في دين الفطرة تجتمع الإنسانية بأبهى صورها الكونية

هاجم جان جاك روسو التكلف، وانتصر للبراءة والعفوية المتولدتين من الفطرة الإنسانية، التي جعلها عنواناً لأبرز كتبه ومؤلفاته، وميّز بها ومن خلالها بين إنسان (الطبيعة) كما خلقه الله وبين إنسان (الإنسان)، كما شكله المجتمع؛ حسب أعرافه وتقاليده من خلال التربية والتعليم.

 

   في كتاب "دين الفطرة" يؤكد روسو أن الشعور فينا سابق المعرفة، وأن إقبالنا على الخير وإعراضنا عن الشر ليس بالتعلم، وإنما بعزيمة أودعتها الطبيعة (الفطرة) بداخلنا. فالإقبال على الطيب والابتعاد عن الخبيث، هو طبيعي بقدر حب الذات فينا، وما يصدر عن الضمير ليس استنتاجاً وإنما شعور نحِسّه وهو يستولي علينا، فرغم أن أفكارنا تأتينا من الخارج إلا أن مشاعرنا وضمائرنا تضيف إليها قيمة نابعة من أنفسنا، فنقبل ما يوافقنا منها، ونعرض عن سواه. من هذا المنطلق يراهن روسو على هذه المشاعر الإنسانية، ويعدها جوهر الإنسان السماوي (الإلهي) الذي يكون سعيداً بطبعه، أي بفطرته، على نقيض الإنسان الآخر الأرضي الذي يتخلى عن إرادته، فيبدو شقياً بتقبله أي شيء يصل إليه من محيطه الخارجي. مطالباً إياه بالعودة إلى براءته الأولى التي تزينه بالسلوك القويم، المبني على فضائل الحب والتسامح. جاعلاً في سياق ذلك، القلب أولاً، ثم يأتي العقل تالياً، شريطة ابتعاده عن الجدل العقيم.

 

  التسامح والطبيعة الإنسانية

 

 وإذا كان جون لوك يعتبر فضيلة هذا التسامح هو المعيار للكنيسة الحقة، فإن روسو اعتبر الطبيعة الإنسانية في صورتها الأولى (الفطرة) هي ينابيع التسامح الأنقى، كما اعتبر الضمير هو السلطة الوحيدة المحركة لفضائله الخيرة، متفقاً بذلك مع ابن القيم الذي عَدَّ الضمير مُوَلّدَ هذه الفضائل، وهو الحكم ومبعث الراحة والسعادة للنفس الإنسانية، التي رآها روسو متشابهة عند الكائن البشري؛ أينما كان وحيثما حلّ، وذلك من خلال حواسه التي لا تفارقه، والتي تشعره بوجوده ووجود غيره، وتجعله يميز بين أبناء جنسه وسائر المخلوقات الأخرى الحية وغير الحية التي تعيش في كونٍ؛ حركته منتظمة ومتواترة على نحو متناسق، خاضعة لقوانين قارّة لا تملك الحرية والعفوية التي تبدو ظاهرة في هذه الحركة، التي تميز بين صورة نشاط الإنسان والحيوان والكواكب على اختلافها؛ سواء في مظاهرها الخارجية أو في ملامحها الداخلية السايكولوجية التي يتفرد الإنسان بها وبقواها المتعددة.

 

تعابير مضللة

 

   إننا مازلنا إلى اليوم نجهل تلك الحركة الماثلة في الكواكب والمادة التي بقيت قوانينها، وكيفية التحكم بها غائبة عن مدركاتنا. الأمر الذي يفسر وقوعنا في إطلاق تفسيرات ومسميات ومصطلحات غامضة وغير دقيقة في التعبير عن حركتها ونشاطها الذي يحدث فجأة على نحوٍ غير طبيعي وغير منضبط كما هو الحال في قولنا: غضب الطبيعة، قوة كونية، حركة اضطرارية .. كل هذه التعابير يراها روسو مخاتلة للحقيقة وجوفاء، أضلت إلى حدٍ بعيدٍ الإنسان الأرضي، المنساق بغريزة القطيع الاجتماعي التي ورث عنها مفاهيم ينوس ضوؤها أمام الحقائق الكبرى، التي حين ضل عنها هذا الإنسان الاجتماعي، انزلق عن سمو فطرته المشعة بالمحبة والتسامح إلى الحقد والكراهية واللا تسامح.

 

السلوك الإنساني القويم

 

   لقد حمّل روسو الفلسفة المادية مسؤولية هذا التيه؛ لأنها لا تعير الفضاء الروحي المبني على الفطرة والوجدان والعاطفة، المكانة العميقة واللائقة التي تستحقها، والتي يتحلى بها الإنسان (الإلهي) الذي تفيض فطرته من محبة وتسامح إزاء الآخرين، تجعله أكبر من القياس، فيغدو إنساناً كونياً بعواطفه السامية النبيلة المتواصلة مع الآخر؛ بجوهره النبيل والرحب الممتد به، فيحس أنه أكبر حتى من جسده الذي بات كسجين فيه، وسط هذا الفيض الذي أغدقته عليه أصول طباعه الفطرية، التي يعود الفضل لها بما بثته فيه من روح البراءة والتسامح والتعاون مع الآخرين، فيتابع أخبارهم ويتأسى لأحوالهم؛ بغض النظر عن اختلاف شعائرهم الدينية وتباين مذاهبهم وأصولهم العرقية وأعرافهم وعاداتهم، فيمتلئ داخله جراء هذا التواصل بالطمأنينة والرضى؛ بعد أن علت به فطرته وسما به وجدانه إلى مرتبة عالية الصفاء والنقاء والغبطة.

   وإذا كان كل ذلك ناجم عن صوت الطبيعة (الفطرة) في دواخل الإنسان (الإلهي) كما يصر روسو، فإنه بالمقابل اعتبر الإنسان الآخر، الذي استسلم لما يفد إليه من القطيع الاجتماعي، يفتقد بداخله هذه المرتبة السامية؛ بعدما تعرضت فطرته إلى ما خالطها وأفسد نقاءها؛ لأن مكان الشر حسب رؤيته، كامن خارج الفطرة الإنسانية الضاجة بالخير أبداً؛ باعتبارها من مرادفات الروح، بينما الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق من دون حضور الجسد، الذي سيمضي إلى حيث تمضي به غرائزه المارة بحواسه المتعددة، عبر واقع يتجاور فيه المادي والمعنوي، ويتداخل ويتجاذب الروحي بالجسدي، الذي لا يحس صاحبه إلا بما يمر عبر حواسه، ولا غرابة حينئذ إن غفل عما لا يخضع لهذه الحواس التي ينحصر دورها بما هو مادي أو شبه مادي، فينحسر دور الفطرة التي عوّل عليها روسو في تجسيد السلوك الإنساني القويم.

 

الروح والجسد

 

    حين ينحل الرباط بين الروح والجسد سيحل الموت في هذا الأخير، وسيؤخذ إلى حفرة الغياب والفناء، بينما تظل الروح موجودة في بقائها، فهي حاملة الجسد، (يتفق روسو مع الإمام الشافعي في هذا الأمر)، وفي هذا المفترق يعود كل واحد منهما إلى وضعه الطبيعي، فيمضي الجوهر الفاعل الحي، ويسترد قوته التي كان يحرك بها الجوهر الجامد الميت. لذلك كلما تجاسر الإنسان وانحاز إلى شهواته على نحوٍ غير شرعي، فإنه يعيش الحياة بنصفه الجسدي وحسب، بينما الروح فيه لا تأتيها الحياة إلا حين يتعرض هذا الجسد إلى الفناء، حيث تزول الحواجز وستائر الحواس ويتم جراء ذلك التحرر من الأوهام.

   يحصر روسو بلوغ حقائق هذه المعرفة من خلال المشاعر التي تستمد من الفطرة ضوءها الذي يأخذ بها إلى الصواب ويبعدها عن الزلل؛ طالما بقيت على تركيبها الإلهي الأول الذي انبعثت منه وجاءت عليه، ولم يخالطها التشويه. وبذلك يبين صوابية انحيازه للفطرة التي أودعها الله في الإنسان، وصوابية جعلها منبع الأخلاق السامية التي يجب أن تسود في سائر المعاملات الإنسانية؛ نحو سائر الكائنات والمخلوقات على تعددها واختلافها. معتبراً التسامح والحب تاج هذه الأخلاق السامية. وهو في ذلك يرفض أخذ أسس هذا التسامح وفضائله من فلسفة متعالية، جاعلاً مرجعه الأول والأخير الفطرة ذاتها.

 

التنوير والأنسنة

 

   يبدو أن هذه الرؤية لدى روسو تبلورت بعد انفصاله عن مجموعة من الفلاسفة، الذين كان يعتقد أنه يلتقي معهم في التنوير والأنسنة، إلا أنه وجدهم "معجبون بأنفسهم وبطروحاتهم ، ومتشبثون بمزاعمهم وما استخلصت عقولهم من أفكار وخلاصات حول السلوك الإنساني؛ في حين أن العلم لم يبلغ نتائج حاسمة ونهائية في معرفة البنية النفسية للإنسان على حقيقتها؛ ولم يتأكد إنْ كان كنه تكوينها جمعي أم أنه يقوم على نزعة فردية، وكذلك إن كانت دواخلها تنشأ على البساطة أم التركيب.. كل ذلك رشح عنه تكاثر النظريات الفلسفية التي أُغْرِقت بالتفاصيل والتحاليل الضبابية، ولم تبلغ إلى اليوم مرتبة اليقين. ومع ذلك تتخذ موقف الرفض لأي رأي مخالف لأحكامها وللنتائج التي توصلت إليها". وهو ما أدى ـ كما يرى روسوـ إلى التعصب الذي سيدفعه إلى التساؤل: كيف يمكن لفلسفة متعالية مغترة ومتعصبة؛ لطروحاتها وأحكامها أن تقود الإنسان إلى السموّ وترقى به وتزرع؛ بسلوكه فضيلة التسامح مع الآخر المخالف له؛ بالعقيدة والثقافة ووجهات النظر، وهي لا تتحلى بذلك؛ إلا إذا اعتبرت نطاق التسامح يقتصر على الجانب الديني دون غيره، وهو ليس كذلك؛ لأن من سماته الشمول لجوانب الحياة على تعددها، فيبدأ بالدين والعقائد ويبلغ الجوانب الأخرى الثقافية والاجتماعية والسياسية.

 

 الانحياز للإنسان

 

   يتفق روسو بذلك مع جون لوك، الذي يدعو إلى ترك الحرية لجميع الطوائف في اختيار طريقها إلى السماء، وعبادة ربها وممارسة جوانب حياتها على الأرض؛ بفطرتها الخيرة دون أي إكراه من أية سلطة فردية أو جمعية. ما يعني أن ما قدمه روسو في كتاب "دين الفطرة" يتوافق مع الأديان بصفة عامة. ولقد مارس روسو في هذا الكتاب، التسامح في صورته الدينية والثقافية والفكرية على نحوٍ عملي، لم ينحز من خلاله إلى أي دين؛ بقدر انحيازه للإنسان ولفطرته النقية، التي عليه الإخلاص لها والاستماع إلى صوتها في اختيار المعتقد. كما أنه مضى في تجسيد أفكاره التي آمن بها من بوابة هذا التفاعل مع الآخر، فعرض حقائقه وخلاصاته التي توصل إليها بأسلوب الحوار بين قِسٍّ وتلميذه، كالذي قام به نديم الجسر  في طريقته الحوارية بين الشيخ وتلميذه (حيران) في قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن. وكذلك في كلامه عن دين الظاهر والباطن بدا قريباً من طروحات ابن رشد ومحمد عبده ومحمد إقبال.. إنه التفاعل الثقافي في معادلة التسامح الشمولي الذي استفاد منه الفكر الغربي؛ بتفاعله مع الفكر الإسلامي في أواسط القرن الثامن عشر.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية