الدولة والتعدد الثقافي

يدافع التعدد الثقافي في نسخته الليبرالية، عن سياسة الاعتراف التي تُبنى على أساس الالتزام بحرية الاختيار والاستقلال. ويفرض هذا الالتزام، على وجه التدقيق، الاعتراف بالانتماء الثقافي المتكئ على استدلالات مرتبطة بالاعتراف بالحقوق، التي تختلف بدورها بالنظر إلى الانتماء إلى مجموعات وطنية وطنية مختلفة.

   يمكن التمييز بين العوامل المهيمنة على معايير التعدد الثقافي؛ بناء على ثلاثة استدلالات رئيسة، يتقدمها عنصر المساواة، حيث تعاني المجموعة، التي تشكل أقلية، ظلما ويجب تصحيحه، ويليها عنصر التاريخ، الذي يشير إلى أن الأقلية تستند إلى وجود مطالب بنيت على أساس اجتهادات معينة أو اتفاقات سابقة. أما ثالت الاستدلالات فهي القيمة اللازمة للتنوع الثقافي. هذا ما يقوله باتريك سافيدان في كتاب "الدولة والتعدد الثقافي".

عنصر المساواة

    يوظف الاستدلال الأول، الذي يشير إلى عنصر المساواة؛ للتعبير عن ضرورة التعامل، من باب العدل والإنصاف، مع كل المواطنين على قدم المساواة. ويقتضي مفهوم العدالة التامة الأخذ بعين الاعتبار كل الخصوصيات، وليس فقط تلك التي تميز الثقافة السائدة في المجتمع.

   ويمكن أن يرتبط أيضا الاعتراف بالاختلاف بوجود معاهدات أو اتفاقيات تاريخية تضمن الاستقلال، ولو نسبيا للمجموعة التاريخية المعنية بالأمر. ويختلف هذا الاستدلال عن الأول بالنظر إلى أنه يثير أساسا صعوبات ذات طابع واقعي وقانوني. والاستدلالان معا (في نظر الكاتب) يشتركان في التأكيد على التزام المجموعة التي تشكل أغلبية باحترام الأقلية.

    ويختلف، من هذه الزاوية، الاستدلالان السابقان عن الاستدلال الثالث، الذي يتمثل في الدفاع عن حق الاختلاف؛ بالاستناد إلى التنوع الثقافي على أنه معيار. وعلى هذا الأساس، يحيل الاستدلالان الأولان إلى التزامات المجموعة السائدة بشأن الأقلية، في المقابل يؤكد الاستدلال الثالث على ضرورة اعتداد المجتمع في كليته بالتنوع الثقافي، حيث "يطور التنوع الاجتماعي كيفية الحياة من خلال إغناء تجربتنا" كما يقول روبير فولك. ويضيف باتريك كذلك، المزايا الأخلاقية والفنية والتربوية إلى التنوع الإثنو- ثقافي، ومن وجهة نظر سياسية إلى التعدد الثقافي.

التعدد الثقافي

   تعتبر هذه الاستدلالات الثلاثة هامة، وتختلف درجة ورودهما حسب الظروف. يقول باتريك: يثير الاستدلال الأول فقط اهتمامنا، ويدفعنا إلى معالجة المسألة على مستوى المبادئ باعتباره المستوى الأكثر تميزا وأهمية. وسنتموقع، إذن، على هذا المستوى دون أن ننسى أن نظام التعدد الثقافي مجبر على رفع تحد مزدوج، أن "يرحب بالاختلاف"، كما تعبر عن ذلك صياغة شارل تايلور، مع ضمان العدالة والالتحام الاجتماعي. ولهذا عليه الاستجابة، قبل كل شيء، لمقاييس تسمح بتوقع المخاطر اللازمة.

خطر الأحادية الثقافية

   لقد قدم خورخين هابرماس صياغة مقنعة للأطروحة التي تدعم التعبير عن العلاقة بين الحرية والثقافة، ويفترض بخلاف شارلز تايلور وويل كمليكا أن الحقوق الثقافية تبرر انطلاقا من "ضمان مساواة الحريات الأخلاقية للجميع". ويفرض هذا النوع من الحرية أن يختار كل واحد أهدافه عن طواعية. ولكي يتمتع الفرد بهذه الحرية في اتخاذ القرار ينبغي أن "تمنح له إمكانات فسيحة من التوجهات الأخلاقية، يمكنه من خلالها اختيار أهداف ذات مصداقية، ويتمكن من الوصول إلى غايات محددة.

   ويضيف هابرماس بأن الفرد لا يتمتع فعلا بالمساواة في الحرية الأخلاقية إلا إذا استسلم في إطار اختيار أولوياته، لقوة توجه القيم الأخلاقية التي اختزلها. وتبعا لذلك، فإن قيمة استعمال المساواة في الحرية الأخلاقية يرتبط بضمان الوصول إلى الأصول الثقافية التي ننهل منها، وتمكننا من أن ننتج ونبتكر القيم الضرورية. لقد اعتبر باتريك أن هذا تبرير منهجي للحقوق الثقافية، فهي شرعية، لأنها تعتبر أدوات للحرية. ولا يستنفذ هذا التبرير، في رأيه دلالة الحقوق الثقافية.

سياق اجتماعي

   إن الفرد، إذن، في نظر هابرماس لا يصبح شخصا إلا بالنظر إلى أنه عضو اجتماعي داخل مجموعة ثقافية. وتنبع فردانيته أيضا من الأشكال الاجتماعية التي تأخذ طابعا هاما، لا يتردد هابيرماس في تسميتها بـ "الدستور الثقافي للفكر الإنساني الذي يجسد التبعية الدائمة للفرد بالعلاقات والاتصالات الداخلية بين الأشخاص وبشبكات الاعتراف المتبادل وبالتقاليد. وهذا يفسر لماذا لا يمكن للفرد تطوير ومراجعة أو الحفاظ على ذلك انطلاقا من مبادرة شخصية، وإنما يتم ذلك في سياق اجتماعي بالضرورة".

الحقوق الثقافية

   في نظر باتريك تنحو الفكرة التي تجعل عدم الاعتراف يوازي المس بالحرية والكرامة الإنسانية؛ نحو نوع من الإجماع الذي يرسخ بدوره هذه الفكرة. وتكمن الصعوبة هنا في إيجاد الحل الملائم لهذه القناعة. وقد عمل هابيرماس على تقديم صياغة ملائمة لذلك. فيقول باتريك: ولكننا نلاحظ أنه لم يستخلص من تحليله بأن المجموعات الإثنو- ثقافية يمكن أن تحمل كمجموعات حقوقا ثقافية، "لا تشكل الثقافات في حد ذاتها موضوعا من مواضيع الحقوق، لأنها لا تملك في حد ذاتها شروط الإنتاج المطلوبة، ولا تملك محركات داخلية تمكن من الإنتاج الذاتي، لتبقى بذلك الثقافات فضاء للتأويل. ويؤدي هذا إلى غياب ضمانات تتعلق بالحقوق الثقافية الجماعية مثل استمرار حياة هوية مجموعة ما، وتخليد القاعدة الثقافية لمجموعة ما". ومن ثمة يرى باتريك بأنه يجب أن يمر الحل، عبر الاعتراف بالحقوق الثقافية. ولكن هذا الحل غير كاف بالنسبة للبعض. ذلك أن إعطاء سياسة الهوية الحيز الذي تبرره المبادئ التي تحركها يقتضي أيضا إعطاء الأقلية الحقوق الجماعية التي تتمتع بها أساسا الأغلبية السائدة. ويمتلك في هذه الحالة كل واحد فضاء مؤسساتيا يعبر من خلالها عن هويته الثقافية. وعندما نتموقع في إطار وجهة النظر هذه، فإننا نعمل على زعزعة تمثيل مواطنة أحادية موحدة ثقافية، لنتجه نحو مواطنة مشتتة يكون من آثارها خلق فضاءات استقلال مؤسساتي داخل المجموعة السياسية، ويمكن أن يأخذ هذا الاستقلال شكلا متقدما من الحقوق التي تسمح بالحكم الذاتي أو التمتع بحق الحصانات أو الإعفاءات.

شمولية التسامح

   يرى باتريك أن البعض قد جعل هذا التصور أكثر راديكالية، فهذا، شاندران كوكداس قد التزم بتبرير مشروع مجتمع ليبيرالي من خلال تجميعه لأرخبيل من المجموعات المتمايزة. وفي إطار هذا التصور الليبيرالي، على الدولة وحدها حماية حق حرية التجمع. وينطلق هذا الافتراض من مبدأ أن لكل فرد الحق في الانتماء للأغلبية وأن نقبل بذلك دون تردد في إطار ما أسماه بلهجة التهكم "فوضى التعدد الثقافي" ويسمح لنا هذا بالتسامح مع الكل بمن في ذلك أولئك الذين لا يتسامحون مع التسامح.

تضعنا هذه الرواية حسب باتريك في موقف متناقض: يتعلق الأمر هنا بتطوير دولة أكثر ليبيرالية، وذلك بقولنا، في نفس الوقت، باسم هذه الليبيرالية السياسية والأخلاقية بوجود مجتمع لا علاقة له بالليبيرالية. يعلق باتريك قائلا: سوف لن نعرف ظهور شكل من أشكال التعدد الثقافي، ولكن ظهور "التعدد الطائفي" أو ما تسميه أمرتيا سين "الأحادية الثقافية المتعددة". ويثير هذا الموقف عدة مشاكل أخرى، نذكر من أهمها عودته إلى إعادة استغلال فكرة حياة الدولة. ويمكن أن نعتبر أن إلزام الليبيرالية بـ "احترام" الممارسات وإن كان غير ليبيرالية يفرض على المستوى الأخلاقي إبعادها عن شبهات الحياد".

غياب الضمانات

هذا الموقف في نظر باتريك يضعنا أمام مشكل عملي يعترف به شاندران كوكادس عندما يشير إلى أنه، إذا كان التعدد الثقافي يلتزم بملاءمة التنوع الثقافي والسماح به، عوضاً عن إلغائه أو الحد منه، فإنه ينبغي التمثيل له منطقيا من خلال أرخبيل ليبيرالي بعمل على وصفه. وتكمن أهمية هذا الاقتراح، في رأيه، بتوضيح "أنه لا يوجد نظام حقيقي قادر على خلق هذا الشكل من المجتمعات" وبعبارة أخرى، إذا كان هذا الاقتراح النظري صالحا، فليس لأنه يصف الطريق الممكن، ولكن لأنه يسمح بفهم كل العوائق التي توجد على الطريق التي تؤدي إلى أرخبيل التعدد الثقافي "ويعكس بوضوح القيم الثقافية الخاصة، التي لها دلالة عملية وسياسية دون أن تكون لها، من وجهة نظر التعدد الثقافي، ضمانات نظرية معينة".

يعني هذا في بعض الأوجه، أن استحالة حياد الدولة لا يعني شيئا آخر غير هذا. وفي ظل هذا التأويل فإن أطروحة شاندران كوكادس تستدعينا إلى إعادة النظر فيما يشكل حجرة عثرة على درب التفكير في التعدد الثقافي: كيف يمكننا تحديد المجموعات التي تشكل أقلية حتى نمنحها الحقوق والإعفاءات والامتيازات التي تطالب بها؟ جوابا عن ذلك، يرى باتريك أنه إذا لم يكن هناك أي معيار، وعالجنا المشكل من باب المبادرة الاجتماعية، فقد يؤدي هذا الوضع إلى تمييز اجتماعي، والعبث بحقوق بعض الطبقات الساكنة.

الدوائر الاجتماعية

ويرى هنا باتريك أنه ينبغي أن نعي في إطار وجهة النظر هذه، بأنه لا يوجد مبدئيا منطق يجعلنا نختزل الهوية في الهوية الثقافية. ولذلك ينطلق جورج سيمل، عبر فكرة الدوائر الاجتماعية، من مسلمة تعدد العوامل التي تحدد تكوين الهوية الشخصية. وهل يعني هذا تعميم المنطق الذي تبناه كوكادس على كل المجموعات بالنظر إلى أنواعها وأجناسها ودياناتها ومشاكلها الاجتماعية- الاقتصادية وعوائقها وغيرها؟ وإذا ما افترضنا بتجاوز هذه المشاكل، فيبقى أن هذا الموقف يطرح مشكلا يؤثر على مستوى الحريات الفردية مما يدفع بنا إلى التخلي عنه. وإذا ما قبلنا القيود الأخلاقية التي يفرضها، فإن النموذج لا يتوفر على المقومات الشرعية التي تمكنه من التصدي إلى الخروقات التي ترتبط بحقوق بعض الشرائح.

 من أجل تعدد ثقافي ليبيرالي

يرى باتريك أنه لحل هذه المشكل فقد سعى بعض الكتاب، منهم ويل كيمليكا وشارلز تايلور ودنيال فينشتوك وخاصة ما قام به خورخين هابيرماس في محاولة لتطوير موقف يعكس وضعا متعددا يمنح كل الضمانات على مستوى حماية الحريات الفردية، يقول باتريك: وقد تبنينا، في إطار وجهة النظر هذه – كعنصر استدلالي محوري ينبغي التمسك به- بين الحقوق الذاتية والحقوق الجماعية. وتكمن الفكرة من وراء ذلك أنه لحماية الفرد داخل المجموعة التي تملك حقوقا، ينبغي مواجهة تسلط هذه المجموعة في حرمانه من حقوقه. ولكن هذا الحل يحيط بالمشكل دون حله. وقد لا نرقى إلى مستوى الحقوق الذاتية، وأن نساهم في محو أو تجنب المشكل المرتبط بالمس بالحريات الفردية. وذلك، لأن المشكل يطرح بالنظر إلى الاعتبارات التالية: إما أن نجعل للحقوق الثقافية الذاتية حقيقة واقعية، وسيكون من نتائج ذلك الحق من بعض الحقوق الفردية؛ وإما أن نحسم لصالح احترام مبدأ كل الحقوق الذاتية، وسيكون من آثار ذلك إفراغ الحقوق الثقافية من كل فعالية.

الحقوق الجماعية

هنا، يرى باتريك، بأنه يمكن أن تدرك الحقوق الثقافية في إطار وجهة نظر ديمقراطية، على أنها تجميع للحقوق الذاتية الثقافية. وقد توصل هيبرماس لهذا بطريقة غير مباشرة، ويكتب في هذا السياق: لا تشكل الحقوق الجماعية إشكالا في حد ذاتها. وتمر مرور الطيف الحقوق، مثلا، التي يمنحها الدستور الديمقراطي للجماعات والأديان والجهات أو المؤسسات شبه العمومية، لأن هذا النوع من نقل الاختصاصات يبنى على أساس الحقوق الأساس للمواطنين". تعقيبا على هذا الكلام، يرى باتريك أنه ليست هناك أسباب تجعلنا نفترض بأن الأمر بخلاف ذلك بالنسبة للحقوق التي تسمح لمجموعة ذات هوية من إثبات ذاتها. ويمكن أن نقول بأن هذه الحقوق لا تشكل إشكالية في حد ذاتها بما أنها تؤسس انطلاقا من الحقوق الأساس للمواطنين.

الإخلال بالحياد

ويبقى مع ذلك المشكل قائما يكمن في تبني وجهة النظر هذه، التي تعبر عن التزامها بالتعدد وفرض الاحترام المتبادل تجاه كل الأفراد. وإذا ما قرر أغلب الأفراد تبني مقاييس تهدف ضمان بقاء سمة ثقافية (اللغة مثلا)، فإنهم سيقومون بذلك، وبكل بساطة، انطلاقا من الحقوق الذاتية لكل واحد ينتمي إلى هذه الأغلبية.  ويبقى أن القرار الذي يتخذه هؤلاء ينطبق فيما بعد على المجتمع في كليته. وبعبارة أخرى، تبعا لما فهمه معظم منظري الديمقراطية، فإن ما يصعب إدراكه وحمايته يتمثل في الوضع القائم لهذه الأقلية وفي حقوقها. ويرى باتريك أنه عوضا أن يبنى الحل على أساس التعارض الواضح بين الحقوق الذاتية والحقوق الجماعية، يبدو من الملائم إدراك أنه مع افتراضنا أن الحياد التام غير ممكن التطبيق كيفما كانت الحاجة لنا به، فيبقى مع ذلك الحل الجاثم على كاهل مواطني مجتمع ليبيرالي متعدد الثقافات. ولهذا السبب يرجى أن تكون آثار الإخلال بالحياد أقل ضررا وأخف تحملا بالنسبة للمجموعات التي تشكل أقلية.

شروط الهوية

رغم ذلك، يعترف باتريك أنه يصعب مسايرة هذا الطرح. وقد عبر أنطوني أبيا عن هذه الصعوبة. وقد اعتمد في ذلك على تصور للهوية يدمج دور التقاليد والظروف والسياقات الاجتماعية، ويستخلص أنطوني ثلاثة شروط تكميلية لتكون هناك هوية: يجب أن تتوفر المصطلحات التي تمكن من الإحالة عليها، وأن يوجد بعد ذلك عدد من الأفراد يختزلون هذه المصطلحات ويعتبرونها جزءا من قاموسهم، وأن توازي في الأخير نمط من أنماط الوجود. ويمكن أن يصبح بناء الهوية بهذا الشكل مصدر القيم ويساهم في خلق أشكال التضامن.

وأخيرا، يرى باتريك أن ما نرغب في تحقيقه عقلا، في مجتمع متعدد حيث تتساكن مختلف التصورات عن حياة فضلى، لا يكمن في جعل الرأي الشخصي مسيطرا بشكل تام وكلي، ولكن الأمر يتعلق بتطوير مجتمع لا يسمح بسيادة أية رؤية بشكل يمنع باقي الآراء الأخرى في احترام الحريات الفردية ودون خوف من ممارسة الضغوط.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية