الإسلام والنزعة الإنسانية.. كيف نعطي النزعة الإنسانية قوة المعنى

تثير ندرة المؤلفات التي سعت إلى تأصيل النزعة الإنسانية في الثقافة الإسلامية، إشكالية حقيقية، تضاعف من حتمية فتح المجال لمباحث فكرية مخلصة وفاحصة، لا تقتصر على تتبع مصادرها ومنابعها الفكرية والدينية، بل تسعى إلى إحيائها، وتجديد المعرفة بها، باعتبار أن إكسابها قوة المعنى وصلابة المضمون، هو السبيل الأول لترسيخها نزعة فاعلة ومؤثرة في تغيير وتجديد أوضاعنا وأحوالنا على كافة الصعد.

هذا ما يسعى إلى برهنته المفكر زكي الميلاد في كتابه "الإسلام والنزعة الإنسانية.. كيف نعطي النزعة الإنسانية قوة المعنى".

    للنزعة الإنسانية ثلاثة أبعاد أساسية، هي البعد القيمي والأخلاقي، والبعد الحقوقي، والبعد الفكري والفلسفي. ويوضح الكاتب أن البعد الحقوقي والقانوني يستند إلى قاعدة المساواة بين البشر، وأن الإنسان مكرم وله حقوق، فلا ينبغي لها أن تُنتقص أو تُنتهك أو تُسلب أينما كان، وفي أي حال كان. أما البعد الفكري والفلسفي فيستند إلى أن الإنسان صاحب عقل وإرادة، ويرتكز على ضرورة الإيمان بهذا الإنسان، والثقة بعقله وإرادته في تحقيق طموحاته وتطلعاته في هذه الحياة، وفي بناء التقدم والتمدن والعمران على هذه الأرض.

 المجال الإسلامي المعاصر والنزعة الإنسانية

   الكلام الذي يُطرح في النطاق الإسلامي، لماذا لم تتبلور لدينا نزعة إنسانية، وتتحدد بوصفها نسقاً فلسفياً وأخلاقيا في الثقافة الإسلامية، مع ما تحتفظ به هذه الثقافة من ثراء لا يوصف في هذا الشأن، وما يمكن أن تساهم به في إلهام وارتقاء مثل هذه النزعة؟

  يقول الكاتب: من السهولة التعرف إلى مكونات نزعة إنسانية في الثقافة الإسلامية، إذا ما حاولنا استكشاف الرؤية التي جاء بها القرآن الكريم حول الإنسان، وهي الرؤية التي أعلت من قيمته ورفعت منزلته ومكانته، وجعلته خليفة في الأرض. والحاجة إلى هذه النزعة الإنسانية، ليس بقصد التعبير عنها بطريقة دفاعية أو تبريرية، وإنما بقصد أن تتحول إلى نسق أخلاقي وقيمي، تشع منه قيم التسامح والكرامة والمساواة واحترام الإنسان؛ بسبب كينونته الإنسانية؛ بغض النظر عن لونه ولسانه ودينه ومذهبه. وهذا ما يفترض أن تنهض به ثقافات العالم اليوم، لكي تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان بما هو إنسان.

تصنيف ثلاثي

يرى الميلاد أن الكتابات والدراسات التي تناولت النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي، تعد ضئيلة. وعند النظر في هذه الكتابات يمكن تحديدها وتصنيفها في ثلاثة أنماط:

الأول: الكتابات التي انطلقت من موقف الرد على المزاعم والمقولات والنظريات الغربية والاستشراقية، التي تقول إن النزعة الإنسانية لا توجد إلا في الثقافة الأوروبية. وتندرج في هذا الإطار محاولة هشام جعيط في مقالته "النزعة الإنسانية والعقلانية في الإسلام"، التي ذهب فيها إلى أن النزعة الإنسانية موجودة في كل الثقافات؛ بما فيها الإسلام.

الثاني: الكتابات التي انطلقت من جهة التمسك بمفهوم النزعة الإنسانية، كما تُحدد حصريا في النسق الفكري الغربي، وحسب المضامين والمعطيات والمحددات التي تعطى له في ذلك النسق، فيذكر الكاتب محاولتين، الأولى للدكتور محمد أركون، في أطروحته "نزعة الأنسنة في الفكر العربي"، والثانية محاولة الدكتور صادق جلال العظم ضمن كتابه "الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية"، وقد حاول العظم في هذا الكتاب إعطاء النزعة الإنسانية الطابع العلماني، وتصوير أن علاقة الإسلام بالنزعة الإنسانية هي علاقة مع نزعة علمانية، وأن العلمانية هي التي أنتجت وطورت ورسخت المفاهيم والقيم الإنسانية العامة، وأعطتها المغزى الكلي العام، وأصبحت اليوم تمثل المصلحة البشرية المشتركة.

النمط الثالث: الكتابات التي حاولت الكشف عن هذه النزعة من خلال الطرح الإسلامي العام، الذي يقترب من الجوانب والأبعاد الجدلية والإشكالية والاحتجاجية التي ظللت وأحاطت هذه النزعة، من خلال موردين:

 المورد الأول: أن النزعة الإنسانية هي ثاني خصائص الإسلام، فالقرآن أعلن عن وحدة النوع الإنساني، رغم تنوع أعراقه ومنابعه ومواطنه في قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

المورد الثاني: أن حضارتنا قد تميزت بنزعتها الإنسانية بعيداً عن التفرقة والعصبية.

ومن هذه المحاولات أيضاً، هناك من توخى الإضاءة على الجانب الإنساني في دعوات الرسول، من حيث تقرير حقوق الإنسان، أي أنسان.

 القرآن الكريم والنزعة الإنسانية

   يقول الميلاد إن المؤلفات التي تناولت الحديث عن النزعة الإنسانية في القرآن الكريم، تعد قليلة ونادرة في المجالين العربي والإسلامي، ولم ينل هذا الجانب الكثير من الفحص والدراسة. وعليه يرى أن السؤالين اللذين يجب طرحهما عند التطرق إلى هذا الموضوع هما: هل يمكن الحديث عن نزعة إنسانية في القرآن؟ وهل توجد مثل هذه النزعة في كتاب إلهي؟

في إطار الإجابة على هذين التساؤلين، يتوقف الكاتب عند مقالة هشام جعيط "النزعة الإنسانية والعقلانية في الإسلام" التي ضمها لاحقا في كتابه "أزمة الثقافة الإسلامية"، ويعتبرها من أوضح المناقشات التي تناولت هذا الموضوع في المجال الأكاديمي العربي المعاصر. ويختزلها في ثلاث نقاط هي التالية:

أولا: يتساءل جعيط كيف استطاع نص منزَّل مركَّز على الله، إلى مثل هذا الحد؛ أن يؤسس نزعة إنسانية كائنة ما كانت؟ فهذا النص بطبيعته مركز على الله لا على الإنسان. يقول ذلك وهو يعلم أن هذا المفهوم الشائع في الثقافة الدنيوية والحديثة، يعتبر الإنسان قيمة عليا، ويحرره من الرجوع إلى كل ما هو إلهي أو مقدس، أي يتجاوزه ويتعالى عليه، وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يمكن أن يستبعد من الأشكال المختلفة التي اتخذتها النزعة الإنسانية على امتداد التاريخ، ذلك الشكل المتضمن في الأديان الكبرى.

ثانيا: إن القرآن في نظر جعيط وإن كان قد ذهب بعيدا، وأكثر من أي نص مقدس آخر في معرفة الله، فمن الصحيح أيضا أن القرآن حين خاطب العرب أولا وبلسان عربي، إنما كان يصف الله ببعض الصفات المستمدة من أرقى قيم الثقافة العربية، مثل إن الله كريم وحليم، وهذا لا يعني أن الإنسان لم يعد بمقدوره أن يكون كريما وحليما، وأن الله ينفرد وحده بهذه الصفات، بل يعني أنه يمتلكها بامتياز.

ثالثا: يرى جعيط إنه إن كان صحيحا أن كل شيء يرجع إلى الله في الخطاب القرآني، فإن الإنسان يحتل فيه مكانة رفيعة، فهو المختار من الله، ومما له دلالة خاصة أن يخاطب الوحي الأول الإنسان في قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.

  كما اعتبر القرآن أن الإنسان كائن مكرم، وأشار إلى هذه الحقيقة الجلية في قوله تعالى "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا". هذه الآية أصلت لقاعدة أن الأصل في الإنسان الكرامة، وأنها صفة ملازمة للإنسان بما هو إنسان، بغض النظر عن لونه وعرقه، لغته ولسانه، دينه ومذهبه، ولا يجوز سلب هذه الصفة، أو تحقيرها أو الانتقاص منها، فالإنسان إنسان بكرامته، ومن دونها ينتقص الإنسان من إنسانيته، أي إن الإنسان كائن مكرم، ولا يكون إلا بكرامته. والقرآن الكريم في هذه الآية – حسب الميلاد - كان بليغا جدا، حين استعمل وصف بني آدم عند حديثه عن الكرامة، ليؤكد أمرين متلازمين، أن الكرامة هي صفة أصيلة في النوع الإنساني، وأن هذه الصفة تشمل جميع الناس الذي يرجعون في أصلهم الإنساني إلى بني آدم من دون استثناء، وليس هناك صنفاً من البشر خارج الأصل الإنساني المشترك.

 

 الإسلام المعاصر وعلم الجمال

    يقول الكاتب إن الحاجة إلى استعادة الاهتمام بعلم الجمال، تتأكد اليوم نظرا إلى تفشي نزعات الكراهية والتعصب في مجتمعات المسلمين، النزعات التي ظهرت بشكل خطير ومخيف، غيرت من صورة الإنسان المسلم، ناظرا ومنظورا، بتعبير المفكر. ويرى أن هناك من المسلمين، من يظهر الكراهية الشديدة لغيره من المسلمين، الذين يختلفون معه في الجماعة أو المذهب. ويعتبر أن هذه النزعات تتسم بالقبح الشديد، وتصنف سلوكاً قبيحاً يتنافى ويصطدم تماما مع علم الجمال، وفلسفة الجمال، وقيم الجمال، لا بل يقع هذا السلوك على الضد من هذا العلم وفلسفته وقيمه. فيقول، "ليس من الجمال كراهية الآخرين مسلمين وغير مسلمين، وليس من الجمال التعصب في التعامل مع الآخرين، وليس من الجمال بالطبع الرغبة في قتل الآخرين، فهذه المواقف والسلوكيات تقف وراءها كتلة من الأحاسيس والانفعالات والأذواق، لا تتسم أبدا بالجمال أو بالقيم الجمالية، فالأحاسيس الكريهة لا تصدر عنها إلا سلوكيات كريهة، ومن الجمال محبة الآخرين والتلطف معهم بمنطق الحوار والتحاور، "وقولوا للناس حسنا" (سورة البقرة83)، وليس التعامل معهم بمنطق التعصب. ومن الجمال توفير الأمن والسلام وتحقيق التعايش والتواصل مع الناس، وليس الرغبة في قتلهم".

  وفي إطار تأكيد ما يذهب إليه، يذكر الكاتب مراسلات محمد عبده إلى مجلة "المنار"، التي يعرض فيها مشاهداته في جزيرة صقلية الإيطالية سنة 1903، خلال زيارته للمتاحف والمقابر ومواطن الآثار التي تحفظ وتحكي بالصور والتماثيل آثار الغابرين. وفي هذه المراسلات كتب عبده عن هذه الفنون، وعرض رأي الإسلام في التصوير والرسم وصناعة التماثيل. معتبراً "أن حفظ الآثار – الرسوم والتماثيل- هو حفظ للعلم والحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الإبداع فيها".

فروقات جمالية

وقد عبّر المفكر زكي على بقوله: "لا شك أن هذا الموقف يستدعي المساءلة، ويلفت النظر إلى تلك الفروقات الجمالية ما بين صورة المدينة في البلاد العربية، وصورة المدينة في البلاد الأوروبية، الفروقات التي جعلت الشيخ محمد عبده يتنبه إلى الفنون الجميلة وجماليات الفن، ليس في المدينة العربية التي ينتسب إليها، وإنما في مدينة أخرى تنتمي إلى خارج ثقافته ودينه وتاريخه".

   كما توقف الكاتب أيضا، مع نموذج آخر هو مالك بن نبي، الذي تحدث في كتاب "شروط النهضة"، عن الإنسان بوصفه العنصر الأول في بناء الحضارة. وقدم نظرية في هذا الشأن، اعتبر فيها أن التوجيه الثقافي يقوم على أربعة عناصر:

  • عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية.
  • عنصر الجمال لتكوين الذوق العام.
  • منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام.
  • الفن التطبيقي لكل نوع من أنواع المجتمع، أو "الصناعة"، حسب تعبير ابن خلدون.

 وأبرز ابن نبي خصائص العنصر الثاني أو ما سماه "التوجيه الجمالي" مؤكداً على النقاط التالية:

أولا: "لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح خيالا أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه". وترجمة هذا الاعتبار في لغة الاجتماع، "أن الأفكار بصفتها روح الأعمال التي تعبر عنها أو تسير بوحيها، إنما تتولد من الصور المحسوسة الموجودة في الإطار الاجتماعي، التي تنعكس في نفس من يعيش فيه، وهنا تصبح صورا معنوية يصدر عنها تفكيره".

ثانيا: إن الجمال في نظر ابن نبي له أهمية اجتماعية بالغة الدلالة، إذا ما تم عده المنبع الذي تنبع منه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع.

ثالثا: يعتبر ابن نبي أن الإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أي حضارة، فينبغي أن نلاحظه في نفوسنا، وأن نتمثل في شوارعنا وبيوتنا ومقاهينا مسحة الجمال نفسها، التي يرسمها مخرج رواية في منظر سينمائي أو مسرحي. ويجب أن يثيرنا أقل نشاز في الأصوات والروائح والألوان، كما يثيرنا منظر مسرحي سيئ الأداء. وذلك باعتبار أن الجمال هو وجه الوطن في العالم، فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا، ونفرض احترامنا على جيراننا الذين ندين لهم بالاحترام نفسه.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية