تجريد الفن من النزعة الإنسانية

أن تجريد الفن من النزعة الإنسانية يعتبر تهديماً وتحطيماً لمثالية جمالية قديمة، يؤدي غيابها إلى الابتعاد عن المتلقي العادي للنتاج الفني. هذا مايقوله خوسيه أورتيغا إي غاسيت في كتابه "تجريد الفن من النزعة الإنسانية". مؤكداً أن الفن الجديد لا يعتمد على الفنان، وإنما على المتلقي الذي يتذوقه؛ لينتهي به المطاف إلى إمكانية إعطائه تفسيراً نقياً محضاً. وبذلك تتحقق فكرة الفن الخالص.

     قد يخطر على بال أحدهم أن موضوعاً كهذا هو أمر عقيم، ذلك أن النظر إلى الفن ودراسته من حيث تأثيراته الاجتماعية أشبه بمن ينتزع ورقة الفجل من التراب تاركا ثمرها، أو بمن يدرس الإنسان من حيث ظله. لكن الحقيقة غير ذلك في نظر خوسيه.

لقد اعتبر خوسيه وهو يتحدث عن الفن الجديد، أن هذا الأخير هو فن غير جماهيري، وليس ذلك بمحض الصدفة وإنما بسبب هدفه الجماهيري. يمكننا القول إن كل أسلوب جديد يعاني مرحلة من الحجر الصحي. ولكن افتقار الفن الجديد للجماهيرية له كثير من الملامح المختلفة، وينبغي علينا التمييز بين الفن الجماهيري بجانبيه: جانب مفهوم ومحبب، وجانب آخر منفِّر غامض.

وفي رأي خوسيه أن ما يميز الفن الجديد من وجهة نظر اجتماعية، هو أنه يفصل بين نوعين من الجمهور: أولئك الذين يفهمون هذا الفن، وأولئك الذين لا يفهمونه. وهذا بدوره يدل، ضمنيا، على وجود نوعين مختلفين من الجنس البشري، حيث أن الذين يفهمون هذا الفن يرفضون الفئة الأخرى التي لا تفهمه، وبالعكس.

 

سطوة الأكثرية

هكذا يلاحظ خوسيه أن الفن الجديد، ليس لكل الناس، كما كان الفن الرومانسي، بل هو موجّه إلى أقلية موهوبة على وجه الخصوص. من هنا كان غضب الأكثرية: إننا عندما نكره عملاً أدبياً، ورغم ذلك نفهمه، نشعر بالعلو عليه، ولا نجد ما يثير غضبنا. ولكن عندما يولِّد العمل الفني فينا كرهاً ناتجاً عن عدم فهمه، فإننا نشعر في أعماقنا المعتمة بشيء من الخزي، وبعلو هذا العمل على ذاتنا، التي من خلال تأكيدها الساخط نحاول تعزية أنفسنا أمامها. إن الفن الجديد بتعريفه عن نفسه فقط، يجبر الإنسان البورجوازي الحقيقي على الشعور بنفسه، كإنسان بكل ما للكلمة من معنى، ككينونة قائمة من دون أي سر فني، كضرير وأصم أمام كل جمال محض. غير أن ذلك لا يمكن أن يحدث من دون أن ينال جزاءه عبر مئات السنين من التمجيد الكامل للأكثرية والتعظيم، لما يسمى أكثرية الجماهير. إن الجمهور (الأكثرية) بعادته في التغلغل في كل شيء يشعر بالاستياء والانزعاج حيال "حقوق إنسانيته" التي أثارها الفن الجديد، باعتباره فناً خالصاً بامتياز، فهذا الفن النبيل، الجريء أرستقراطي بالفطرة. وعندما يقدم الفنانون الموهوبون الجدد هذا الفن في أي مكان فإن الأكثرية تقف في وجههم وتمنعهم من تقديمه. فأين الخلل إذًا؟

يرى خوسيه، أنه إذا كان الفن الجديد غير مفهوم من قبل الناس كلهم، هذا بدوره يدل على أن معانيه ليست بعموم الإنسانية. فهو، بالإجمال، ليس فنا لكل الناس، وإنما لفئة خاصة جدا من الناس يمكن أن تكون مساوية للآخرين ولكنها دون أي شك مختلفة عنهم.

غير أننا قبل كل شيء آخر- يقول خوسيه- ينبغي علينا أن نجيب عن بعض الأسئلة: علامَ تطلق أكثرية الناس مصطلح متعة جمالية؟ بماذا تشعر عندما يعجبها عمل فني، مسرحية على سبيل المثال؟

الجواب عن هذه الأسئلة لا يترك مجالاً للشك في أن الناس يُعجبون بعمل ما، عندما يلامس أقدارهم الإنسانية التي يناقشها. الحب، الكراهية، الآلام، سعادة الشخصيات، كل هذا يلامس قلوبهم، يمثّل حيزا منهم كما لو كانت حالات حقيقية من الحياة. إنهم يقولون عن العمل إنه "جيد" عندما يثير العمل كمًّا هائلا من الوهم اللازم، تتساوى فيه الشخصيات الوهمية المتخيلة مع قيمتها كشخصيات حقيقية حية. وفي الشعر الغنائي يبحثون عن شعور الحب أو الكراهية الذي يختلج في نفس الشاعر؛ وفي الرسم تلفت أنظارهم اللوحات التي تحتوي على أشكال رجال ونساء ينزعون نحو متعة العيش معهم؛ لوحات ومناظر تبدو لهم جميلة عندما يكون هذا المنظر الطبيعي أو ذاك مكانا جميلا أو مثيرا يستحق أن يُزار في إحدى الرحلات.

 

بين المبدع والمتلقي

يعني هذا أن المتعة الجمالية لدى الأكثرية ليست فعلا روحانيا مختلفا، من حيث الجوهر، عن الفعل الروحاني الذي، بالمجمل، يتبنونه في بقية حياتهم غير أنه يختلف عنه فقط باحتوائه على خصائص وصفية: وهي أنه ربما أقل نفعية، وأكثر إفراطا ولا تتبعه نتائج شاقة. ولكن في نهاية الأمر فإن الموضوع الذي يتناوله الفن، من حيث أنه يشغل قدرات الأكثرية بما فيها انتباههم، هو نفسه في الحياة اليومية: عواطف وصور إنسانية. إن الأكثرية تطلق اسم فن على مجموعة الوسائل التي من خلالها يمكن الاتصال مع أشياء إنسانية مهمة. فهي بقدر ما تعكس المظاهر الفنية المحضة والمظاهر غير الواقعية والخيالية بقدر ما تتقبلها بحيث لا تعترض تلقيها للصور والتحولات الإنسانية.

يثير هنا خوسيه سلوك الفنانين في القرن التاسع عشر، إذ يرى في قراءته لذلك، أنهم قلّلوا إلى حد أدنى من العناصر الجمالية الواضحة، وشدّدوا على أن يقوم العمل كله تقريبا على تخيل الوقائع الإنسانية. وبهذا المعنى من الضروري القول، بشكل أو بآخر، إن فن القرن الماضي الطبيعي، كان فنا واقعيا. فقد كان بيتهوفن وفاغنر واقعيين. أما بالنسبة إلى الرومانسية والواقعية فإننا حين ننظر إليهما اليوم نكتشف جذرا واقعيا مشتركا. لقد كانت النتاجات الفنية التي تنتمي إلى هذه الطبيعة الواقعية، جزئيا، أعمالا فنية، موضوعات فنية، ولكي يٌستمتع بها لم يكن هناك أي داع للانتباه إلى ما هو خيالي ونقي وهو ما يشكل الحساسية الفنية. يكفي لكي يُستمتع بهذا الفن امتلاك الحساسية الإنسانية، ويكفي أن تُترك الغبطة والمعاناة بحيث ترتدان في الأنفس عاكستين لمشاعر الآخر. ضمن هذا السياق يمكننا فهم حقيقة جماهيرية الفن في القرن التاسع عشر: إنه لتلك الأكثرية المتشابهة التي تنظر إليه على أنه ليس فنا وإنما ملخص حياة.

 

تجريد الفن من نزعته الإنسانية

لقد اعتبر هنا خوسيه أنه بعد البحث عن العلامة المشتركة والخاصة بين النتاجات الجديدة، تظهر النزعة إلى تجريد الفن من الإنسانية. لتوضيح هذه الفكرة، يقول خوسيه إننا عندما نقارن لوحة بالطريقة الجديدة، مع لوحة أخرى من عام 1860، فإننا نتبع الترتيب الأكثر بساطة، نبدأ بمقارنة الأشياء الموجودة في كل لوحة، قد يكون هذا الشيء رجلاً أو منزلاً أو جبلاً... ، سرعان ما نلاحظ أن الفنان الذي يعود في الزمن إلى العام 1860 قد نوى قبل أي شيء، على أن تحتوي الأشياء في لوحته نفس المظهر والأسلوب خارجها، أي عندما تكون جزءاً من الواقع الإنساني الذي نعيشه. ومن الممكن أيضا، إضافة إلى ذلك، أن يكون قد عزم على إيجاد بعض التعقيدات الجمالية، ولكن الأمر المهم يبقى ملاحظة أنه بدأ مؤكدا على هذا التشابه. رجل، امرأة أو جبل، هم مباشرة معروفون: هم أصدقاؤنا القدامى المعتادون. بالمقابل، إن معرفة الأشياء في اللوحة الجديدة، ستكلفنا جهدا شاقا، بحيث يظن المتفرج أن الرسام لم يعرف كيف يحقق هذا الشبه. بينما لوحة عام 1860 يمكن أن تكون مرسومة بشكل سيء، بمعنى أن هناك بين الأشياء المرسومة داخل اللوحة وهذه الأشياء أنفسها خارج اللوحة مسافة كبيرة، أي تباعد كبير ومهم. ولكن مهما كان هذا التباعد والمسافة، فأخطاء الفنان التقليدي تشير في نهاية الأمر إلى الموضوع "الإنساني".

أما بالنسبة للوحة الحديثة، فيحدث العكس تماما، حيث انحرافات الفنان عن الموضوع الطبيعي "الإنساني" تعود، ليس لكونها لا تصل إلى درجة الموضوع الطبيعي "الإنساني"، بل لإن انحرافاته عن الموضوع الطبيعي تقود إلى طريق مخالف عن ذلك الطريق الذي يمكن أن يقودنا باتجاه الموضوع الإنساني. وهكذا بدلا من أن يذهب الرسام، بشكل أو بآخر، بطريقة ساذجة نحو رسم الواقع، يرى نفسه قد ذهب عكس الاتجاه تماماً، معتزماً ببسالة عالية تشويهه، تحطيم مظهره الإنساني، تجريده من أية نزعة إنسانية.

الفهم الفني

غير أننا- يضيف خوسيه- إذا عدنا إلى اللوحة التقليدية، سنستطيع التعايش مع الأشياء المرسومة فيه بزيف. وعلى سبيل المثال فإن كثيرا من البريطانيين أغرموا بلوحة "الموناليزا" وفي المقابل، فإن الأشياء المرسومة في اللوحة الحديثة يستحيل التعايش معها؛ فبنزع مظهر الواقع المعاش منها، يهدم الرسام الجسر ويحرق السفن التي كان يمكن لها أن توصلنا إلى عالمنا المألوف والاعتيادي. إنه يتركنا مقيدين ضمن عالم غامض، ويجبرنا على التعامل مع أشياء، ليس هناك مجال للتعامل معها إنسانيا. وهكذا يكون علينا ارتجال طريقة تعامل جديدة، ومختلفة تماما عن حياة الأشياء المألوفة؛ خلق أو ابتكار أفعال غير مألوفة تتوافق مع هذه الأشكال الغريبة. إن هذه الحياة الجديدة، هذه الحياة المُبعدة، هي إلغاء مسبق للحياة العادية العفوية، إنها الفهم الفني والمتعة الفنية. ولا بد من القول إن هذه الحياة لا ينقصها مشاعر وانفعالات، ولكن مثل هذه المشاعر والانفعالات إنما تنتمي إلى عالم من النفسيات المختلفة تماما عن تلك التي تملأ مشاهد ومناظر حياتنا الإنسانية. غير أنها مشاعر ثانوية توقظ في داخل كل واحد منا الفنان الذي يُفضي بنا إلى ما وراء الموضوعات الفنية. إنها مشاعر جمالية على وجه الخصوص.

تجاوز المظهر الإنساني

قد يقال بعض الأحيان: من أجل هذه النتيجة كان من الأسهل والأبسط الاستغناء عن هذه الصيغ والأشكال الإنسانية: رجل، بيت، جبل، وبناء أشكال جديدة تماما، ولكن هذا، أولا، غير عملي، ولعل ذلك يرجع إلى وجود مجموعة من الذكريات، المخفية، صعبة النسيان لبعض الصور والأشكال "الطبيعية" في أكثر خط زخرفي وتجريدي في اللوحة. ثانيا، وهذا هو السبب الأكثر أهمية، أن الفن الذي نتحدث عنه ليس فنا غير إنساني لعدم احتوائه على أشياء إنسانية فقط، ولكنه يقوم، بالضبط، على فاعلية عملية تجريده من الإنسانية. إنه في هذا الهرب من ما هو إنساني لا يهتم بنقطة النهاية، وهي، البيئة الحيوانية غير المتجانسة التي يصل إليها، كذلك لا يهتم بنقطة البداية، وهي المظهر الإنساني الذي يحطمه.

انتفاء السموِّ في الفن

يرى الإنسان الذي ينتمي إلى هذا الجيل الأخير، أن الفن هو شيء دون أهمية أو سمو. يقول خوسيه عندما كُتبت هذه العبارة خفت منها بشكل كبير بسبب العدد الهائل الذي لا يحصى لمعانيها المختلفة. غير أن ذلك لا يعود إلى أن أي شخص في هذه الأيام يبدو له من الفن شيئا من دون أهمية، بل إلى أن الفنان نفسه يرى أن عمله هو عمل غير مهم، أو أنه عمل غير سامٍ. ولكن هذا لا يشرح حقيقة الأمر. ذلك أن الفنان لا يهتم بعمله وحرفته، بل المشكلة هي أن الفنان يهتم بأعماله، لأنها ليست أعمالا ذات أهمية عظيمة، لا، بل إنه يهتم كلما كانت هذه الأعمال ناقصة الأهمية.

يرى خوسيه أنه لا يمكن لهذه القضية أن تُفهم بالشكل الصحيح إلا إذا قمنا بدراسة وضع الفن قبل ثلاثين عاما، طوال القرن الماضي. لقد كان الشعر أو الموسيقى في تلك الفترة نشاطين هامين: كان يُنتظر منها تقريبا إنقاذ النوع البشري من أنقاض الديانات، ومن أنقاض نسبية العلم التي لا يمكن تفاديها. لقد كان الفن ساميا بالمعنى النبيل للكلمة. فقد كان ساميا، ليس بسبب مواضيعه، التي تتطرق إلى أكثر المشاكل خطورة في تاريخ البشرية، ولكن ساميا في ذاته، كطاقة إنسانية تزود البشر بالحقائق وتوكد المنزلة الرفيعة للجنس البشري.

ومن هنا اعتبر خوسيه أن حركات الشاعر الكبير الوقورة وحركات الموسيقي المبدع أمام الجمهور، كانت جديرة بالمشاهدة. لقد بدت كحركات نبي أو مؤسس دين أو حضور رجل دولة مهيب مسؤول عن الأقدار الكونية. يقول: "غير أنني أظن أن فنان اليوم قد يرعبه أن يرى نفسه حاملا هذا العبء، وهذه المهمة الضخمة، وكذلك قد يخشى أن يرى نفسه مجبرا، بالنتيجة، على معالجة مثل هذه المواضيع التي لها مثل هذا القدر من الأهمية والثقل". بيد أنه يبدأ بالتلذذ بالأشياء على شكل ثمار فنية عندما يبدأ بملاحظة أن الهواء يفقد وزنه، وأن الاشياء أصبحت تثب وتقفز وتتمايل متحررة من الجدية ومتحررة من كل نوع من أنواع الشكليات. إن هذا التمايل والرقص هما بالنسبة لهذا الفنان إشارة وعلامة بأن ربات الفن موجودة بالفعل.

وفي الأخير، يرى خوسيه أنه يمكن أن نختصر كل خصائص وميزان الفن الجديد في عدم السموّ هذا، الذي بدوره، لا يقوم على شيء آخر إلا أن يكون الفن قد غيّر موقعه في السلم الهرمي للمشكلات والاهتمامات البشرية التي يمكن تمثيلها على شكل مجموعة من الدوائر متحدة المركز والتي تقيس قطرها المسافة الديناميكية إلى محور حياتنا حيث توجد أسمى أعمالنا. وحين "نفرغ الفن من التعاطف الإنساني، يبقى فنّا غير سامٍ، ويصبح مجرد فن متواضع وبسيط".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية