تبادلات السوق، أو في تحالفات سياسية تهدف إلى الموازنة بين التعاون المتبادل والتنافس. ويمكن للتبادلات التمايزية، سواء حدثت ببساطة عبر تماسّ فيزيائي أو عند رئيسيات مثلنا عبر نقاش وتخاصم، أن ترسم تخوما وحدودا، كما في حالة أراضي الحيوان، أو بين مجموعات المجتمعات المحلية في المدن التي يمكن أن تتزاحم وتتصارع من أجل تحديد مناطقها التي ستحترمها لاحقا.

تجدر الإشارة إلى أن بعض العلماء يميلون إلى التعاطي مع هذه التبادلات كأنها مسألة تكاليف وأرباح (تحت التأثير الضار لعلم المحاسبة الذي تغلغل إلى جميع زوايا الحياة الحديثة). وقد جسّد هذه العادة عالما النفس السلوكي نتالي وجوزيف هينريتش بقولهما إن التعاون يحصل عندما "يتحمل الفرد كلفة تأمين منفعة لشخص آخر أو للناس".

 

الإيثار

تُحشر هذه الكلمة الزاخرة كثيرا من علماء السلوك في وضع غير مريح، وذلك لأن دلالاتها الإنسانية تشير إلى تصرف نبيل وممارسة حرة. إن الحشرة التي تقدم جسدها لتأكله حشرات أخرى تمارس برنامجا جينيا ليس فيه مكان لخيار أخلاقي. كذلك الأمر عند الرئيسيات العليا، عندما تعرّض أنثى القرود نفسها للخطر لحماية نسلها، فإنها تقوم بذلك ليس نبالة، وإنما لحماية جيناتها التي تحملها ذريتها. إن قلق علماء السلوك له معنى – حسب سينيت- حيث يجب أن لا نساوي بين النمل الملتهم لبعضه بعضا، أو بين القرود المضحية بنفسها، وبين جان دارك التي اختارت تقديم حياتها لقضية وليس لضمان استمرارية جيناتها.

يركّز الإيثار الحقيقي على المنح. كان عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس رائدا في دراسة المنح، وكان رائدا في الانخراط السياسي. قارن موس بين روابط قوية يخلقها تقديم هدايا في مجتمعات بدائية وبين النسيج الاجتماعي الضعيف للرأسمالية التنافسية. يمكن أن تبدو هذه المقارنة مضحكة، أو مجرد مقارنة بين عمل خيري وآخر آناني. بالتأكيد ليس المنح عملا خيريا مجردا كما بيّنت مؤرخة أوروبا الحديثة المبكرة نتالي زيمون، حيث وجدت أن وهب الوقت لمشاريع في مجتمعات محلية كان له مردود عملي في تلطيف عداوات دينية خلال القرن السادس عشر والسابع عشر. مع أنه لا يوجد قانون يُلزم الناس قطع هذا الميل الإضافي، بل كان تقديم العطاء هو خيارهم.

وفي الأزمنة الحديثة، رسم عالم الاجتماع البريطاني ريتشارد تيتموس قاعدة عملية مساوية للإيثار، في دراسة على متبرعين بالدم. قارن تيموس بين من يتبرعون بدمهم مجانا وبين من يُدفع لهم مقابل دمهم، ووجد أن من يتبرعون بدمهم مجانا يشعرون برضا كبير لإقدامهم على ذلك، بينما لا يشعر من يبيعون دمهم بأي شيء حول ما يقدمونه. ويشير هنا سينيت إلى العواقب العملية: يقدم المتبرعون مجانا بالإجمال دما يكون احتمال تلوثه أقل، لأن الواهب يهتم بالحالة الصحية لجسده عبر تقديمه هدية منه، في حين أن الشخص المدفوع له مقابل دمه يسجل اسمه ببساطة للحصول على المال، ولا يكترث كثيرا إن كان دمه سليما. فالإيثار إجمالا هو عمل خيريٌّ يقدم للآخر كإنسان وليس من أجل هدف ربحي وقتي كما هو الحال عند البعض.

التبادل الرابح

يرى سينيت أن تبادلات رابح – رابح تشاركية بشكل صريح ، وإن بناء الأعشاش مثال طبيعي نموذجي، فكل عضو من العش يشارك في الجهد ويستفيد من النتيجة.

ويكون السلوك المُنمّط حاسما في هذا التبادل رابح – رابح. إن الحافز الجيني هو الذي يوجِّه الحيوانات في معرفة ما الذي يمكن أن يؤديه بعضها لمنفعة الجميع. يظهر "تقهقر السلوك" في تلك الحالات عندما لا يستطيع الحيوان، أو يرفض، لعب دوره. فعندما مُنعت جرذان في مختبر علمي بناء جحورها المشتركة، على سبيل المثال، تحول قطيع الجرذان إلى عدواني وشرس وعنيف، ونشبت حرب بين بعضها البعض. يشجّع الشكل الطبيعي لـ "نحن ضد – هم" الحيوانات على تبادلات رابح – رابح داخل المجموعة الاجتماعية، ويوحدها التهديد المشترك – وليس وداعتها فيما بينها- لتشكل كتائب.

هناك إغواء يسود وسط بعض علماء السلوك للقول إننا، نحن البشر، لا نختلف في شيء. نحن كذلك ولسنا كذلك. إن سلوك النمط موجود في جيناتنا، لكن الثقافة تضبطه وتحوّله بقوة إلى ممارسة رابح – رابح. المثال البشري الأول رابح – رابح هو الصفقة التجارية، حيث يكسب كل الأطراف. يمكن أن يكونوا قد تنافسوا للوصول إلى هذه النهاية السعيدة،ولكن لا أحد يخرج خالي الوفاض.

ويعتقد سينيت أنه لا يحصل التوازن بين التنافس والتعاون طبيعيا؛ بمعنى كأمر لا مفرّ منه، بل يلزمه الإرادة والجهد، سواء كان ذلك في صفقات تجارية أو في أي مجال آخر من مجالات الحياة. إن توليف التوازن بدقة هو إحدى مهارات التفاوض، وتعتبر هذه المهارة حرفة بحد ذاتها. على سبيل المثال، يتعلم المفاوض الجيد كيف يحرف المواجهة عندما تزداد سخونة الأمور إلى درجة يهدّد أحد الأطراف بترك طاولة الحوار، وهنا لا بد من إتقان طرح حقائق غير مستساغة بطريقة غير مباشرة، بحيث يكون  الخصم أكثر استعدادا لمواجهتها. كلا الصيغتين شائكتان لـ "حساسيتهما" بالنسبة للآخر، وهذا يعني أن سيّد مهارات تفاوض رابح – رابح يتأقلم بالتدريج مع حالات الغموض.

 

دبلوماسية الحياة اليومية

إن الدبلوماسية اليومية حسب سينيت هي طريقة تعاطي البشر فيما بينهم عندما لا يفهم بعضهlبعضا، أو لا علاقة لهم ببعضهم بعضا، أو هم في خلاف مع بعضهم البعض. ليكونوا على قدر هذه التحديات يلجأ البشر ضمن المجتمع، أو العمل أو في الشارع، إلى طرقٍ تماثل طرق صنع الأشياء وإصلاحها في ورشات العمل: يستعملون الحد الأدنى من القوة، ويخلقون فضاءات اجتماعية بإيماءات مشفّرة، وينجزون إصلاحات معقدة تعترف بالتجربة الرضيّة الحاصلة. غالبا ما يُقال إن الابتعاد عن المباشرة هو جوهر الدبلوماسية، ومن المؤكد أن جميع هذه الجهود تعتمد على الإيحاء أكثر من اتباعها لأوامر. لكن الأكثر وضوحا هو لجوء الدبلوماسية اليومية إلى الأسلوب الحواري لتحقيق غاياتها. وبالنتيجة نتوصل إلى إدارة ماهرة للصراع.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية