فلسفة الأخلاق في يوتوبيا كونفوشيوس

 إن نقطة انطلاق أي بحث أخلاقي فلسفي هي التجربة الأخلاقية، لذلك ارتبطت الحياة الأخلاقية منذ البداية بطابع هادف، يراد من ورائه تحقيق غاية محددة. وهو جوهر النسق الأخلاقي لدى الحكيم كونفوشيوس، الذي يقوم على هدف الوصول بالفرد إلى أعلى درجات الكمال الإنساني، أي مفهوم الرجل النبيل. هذا ما تذهب إليه الدكتورة هالة أبو الفتوح في تحليلها لفلسفة الأخلاق لدى كونفوشيوس، في كتابها "فلسفة الأخلاق والسياسة: المدينة الفاضلة في يوتوبيا كونفوشيوس".

 

تلاحظ أبو الفتوح أن نسق كونفوشيوس الأخلاقي يقوم على جانبين، نظري وعملي.

أولا: الجانب النظري

  لقد كانت الغاية الأولى من نسق كونفوشيوس الأخلاقي، هي محاولة إيقاظ الفرد مما يعانيه من تدهور أخلاقي؛ رغم أنه كائن أخلاقي في المقام الأول. ما يعني أن إيمانه بالفرد هو الذي يحثه على أن يجعله نقطة الانطلاق. ومع أن كونفوشيوس يضع مثاليات أخلاقية للفرد، إلا أنها مثاليات مشتقة من واقع الحياة الإنسانية، أي أن الأساس الذي اعتمد عليه في وضعها هو دراسة الطبيعة البشرية؛ بمعنى أن مثالياته الأخلاقية ليست متعالية أو مستحيلة؛ بقدر ما هي عملية، فلا تلقي بالإنسان في عالم آخر، أو تجعل الفرد يشعر بعجزه في الوصول إليها، وإنما توجه سلوك الفرد نحو المجتمع الذي يعيش فيه.

 بين الخير والشر

   لقد رفض كونفوشيوس فكرة كون الإنسان خيِّراً بالفطرة، أو أنه يولد مزوداً بالقيم الأخلاقية، حيث يقول "أنا لم أقابل الإنسان الذي يرغب في الخير، أو الذي يجد الشر أمراً بغيضاً". كما أنه رفض النظر إلى الإنسان على أنه شرير تماما؛ لأن الأخلاق عنده لا توجد في الطبيعة الإنسانية الفطرية، وإنما الذي يوجد هو الاستعداد للتخلق، الاستعداد للتمييز بين الخير والشر، وإذا "ركز الإنسان قلبه على الخير تحرر من كل الشرور". فالإنسان يولد ولديه إمكانية يمكن تشكيلها حسب الإرادة الإنسانية، وهذا هو الاستعداد لأداء ما هو خير. وهو ما تحيل إليه فكرة تركيز قلب الإنسان على الخير. ما يعني أن الأخلاق ليست أمرا موجودا أصلا داخل الإنسان، وإنما هي مثال وقيمة، يسعى إليها ويكدح في سبيل تحقيقها. ولعل هذا التصور للطبيعة البشرية هو الذي يدع مجالا للفاعلية الإنسانية والمسؤولية الفردية، ويترك للإنسان وحده القدرة على النزوع نحو حالة مقبلة، تصبح فيها ذاته أفضل مما هي عليه الآن في الحاضر.

العقل والوجدان

   يؤدي تصور الطبيعة الإنسانية لدى كونفوشيوس إلى فكرة إمكانية الغوص في النفس البشرية واكتشاف ماهيتها، فالإنسان حسبما يرى كونفوشيوس يجمع بين جانبين:
الجانب العقلي أو ما يسمى بالملكات العقلية، والجانب الوجداني الذي يمثل العواطف والانفعالات. فعندما "تكون العواطف مثل البهجة والغضب والحزن والسعادة، غير متصارعة يصبح الفرد في حالة اتساق. وعندما تستيقظ هذه المشاعر وتعمل كل واحدة وفقا لمعيار مناسب، فهذا هو ما يسمى بالانسجام". فالإنسان وفقا لهذا النص يولد وبه نوع من التجانس والانسجام ما بين الجانب العقلي والجانب الوجداني. إلا أنه لظروف البيئة قد يغلب جانبا على الآخر، وبذلك يبتعد الإنسان عن التجانس الذي كان كامنا فيه، ويصبح إنسانا غير متوازن ويعكس حالة الفوضى والاضطراب الداخلي على المجتمع ككل. أما وسيلة العودة إلى حالة الانسجام الأولى، فتكمن في عدم تغليب جانب منها على الآخر؛ حتى يتحقق بذلك الاتساق الإنساني الذي يستتبع اتساق المجتمع.

 

الإلزام الأخلاقي

   يقدم تاريخ الفكر الفلسفي مصدرين للإلزام الخلقي، أحدهما خارجي: ويكون إما من الدين أو من المجتمع، ممثلا في هذا الكم من القوانين السائدة داخل حدود الجماعة. والآخر داخلي: ينبع من الضمير الإنساني. وقد رأى كونفوشيوس ضرورة أن يكون الإلزام داخليا، فعندما يكون منبع الإلزام من الضمير فإنه يصبح أقل وطأة على الشعور الإنساني، وأكثر واقعية نحو الالتزام به، على العكس من الإلزام الخارجي. فالفرد يتبع ما يفرضه عليه ضميره دون الشعور بإرهاق أو معاناة. وهذا ما دعا كثير من فلاسفة الأخلاق إلى تشريع كل قواعد وقوانين الأخلاق داخل الذات الفردية، بحيث يكون الحافز على أدائها أيضا ينبع من داخل الفرد؛ حتى يقبل على اتِّباعها دون عناء، ودون أن يشعر بأنها شيء مفروض عليه من الخارج.

  أما الإلزام الداخلي لدى كونفوشيوس فهو ما يطلق عليه في عقيدة الوسط "القانون الأخلاقي". والحس الأخلاقي هو الصفة المميزة التي تنسب للإنسان. وهذا الحس لا يجعل الطبيعة البشرية خيرة بالفطرة، وإنما يعد بمثابة البذرة التي لا بد من استنباتها ورعايتها حتى تثمر، فهو البداية التي تتيح أمام الجنس البشري إمكانية التطور للوصول إلى الكمال. فيقول كونفوشيوس في عقيدة الوسط "إن القانون الأخلاقي ليس أمرا بعيدا عن الحياة العقلية للإنسان. فعندما يتبع الرجل أمرا بعيدا عن الحياة العقلية، على أنه القانون الأخلاقي، فهو ليس بالقانون الأخلاقي". فالقانون الأخلاقي بحسب الكاتبة أبو الفتوح قريب إلينا. وقد وجد كونفوشيوس أن نسق الحقائق الأخلاقية، إنْ استمد سلطته مما هو خارق للطبيعة، فلا يمكن التحقق منه بالتجربة، وبالتالي لا يمكن الإيمان به. وما لا يمكن الإيمان به، لا يطاع من جانب الأفراد. وكذلك إذا شيد على سلطة دنيوية لا يعترف بها الشعب أيضا فلن يطاع. وبالتالي تبقى إمكانية تشييده على ضمير الإنسان حتى يكون بالإمكان التحقق منه. ولعل كونفوشيوس قد استمد مفهوم الإلزام  والحس الخلقي من تراثه القديم. حيث ساد قديما الاعتقاد بأن الإله قد منح الإنسان، الذي هو أرقى المخلوقات الحس الخلقي الذي إنْ التزم به وعمل على تنميته ومراعاته أصبح نبيلا.

ثانيا: الجانب العملي

   يمكن القول إن فلسفة كونفوشيوس العملية تتمحور حول أربع فضائل رئيسية، تتشعب عنها كل القيم الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها الفرد؛ حتى يصل إلى الكمال الإنساني، وتتمثل هذه الفضائل الأربع في فضيلة "جين" أي الإنسانية، وفضيلة الاستقامة، وفضيلة طاعة الأبناء، وفضيلة "لي" أي الطقوس والشعائر.

 فضيلة الإنسانية

   تعد فضيلة الإنسانية، أو فضيلة "جين" من أهم الفضائل التي لا يمكن للإنسان الفاضل الاستغناء عنها، مهما كانت الظروف المحيطة به. وقد بلغت أهمية هذه الفضيلة داخل نسق الكونفوشيوسي؛ لدرجة أنها أصبحت تعلو على سائر الفضائل. بل أصبحت تتضمن كل القيم الأخلاقية الأخرى، بحيث لو تمكن الرجل النبيل من أن يحرزها، فلن تكون أمامه أي معضلة في اقتناء سلسلة الفضائل الأخرى، لأنه سيجدها كامنة في قلب "الجين".

  يقول كونفوشيوس "عندما تكون بالمنزل احتفظ بنفسك في موقف دال على الاحترام، وعندما تتعامل مع الآخرين افعل أفضل ما عندك". وهكذا اكتسبت "الجين" هذه الأهمية الكبرى، بل وأصبحت المبدأ المتغلغل والمنتشر داخل التعاليم الكونفوشية، وأصبحت المعقل لكل القيم الأخرى. فـ"الجين" هي الشعور الطبيعي الذي يأتي مباشرة وتلقائيا من قلب الإنسان، وبهذا الشعور الذي ينطلق من ذات الإنسان، يبدأ البشر في إدراك أنه لا بُدَّ لهم من العيش في جماعة متآلفة، يتجسد بينهم الشعور بالتبادل والانسجام.

   ويرى ريموند داوسون أن خير تحديد لـ"الجين" يكمن في أنها تحدد كيفية التعامل مع الكائنات البشرية داخل المجتمع؛ وفقا لنموذج السلوك المثالي. ففي الوقت الذي يؤكد فيه كونفوشيوس على ضرورة وصول الفرد إلى أعلى درجات الكمال عن طريق التزامه بفضيلة الإنسانية، يرى أن إخراج هذه الفضيلة لحيز الوجود لا يتحقق إلا داخل المجتمع، حيث إن وجودها لا يظهر إلا خلال التعامل مع الآخرين.

خيرية الإنسان

يؤكد كونفوشيوس أن هناك مجموعة صفات تحدد خيرية الفرد، "أن يكون محترما، متسامحا، جديرا بالثقة فيما يقوله، ذكيا، كريما.

فإذا كان الرجل محترما، فلن يعامل باحتقار.

وإذا كان متسامحا، فسينال رضى العامة.

وإذا كان جديرا بالثقة، فإن أتباعه سوف يثقون فيه.

وإذا كان ذكيا، فسوف ينجز ثمارا عظيمة.

وإذا كان كريما، فسوف يكون صالحا لدرجة تؤهله للسيادة على الآخرين".

 وعليه يمكن القول أن كونفوشيوس قد أراد من نسقه الأخلاقي ومن فضيلة "الجين" على وجه الخصوص أن يحقق ما يسمى "التماسك الاجتماعي"، ليس فقط داخل الأسرة ولكن داخل المجتمع ككل.

 فضيلة الاستقامة

ليست الاستقامة صفة أخلاقية بعيدة عن جوهر الطبيعة البشرية، وإنما هي من السمات الأساسية لها، حيث أنها تعد من القيم التي تسعى الطبيعة الإنسانية إلى إحرازها أثناء عملية التطور الأخلاقي. وهي فضيلة تدفع الفرد إلى الالتزام فقط بكل ما هو حق ومستقيم.

إن الاستقامة كما يرمز لها بـ "I" وأحيانا بـ "Yi" تشكل قوة أخلاقية هامة لا تقل أهمية عن فضيلة الإنسانية؛ لأنها تقوم بدور المعيار في الحكم على الأشياء وعلى مدى اقترابها أو بعدها عن الحق. يقول كونفوشيوس: "الرجل النبيل لا يميل إلى شيء أو ينفر من أي شيء، إنه يؤيد كل ما هو حق".

 هذه الفضيلة هالة تفرض على الفرد ألا يُقبل على أداء أي فعل، أو الموافقة على أي عمل، دون أن يفكر في كل الجوانب المحيطة بهذا العمل، ويلتزم جوانب الحق والاستقامة فيه. وبهذا، فالرجل الفاضل لا يوافق أو يؤيد أي فعل أو قول وفقا للرغبة أو الهوى، وإنما لأنه يتفق مع مبدأ الاستقامة. وبتعبير كونفوشيوس: "إن ذهن الرجل الفاضل مولع بكل ما هو حق. أما ذهن الرجل الوضيع فإنه يتعلق بالربح".

طاعة الأبناء

   تعد فضيلة طاعة الأبناء من أكثر الفضائل الاجتماعية التي ارتبطت بمفهوم "الجين".  حيث أننا نستطيع أن نتلمس، من بين الأقوال التي تتناول فضيلة طاعة الأبناء، بأنها تشكل جذور الإنسانية. ولما كانت الإنسانية هي أسمى قيمة للسلوك الأخلاقي، فإن "طاعة الأبناء" وما يرتبط بها من فضيلة "الحب الأخوي"، تمثل الأساس لكل الفضائل الأخرى. فإننا لو أردنا أن نعمق فهمنا لجوهر الإنسانية، لأمكن أن نصل إليه عن طريق تحليل الطاعة "Hsiao" والحب الأخوي "Ti"؛ حيث إن مفهومي الطاعة والحب يعكسان نفس الإيثار للشعور الإنساني من زاوية أنهما يشيران إلى حالة المشاركة الحسية والروحية داخل الأسرة.

  هذا الأمر أدى بكونفوشيوس إلى التأكيد على الجانب الاجتماعي العملي في مجال الفضائل، فتصبح فضيلة طاعة الأبناء حجر الزاوية أو الأساس في البناء الاجتماعي. والأكثر من ذلك، فإننا إذا وسعنا من مفهوم هذه الفضيلة نجد أن بإمكانها أن تخرج على حدود الأسرة الواحدة وتسيطر على كافة العلاقات الاجتماعية داخل الدولة.

  انطلاقا من ذلك نقول أن طاعة الابن لأبيه هي أصل أو مصدر كل فعل أخلاقي، وليس هناك إثم أعظم من أن يسلك المرء سلوكا مضادا لفضيلة الطاعة البنوية، وذلك لأنه مهلك للطبيعة البشرية. فالطاعة تعد شيئا أساسيا في تدريب الصغار على السلوك المنضبط؛ حينما ينطلقون خارج حدود الأسرة، ومن هنا فإن المجتمع بأسره، ما هو إلا مجال أكثر اتساعا وانتشارا؛ لتلك الفضائل التي تعد جوهر الصلاح والإنسانية.

الطقوس

   إن الطقوس "Li" أو مبادئ النظام الاجتماعي، تمنع ظهور الفوضى الاجتماعية والأخلاقية، كما تمنع السدود الفيضان. فانتشار وتطبيق الفضائل الأخلاقية من جانب كل فرد داخل المجتمع، يستلزم بالضرورة وجود قواعد للسلوك تقوم بدور المنظم له، وهذه القواعد يطلق عليها "Li".

   وبلغت هذه القواعد من الحد الذي لم تصبح فيه مجرد قواعد للاحترام الذاتي فقط، بل أصبحت تشمل كل العادات الاجتماعية والسياسية الجيدة. ولذلك فإن "Li" هو المبدأ المنظم لكل العلاقات الأساسية في الحياة، بدءاً من الأسرة وانتهاء بالمجتمع. ومن هنا أصبح "Li" واحدا من أكثر المفاهيم الأخلاقية أهمية داخل نسق كونفوشيوس الأخلاقي. حيث يقول: "ما لم يملك الإنسان روح الشعائر، فإنه سوف يدمر نفسه وهو يمارس فضيلة الاحترام، وفي ممارسة الحذر يصبح جباناً، وفي ممارسة الشجاعة سيصبح صعب المراس وفي ممارسة الصراحة يصبح غير محتمل".

السلوك المخادع

   يرفض كونفوشيوس أن يلجأ الفرد إلى السلوك المخادع المصطنع، فالشكلانية التي يتصف بها السلوك المرفوض، يقصد بها كل فعل يفشل في إظهار المغزى الحقيقي له، وللفرد الذي يؤدي هذا الفعل. وبالتالي فإن أهم ما ينتج عن التمسك بالطقوس، هو إحداث الاتساق والتوازن داخل الفرد. فحينما يكون الفرد في حالة حداد فإن "Li" تدفعه إلى أن يعيش في اتساق مع الموقف الذي هو فيه، أو بعبارة أخرى يجعله صادقا في مشاعره، ويتجه لأن يسلك ما يجب أن يكون، وبالتأكيد فإن ذلك أفضل من التمسك بالشكليات.

   الطقوس إذن تحث الفرد على الاتساق مع الموقف الذي يعيشه، وتحثه أيضا على أن يلتزم بالوسط في كل مواقفه، فيحذر من الإفراط في الشكليات أكثر مما يستلزم الأمر. وهكذا يعد "Li" من أكثر الطرق الاجتماعية الملائمة للسلوك الإنساني، حيث أنه أبسط طريق اجتماعي للسلوك الفاضل، وأفضل طريق لأداء الأشياء في علاقة المرء مع الآخرين.

   وأخيرا، نقول إن الرجل النبيل يعد الغاية القصوى لنسق كونفوشيوس الأخلاقي، وهو الأمل في إصلاح أحوال المجتمع. وهو يعتقد أن المجتمع لن ينتظم وتستقيم أحواله من دون إصلاح الفرد أولا، أي الفرد قبل المجموع. والسبيل للحصول على مثل هذا الرجل النبيل، يكمن في اقتنائه للفضائل الأخلاقية السامية من أجل أن يرتقي بنفسه.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية