التسامح وقضايا العيش المشترك

أضحى العالم بحاجة ماسة، أكثر من أي وقت مضىى، لسيادة التسامح، في إطار من الأخوة الإنسانية الجامعة، التي لا تفرق بين المجتمعات؛ بناء على الدين أو العرق أو الجنس، أو غير ذلك من مظاهر التنوع البشري. فالتسامح هو الضامن الأساسي لتحقق التعايش والتآخي والرحمة، الكفيلة؛ بإحلال الأمن والاستقرار، ونبذ كل أشكال العنف والكراهية والتشاحن، الدافع لإقصاء الآخر.

    يستهل محمد محفوظ كتابه "التسامح وقضايا العيش المشترك"، بالتأكيد على أن ثمة حقيقة أساسية ينبغي إدراكها بعمق، وهي أننا لا نمتلك حلولاً سحرية لمشاكلنا وتحدياتنا، التي تعصف بواقعنا على أكثر من صعيد ومستوى. وهذا الأمر في نظره ليس هروباً من التحديات أو جلداً للذات، أو خضوعاً لإكراهات الواقع، وإنما لمعرفة طبيعة الواقع الذي نعيشه. ومن هنا فمشروع التسامح والعيش المشترك في مجتمعاتنا، لا يخرج عن هذا النطاق، فهو الإمكانية الوحيدة التي تمكننا من ضبط اختلافاتنا وتبايناتنا الداخلية، بكل عناوينها.

جدلية التسامح

   يرى محفوظ أن مصطلح التسامح، يعد من أكثر المصطلحات التي تحتاج إلى تحديد معناها الدقيق، وضبط مضمونها الفلسفي والأخلاقي والاجتماعي، لا سيما أن هذا المصطلح متداول اليوم في كل البيئات الآيديولوجية، ويتم التعامل مع لوازمه الثقافية؛ باعتبارها ثابتة من ثوابت المجتمعات المتقدمة. فيلاحظ أن التجربة الغربية ربطت مقولة التسامح بالمسألة الدينية، إذ اعتُبرت من قِبل الفيلسوف "جون لوك" بوصفها الحل العقلاني الوحيد لمشكلة الخلافات التي نشأت داخل المسيحية. لكن مع تطور الحياة السياسية والمجتمعية في الغرب، بدأ ينظر إلى التسامح، على حد تعبير سمير خليل، "باعتباره العمود الفقري لليبرالية، بوصف هذه الأخيرة فلسفة عامة للجماعة البشرية، كما بوصفها شعورا يُحس تُجاه الجماعات الأخرى"، وبالتالي، فالتسامح وفق التجربة والفكر الغربي المعاصر، هي الإجابة المطلوبة آنذاك. ذلك لأن الاختلافات قادت في فترة من الفترات إلى التعصب والانكفاء والعزلة.

فضيلة وضرورة

  التسامح، حسب محمد محفوظ، فضيلة أخلاقية، وضرورة سياسية ومجتمعية، وسبيل لضبط الاختلافات وإدارتها. فيقول، "ثمة دوافع ومتطلبات عديدة، ساهمت في بلورة الحاجة إلى مفاهيم وقيم ، تساهم في زيادة وتيرة التفاهم بين الأمم والشعوب، وتؤسس لعلاقة سلمية وبعيدة عن خيارات القطيعة والصدام والحروب المفتوحة. فكما توسعت المسافة بين الشعوب والأمم، ازدادت الحاجة إلى أطر ومباردات، تمنع تحول هذه المسافة إلى سبب للصراع الدائم. وعلى مستوى التجارب الإنسانية، نجد أنه من رَحِم التعصب الديني والعرقي؛ تبلورت أفكار التسامح والتعايش، ومن تداعيات الحروب وأهوالها الكبرى، نضجت مفاهيم المحبة والحوار وقبول الآخر؛ كجزء لا يتجزأ من الذات والوجود".

يرى محفوظ أن المطلوب هو إعادة النظر في مفاهيم الوحدة والاختلافح لأن الوصول إلى حقيقة الوحدة في المجتمع، تتطلب احترام الاختلافات وإدارتها بعقلية حضارية ومنفتحة، فالوحدة مهما كان شكلها أو مستواها، لا تُبنى حين نغرس بذور العداوة والكراهية والخصومة، فهذه الأمور تزيد الواقع تشظياً وانقساماً، وتباعداً بين المجتمعات، وبالتالي ضياع الوحدة وضياع فرص التعايش.

 العيش المشترك

  يربط الكاتب في الفصل الثاني "مفهوم التسامح وقضايا العيش المشترك"، بين التسامح والتعايش، فيلاحظ أنه في زمن الصراعات المذهبية والدينية والقومية، تتأكد الحاجة إلى ثقافة التسامح والحوار؛ إذ لا يمكن الوقوف ضد نزعات القتل والإلغاء؛ لدواعٍ دينية أو مذهبية أو قومية، إلا بتعميق خيار التسامح والحوار في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ لأن هذا الخيار هو الذي يساهم في إعادة صياغة علاقة الإنسان بأفكاره وعقائده. فالتعصب الأعمى للذات وأفكارها وعقائدها، هو الذي يدفع الإنسان للتعدي على حقوق وكرامات الآخرين، وثقافة التسامح هي التي تضبط علاقته بعقائده وأفكاره، بحيث لا تصل إلى مستوى التعصب الأعمى، الذي يقود صاحبه إلى القتل وممارسة التدمير؛ باسم القيم والعقيدة.

    وعليه يرى أن التسامح اليوم ليس فضيلة فحسب، بل هو ضرورة اجتماعية وثقافية وسياسية، من أجل تحصين واقعنا، أمام كل المخاطر الزاحفة إلينا، التي تستهدف وجودنا ومكاسبنا وتطلعاتنا. وهذا يتطلب العناية والالتزام بثلاثة أمور:

- ضرورة تجريم كل أشكال بث الكراهية والحقد.

- أن تعتني وسائل الإعلام والتثقيف والتوعية بهذه القيمة، وتعمل على تكريسها في خطابها الثقافي والإعلامي، حتى يتوفر المناخ المناسب؛ لأن تصبح هذه القيمة جزءاً من نسيجها الثقافي والاجتماعي.

- ضرورة إشاعة وتعميق متطلبات التسامح في واقعنا الاجتماعي والثقافي.

 

التواصل والعيش المشترك

     يعتقد محفوظ أن العيش المشترك، يقتضي العمل على إعادة صياغة العلاقة بين مختلف المكونات والتعبيرات، وبالأفكار التي شكلتها أو انبثقت عنها. معتبراً أن "العيش المشترك لا يعني حبس كل فئة في إطارها الفكري الضيق، وإنما يعني الانفتاح والتواصل المستدام مع بقية المكونات، من أجل نسج العلاقات الايجابية، وتجاوز كل الأوهام والهواجس تجاه بعضنا البعض". بتعبير آخر فالعيش المشترك في أي تجربة إنسانية، ليس وصفة جاهزة، وإنما هو رؤية واضحة وإرادة صلبة وعمل مستدام؛ باتجاه خلق الحقائق وتعزيز متطلبات التلاقي والتفاهم بين الجميع.

ديناميكية العمل الاجتماعي

   في الفصل الثالث يبحث الكاتب، العلاقة الديناميكية التي تحكم العمل الاجتماعي، وتجعله يتراوح بين تجاذب وتصادم الأفراد المنتمين إلى جماعات متباينة، حيث أن السلوك الإيجابي والممارسة الحسنة المنضبطة؛ بضوابط الأخلاق وحسن التعامل مع الآخر، هو ما يقود إلى الإقناع والالتزام. أما ممارسة العنف والقسر، فلا يقود إلا إلى المزيد من التفلُّت من هذه الأفكار والقناعات.

  ولتجاوز ذلك، لا بُدَّ من وعي اجتماعي جديد، غير أن "بناء الوعي الاجتماعي الجديد وإحداث قطيعة حقيقية على المستويين المعرفي والسلوكي؛ مع ثقافة التعصب والكراهية، يحتاج إلى عمل متراكم، من أجل بناء حقائق مجتمعية، تٌعلي من شأن التسامح والحوار. وهذا يتطلب من الجميع، آحادا وجماعات، ممارسة مسؤولية تطوير الأداء والسلوك الاجتماعي، المستند إلى قيم التواصل والأخلاق ومساواة الذات بالآخر".

الاختلاف والتعايش

   يتوقف الكاتب محمد محفوظ عند مسألة بالغة الأهمية، وهي الاختلاف والتعايش السلمي، فيقول: ثمة حقيقة إنسانية ثابتة، ينبغي الاستناد إليها في تطوير العلاقات الاجتماعية والإنسانية، وتجاوز كل المحن والأحقاد والضغائن، التي تحدث بين بني الإنسان، جرّاء تباين وجهات نظرهم أو تناقض مصالحهم أو اختلاف مشاربهم الآيديولوجية أو الثقافية، وهي أن الاختلاف بين البشر من النواميس الكونية والاجتماعية، لا يمكن نفيها أو التغاضي عنها. وهذا الاختلاف الإنساني، ليس مدعاة للتنابذ والنزاعات والحروب والصراعات المفتوحة. وإنما هو، مدعاة للتفاعل الايجابي والتعاون البناء. ذلك لأن هذه الاختلاف، ليس اختلاف أفضلية قومية أو عرقية أو قبلية أو إثنية، وأنما هو اختلاف، أراده الله أن يكون سبباً؛ للتبادل والتداخل والتشارك والتعايش والتعارف.

ولعل من أهم الاسئلة المطروحة اليوم: هل يمكن أن يعيش الإنسان حياة مشتركة وسلمية مع الآخر؛ بغض النظر عن هويته ونقاط التمايز العديدة بينهما؟ يجيب محفوظ، "لا يمكن، على الصعيد الواقعي، أن تكون هويات البشر واحدة، أو رؤيتهم للأمور والقضايا متطابقة. إذ إن الاختلاف في الهوية والرؤية والنظرة إلى الأشياء، من نواميس الحياة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتصور الحياة من دون هذه الاختلافات والتمايزات والتنوعات. ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن للإنسان أن يعيش وحده، منعزلاً عن الآخرين، ومنكفئا عن المغايرين. فالتعايش مع الآخرين أضحى اليوم ضرورة، ولا فكاك عنها".

صيانة حقوق الإنسان

يعتقد الكاتب أن بوابة العيش المشترك في كل الأمم والمجتمعات، هي صيانة حقوق الإنسان وحماية كرامته وتعزيز حضوره ودوره في مشروعات التنمية والعمران. مشيراً إلى أن الاختلاف في الهوية أو الانتماء الأيديولوجي أو القناعات الفكرية لا يشرع بأي حال من الأحوال انتهاك الحقوق. فالاختلافات ليست سبباً أو مدعاة لنقصان الحقوق، وإنما تبقى حقوق الإنسان مصانة وفق مقتضيات العدلة ومتطلبات العيش المشترك.

 

متواليات التعصب

في الفصل الرابع يتوقف الباحث؛ عند مسألة "التسامح وقضايا المشروع الوطني"؛ ليتناول ما يعرفه العالم من تطورات عملية يومية، يتم تقديمها بمتواليات هندسية، حيث تجتاح العالم موجة حركة التطرف والتعصب، التي تهدد استقرار وأمن الإنسانية كلها. حيث أن كثيراً من الصراعات والمواجهات العسكرية والاقتصادية، هي في أحد أبعادها من جراء هذه الظاهرة التي أضحت تهدد واقع السلم والتعايش الإنساني.

ولا شك أن كل الشرائع السماوية والمواثيق الإنسانية تقف موقفاً رافضاً لهذه الظاهرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقر خيار العنف والتطرف والإرهاب لإنجاز الأهداف، أو نيل الحقوق. وذلك لأنها ظاهرة ضد الحياة والإنسان، ولا تنسجم ومبادئ الشرائع السماوية والمواثيق الإنسانية. كما أنها ليست علاجا لأي مشكلة، بل على العكس من ذلك تماما، فالتطرف والإرهاب يفاقمان المشكلات، ويزيدان من الإرباك والتدهور.

 يقول الكاتب إن التطرف في العلاقات الإنسانية يجعل صاحبه منفصلاً بشكل دائم عن الذات، ومبرراً لكل ما يصدر عنها، منتقداً غيرها، متهماً إياه، جارحا لكل ما يصدر عنه، وادعاء اليقين والإمساك بالحق والحقيقة، لا يبرر بأي حال من الأحوال، فرض قناعاتك ويقينك على الآخرين. إن الإنسان لا يمتك تجاه يقينه وقناعات،ه إلا الدعوة لها والتبشير بها، ولكن من دون تعسف. فالالتزام الأيديولوجي ليس مبررا حقيقيا لممارسة القهر والاضطهاد تجاه الآخرين والمغايرين". ومن ثم يجب علينا الوعي أنه كما أننا لدينا قناعات، فللآخر كذلك الأمر نفسه، وبالتالي لابد  من تقبل هذا الآخر.

دحض الإقصاء

يرى محمد محفوظ أن الخطوة الأولى في مشروع نقد التطرف وتجاوز مخاطره، هو مواجهة النزعة الأحادية  الإقصائية، وذلك عبر  إرساء معالم حياة ثقافية اجتماعية، تهتم باكتشاف الآخر، ومعرفة أفكاره ومقولاته، بعيدا عن المسبقات الأيديولوجية والفكرية. معتبراً أن الوحدة الصلبة والحقيقية، هي نتاج مجموع إرادة الجميع وكفاحهم وسعيهم المتواصل؛ لبناء واقعهم ومستقبلهم. فالوحدة ليست مقولة مفرغة من مضمونها الإنساني والحضاري، بل هي عنوان لتآخي وتكاتف وتفاعل كل التعدديات والتنوعات الموجودة في المجتمع والوطن. فالوحدة في المجتمع والوطن لا تبنى بالاقصاء والتهميش. ومن هنا، فسرطان الإرهاب الذي يجتاح المعمورة اليوم، لا يُواجه إلا بالمزيد من التلاحم والتآخي والتفاهم بين مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية.

ويخلص محفوظ إلى أن تنظيم الخلافات بين البشر وحصرها في جوانب البناء والتنمية، بدل التدمير والهدم، ليس بالأمر اليسير، وإنما هي مهمة إنسانية شاقة، تتطلب الكثير من الجهود والطاقات، التي يجب أن  تصرف في هذا المجال. ومن الطبيعي أن بث الثقافة الحضارية وتربية الناس على هدى القيم المدنية، من العوامل الهامة التي تساهم في توجيه حالات التدافع الإنساني، إلى مجالات البناء والتقدم الإنساني. ولا يمكننا الوصول إلى مستوى إبداع أشكال، وأطر ايجابية وإنسانية؛ لحالات التدافع بين البشر، إلا بإشاعة الثقافة الحضارية، في جسر العبور إلى الإبداع الإنساني، المتجه إلى توطيد أسس البناء والعمران، والتسابق إلى فعل الخيرات.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية