معاناة طفل واحد تدمر مصداقية العالم مثلما تدمرها الحروب الكونية

   أي دعوة لسيادة التسامح، لا يُتصور لها أن تكون بمعزل عن تجذر الحب، الذي يعني تبادله، تغييباً لمشاعر الكراهية والبغض والحقد. وإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه بداهة، فإن من الجلي أن تكون البداية حتمأً من نفس أشرق فيها نور الحب أولاً؛ ليشع وينعكس بعدها على محيطها وجيرانها، الذين يشاركونها ويبادلونها الحبَّ بالحب.

    ليس الجار هو ذلك الذي يسكن بالقرب من منزلنا أو في حيّنا أو مدينتا، إنما الجار هو ذلك الإنسان الذي خلقه الله وكرمه وجعله نظيراً لي؛ على اختلاف لونه ودينه ولغته وجنسيته، أي هو تلك الذات المكملة لذاتي. هذا هو الجار بالمفهوم الواسع، وهو ما يجب علينا الوعي به، فنحن جيران لبعضنا البعض تجمعنا الإنسانية. وهذا ما يحتم علينا أن نحب بعضنا البعض في إطار التعايش والتسامح والأخوة الكونية. وهو ما يبحثه زيغمونت باومان في كتاب "الحب السائل".

   يرى الكاتب أن الامتثال لوصية حب الجار هو ميلاد الإنسانية، وما عدا ذلك فمجرد تفاصيل قائمة في حياة الإنسان، ولكنها تبقى غير كاملة أو منقوصة للأبد. وإذا حدث تجاهل أو إهمال لهذه الوصية، فما من وصية أخرى تحيط بتفاصيلنا الآدمية أو تستكمل ثراءها المؤنسن. ربما يتطلب حب الجار قفزة إيمانية، لكن ميلاد النتيجة هي ميلاد البشرية، وهو أيضا الانتقال المقدّر من غريزة البقاء إلى نزعة الأخلاق، "إنه انتقال يجعل الأخلاق جزءا من البقاءـ وربما شرطا لا غنى عنه من أجل البقاء؛ فيصبح بقاء إنسان ما بهذا المكون (الفطرة) بقاء الإنسانية الكامنة في الإنسان".

 

حب الذات

  يتساءل زيجمونت: ماذا يعني حب الذات؟ ويرى أن وصية "أحبب جارك كما تحب نفسك"، هي وصية تجعل من حّب النفس مسألة بدهية، أو غير إشكالية، فحب النفس موجود دائما بالفعل، إنه مسألة بقاء، والبقاء لا يحتاج إلى وصاية؛ ما دامت الكائنات الأخرى تعيش في أحسن حال من دون وصايا. "لكن حب الجار مثل حب النفس، يجعل بقاء الإنسان مختلفا عن بقاء غيره من الكائنات الحية، فمن دون هذا الامتداد/ العلو الذي يتّخذه حبّ النفس، لا يكون امتداد الحياة الجسدية المادية في حد ذاته بقاء إنسانيا، فهو ليس البقاء الذي يفصل البشر عن الأنعام. فالدعوة إلى حب الجار تتحدى الغرائز التي وضعتها الطبيعة". إن وصولنا إلى محبة الجار كمحبتنا لأنفسنا، يعني أننا قد تجاوزنا كل المعيقات المعرقلة لقيم التعايش.

التشبث بالحياة

   لا شك أن حب النفس يدفعنا إلى التشبث بالحياة، وبذل الجهد للبقاء؛ سواء بشكل أفضل أو أسوأ، لا بل يجعلنا نقاوم أي شيء يهدد الانتماء للحياة، وحماية لياقتنا، وحيويتنا، وزيادتهما، من أجل نجاح تلك المقاومة. وهو ما تقوم به كل الكائنات الأخرى، لا بل (كما يقول زيغمونت) إن "أبناء عمومتنا من الحيوانات أساتذة في كل ذلك، وهم ليسوا أقل نضجا ولا إنجازا من أعظمنا إتقانا وإخلاصا في إدمان اللياقة والصحة. كما أن أبناء عمومتنا من الحيوانات لا يحتاجون إلى خبراء مختصين، يتعلمون منهم كيف يبقون على قيد الحياة وكيف يحافظون على لياقتهم. كما أن أبناء عمومتنا من الحيوانات لا يحتاجون إلى حب النفس، كي يعلّمهم أن البقاء على قيد الحياة والحفاظ على اللياقة هو عين الصواب"، فكيف بالإنسان الذي يعرف يقيناً أن حب النفس ميزته التي تميزه عن الكائنات الأخرى، ولا يجعل قيمة الحب تنظم علاقتنا بغيرنا؛ رغم كل صور الاختلاف المتعددة فيما بيننا.

جوهرية الحب

   يقول زيغمونت إن ما نحبه في حبنا لأنفسنا هو حب الأنفس الجديرة بالحب. ما نحبه هو الحالة التي يغمرنا فيها الحب، أو الأمل بأن يغمرنا الحب، أو الحالة التي نكون فيها موضوعات تستحق الحب، اللحظة التي يعترف فيها من حولنا أننا جديرون بالحب، أي هو اللحظة التي نحصل عندها على دليل بذلك الاعتراف. ما يعني أن الوصول إلى حب النفس يحتاج إلى حب من حولنا لنا، وانتفاء هذا الحب – أي الحرمان من كون المرء موضوعا يستحق الحب – يولد كراهية النفس. فحب النفس نبنيه من الحب الذي يمنحنا الآخرون إياه. فإذا اقتضى الأمر مواد بناء بديلة، فلا بد من أن تكون شبيهة بأصل ذلك الحب؛ مهما كانت غير أصلية. فلا بد أن يحبنا الآخرون بداية؛ حتى يمكننا أن نبدأ في حب أنفسنا.

مقياس الحب

   ولكن ما هو المقياس لمعرفة هذا الحب المأمول أو المنتظر؟ وكيف نعلم أننا لسنا من منظور الآخرين حالة ميؤوسا منها؟ أو أن حب الآخرين لنا وشيك، أو ربما يكون وشيكا، أو سيكون وشيكا؟ وأننا جديرون بهذا الحب؟ يقول الكاتب "إننا نعلم، ونؤمن أننا نعلم، ونطمئن أن إيماننا ليس خطأً، عندما يتحدث الآخرون إلينا وينصتون لنا. فالآخرون ينصتون لنا بانتباه، وباهتمام يوحي/ يشير إلى استعداد للاستجابة. إننا نفهم من ذلك أن الآخرين يحترموننا، ونفترض لا أكثر أن ما نعتقده أو نفعله أو نعتزم فعله يتمتع بقيمة واعتبار". حصول هذا الحب بهذه الصورة يجعل منه حبا تبادليا، أي أن نحب بعضنا البعض؛ لنقوي رابطة الجمع بيننا، ونقضي على البغض والحقد، ونبلغ سلّم التسامح؛ لنحقق تعايشا مبنيا على الحب والاعتراف.

قيمة الاختلاف

  ماذا يعني احترامي من قبل الآخرين؟ يقول زيغمونت "إذا احترمني الآخرون، فلا بد من أن هناك شيئا "فيَّ"، شيئا أستطيع أنا وحدي أن أقدّمه للآخرين، وما أكثر الآخرين الذي سيسعدون بتقديمي لهم هذا الشيء، ويعبّرون عن امتنانهم لي، فأنا رجل مهم، وما أعتقده وأقوله وأفعله مهم كذلك. أنا لست مجرد رقم يمكن استبداله بسهولة والتخلّص منه، أنا "ذو تأثير بالغ" يتجاوزني. فما أقوله وما أنا عليه مهم، وليست هذه شطحة من شطحاتي في عالم الوهم، فمهما كان في العالم من حولي من بشر وأشياء، فإن هذا العالم سيكون أكثر فقرا وأقل إمتاعا ونجاحا إذا ما اختفيت عن الوجود". وهذا يبرز مدى أهمية الإنسان في العالم الذي نشكله؛ بوصفنا ذاتا واحدة. ومن هذا المنطلق، إذا كان ما يجعلنا موضوعات حقيقية ومناسبة لحب النفس، فإن الدعوة إلى حب جيراننا كما نحب أنفسنا (لأن الجيران يتمنون أن يجدوا من يحبّهم للأسباب نفسها التي تحثّنا على حبّنا لأنفسنا) تستحضر رغبة الجيران في الاعتراف بما لهم من قيمة فريدة، لا يمكن استبدالها ولا التخلص منها بعد استعمالها، وتدعو إلى إقرار هذه القيمة وتأكيدها. تلك الدعوة تحثنا على الافتراض بأن الجيران يمثّلون بالفعل تلك القيمة؛ حتى يثبت غير ذلك على الأقل. "وهكذا فإن حبّنا لجيراننا مثلما نحبّ أنفسنا؛ سيعني احترام تفرّد كل إنسان منا، إنها قيمة اختلافاتنا التي تثري العالم الذي نسكنه معًا، وتجعله مكانا أكثر سحرا وإمتاعا ونجاحا".

وحدة الإنسانية

     انطلاقاً من إمكانية تحقيق الحب الشامل، يمهد زيغمونت لموضوع أكثر تقدماً، هو "الحلم بوحدة الإنسانية"، فيقول، "قبل ما يزيد عن قرنين من الزمان، لاحظ كانط أن كروية الأرض التي نعيش عليها، يترتب عليها حقيقة بسيطة. فبما أننا جميعا نعيش ونتحرك على سطح تلك الكرة، فلا يوجد مكان آخر نذهب إليه، ولا مناص من العيش متجاورين إلى الأبد. فالحفاظ على مسافة بعيدة عن الناس، ناهيك (عن امكانية) مدّها، لا مجال له على المدى البعيد؛ ذلك لأن الحركة حول السطح الكروي ستنتهي بتقصير المسافة التي حاول المرء أن يمدها، ومن ثم الاتحاد الكامل للأنواع البشرية عبر مواطنة مشتركة، هو المصير الذي اختارته الطبيعة لنا، بوضعنا على سطح كروي". ما يعني أن جودنا هذا هو وجود طبيعي علينا أن نتقبله، وأن نتقبل بعضنا البعض؛ فاختلافنا لا يعني الافتراق بل يعني الوحدة الجامعة.

حسن الضيافة

   ندرك مع كانط أن وحدة البشرية هي الأفق النهائي لتاريخنا الكوني، وهو مصير لا بُدَّ أن نسعى إليه نحن البشر، ونحقّقه في أوانه؛ بدافع من العقل وغريزة حفظ النفس، وبهدايتهما. فعاجلا أم آجلا، كما يحذر كانط، لن يوجد موقع خال يمكن أن نأوي إليه من الأماكن المشغولة التي وجدناها مزعجة تماما، معادية للغاية، وغير قابلة للاستعمال بطريقة مريحة ووافية بالغرض، أو غير ملائمة لأي سبب من الأسباب. وهكذا تأمرنا الطبيعة بأن نرى "حُسن الضيافة"؛ باعتباره القيمة الأخلاقية الكبرى التي نحتاج إلى الإيمان بها والامتثال إليها؛ حتى نضع نهاية لتاريخ المحاولات والأخطاء والكوارث التي تسببها الأخطاء، والمصائب التي تخلفها الكوارث.

   يقول زيغمونت كان بوسع قرّاء كانط أن يتعلموا كل ذلك من كتابه قبل قرنين من الزمان، ولكن العالم لم ينتبه، ويبدو أن العالم يكرم فلاسفته باللوحات التذكارية، وليس بالإنصات الجيد لهم، ناهيك عن اتباع نصائحهم، وربما كان الفلاسفة هم الأبطال الرئيسيين للدراما الغنائية الخاصة بعصر التنوير، ولكن التراجيديا الملحمية لما بعد التنوير أهلمت أدوارهم.

الكرامة الإنسانية

   من الوحدة الإنسانية، ينتقل الكاتب إلى موضوع "الكرامة الإنسانية" فيلاحظ أنه في أحد مشاهد أهم الأفلام التي أخرجها أندريه فايدا (فيلم "كورتشك" Korczak)، يظهر يانوش كورتشك (وهو اسم شهير للمعلم العظيم هنريك غولد شميت، وبطل فيلم إنساني من الطراز الأول)، وهو يذكّر بويلات الحرب التي شُنّت في حياة جيله الذي لا يزال يعانيها، إنه يتذكّر تلك الويلات بالطبع، ويكرهها من أعماق قلبه، ويبغضها باعتبارها أعمالا لا إنسانية، تستحق الكراهية وينبغي بغضها. لكنه، وفي تصوير حي تماما، وفي أشد لحظات الفزع، يتذكر رجلا مخمورا وهو يركل طفلا بقدميه. ما يعني أن "إن إنكار الكرامة الإنسانية يدمر مصداقية أي سبب يتطلب تأكيد هذا الإنكار لنفسه. وهكذا فإن معاناة طفل واحد تدمر تلك المصداقية تدميرا كاملا وجذريا مثلما تدمرها معاناة الملايين".

   إن كورتشك (حسب زيغمونت)، أحب الأطفال مثلما يبدي قليل منا استعدادا لحبهم أو قدرة عليه، ولكن ما أحبه فيهم كانت إنسانيتهم، الإنسانية في أفضل أحوالها، إنسانية بلا اعوجاج، ولا تشذيب أو تقليم، ولا تشويه، إنسانية كاملة في عدم اكتمالها وميلادها الطفولي، إنسانية زاخرة بوعود مكنونة وإمكانات قديرة. لكن العالم الذي يولد فيه حاملو بذور الإنسانية وينمون فيه، معروف بمهارته في قصّ ريش الطير الصغير، لا بمساعدة نموّه وتقويته، ولذا وجد كورتشك أن الإنسانية لا يمكن العثور عليها، ولا الإمساك بها، ولا الحفاظ على أصالتها إلا في الأطفال، وكما يقول "لودفيدغ فيتغنشتاين":

لا صرخة من العذاب أشد من صرخة إنسان واحد

ولا عذاب أشد مما يمكن أن يعانيه إنسان واحد

ولا معاناة الكوكب بأسره أشد من عذاب روح واحدة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية