الفن والحياة

إن الذين يبلغون حالة النشوة أو الوَجد، سواء أكانوا فنانين أو عاشقين أو متصوفة أو رياضيين، هم أولئك الذين حرروا أنفسهم من الكِبر والغطرسة البشريين، فمن شاء أن يحس دلالة الفن عليه أن يتواضع أمامه، أما الذين يرون أن الأهمية الأولى للفن، أو الفلسفة، هي في علاقة كليهما بالسلوك أو بالنفع العملي، فأولئك الذين لا يستطيعون أن يقدروا الأشياء كغايات في ذاتها. هذا جوهر ما يقوله كلايف بل في كتاب "الفن".

     يقول الكاتب إن الفن له أهمية كبرى؛ لكونه يؤدي رسالة ذات صدى داخل ضمير الإنسان، أي إنسان، حسب طبيعة استخدامه لهذا الفن، فيما الدين، في أغلب الأحيان هو حجر الشحذ الذي يُرهف عليه الناسُ حسَّهم الروحي. فالدين شأنه شأن الفن، موكلٌ بعالم الواقع الانفعالي، ولا تعنيه الأشياء المادية إلا بقدر ما تكون ذاتَ دلالةٍ انفعالية. فالعالمُ الفيزيائي بالنسبة للمتصوف، كما بالنسبة للفنان، هو وسيلة إلى النشوة. فالمتصوف يشعر بالأشياء كغايات؛ بدلا من أن يراها كوسائل. إنه يتلمس داخل كل الأشياء ذلك الواقع النهائي الذي يثير الوجد الانفعالي.

    والدين بالنسبة للكاتب هو تعبير عن الحس الفردي بالدلالة الانفعالية للعالم، ويجب ألا نندهش حين نجد أن الفن كان تعبيراً عن الشيء نفسه، فكلاهما يبدو أنه تعبير عن انفعالات مختلفة عن الحياة ومتجاوزة له، وكلاهما بالتأكيد له القدرة على أن ينقل الناس إلى آفاق فوق بشرية، كلاهما سبيل إلى حالات ذهنية غير أرضية. ينتمي الفن والدين لعالم واحد، فهما هيئتان يحاول البشر فيهما حصر أخفى تصوراتهم، وأكثرها شفافية، وتوفير أسباب البقاء لها، فليست مملكة الفن ولا مملكة الدين من هذا العالم، ومن الحق أن نعتبر الفن والدين توأمين متلازمين من مظاهر الروح، ومن الخطأ أن يتحدث البعض عن الفن كمظهر من مظاهر الدين.

الروح الدينية

  يقول كلايف: إذا زعم أحد، أن الفن والدين مظهران توأمان لشيء ما قد يسمى "الروح الدينية" على سبيل التيسير، فإن عليَّ ألا أبتئس. غير أني أصر على التمييز بين "الدين" بالمعنى السائد للكلمة، و "الروح الدينية"، تمييزا ينفي كلَّ احتمال؛ لإثارة مماحكات تافهة. وعليَّ أن أصر على أنه إذا كان لنا أن نقول بأن الفن هو مظهر للروح الدينية، فلا بُدَّ أن نقول الشيء عينه عن كل دين.

إن الروح الدينية تتولد عن اقتناع بأن بعض الأشياء أكثر أهمية من الأخرى، فبالنسبة لأولئك الذين تتملكهم هذه الروح، ثمة تمييز قاطع بين ما هو كوني وغير مشروط من ناحية، وما هو محلي ومحدود من ناحية أخرى. إن الوعي بالكوني وغير المشروط هو ما يجعل الناس دينيين، وهذا الوعي، أو على الأقل تلك القناعة بأن بعض الأشياء غير مشروطة وكونية، هو ما يجعلهم يضعون العدل فوق القانون، والعاطفة فوق المبدأ، والحساسية فوق الثقافة، والذكاء فوق المعرفة، والحدس فوق الخبرة، والمثالي فوق المستطاع. وهذا الوعي هو ما يجعلهم أعداء العرف والتوفيق والحس المشترك.

ويستنتج كلايف من ذلك أن الفن والدين طريقان بهما يهرب البشر من الحدث العرضي إلى الوجد. وبين الوجد الإستيطيقي والوجد الديني ترابطٌ أسري. فالفن والدين وسيلتان إلى حالات ذهنية متشابهة، وإذا جاز لنا أن نتغاضى عن علم الإستيطيقا ونتفحص، متجاوزين انفعالنا وموضوعه، فقد نقول- بتَبسُّط كبير- إن الفن من تجليات الحس الديني.

الفن والأخلاق

    إنْ كان الفن تعبيراً عن انفعال، فهو كذلك تعبير عن الانفعال الذي هو القوة الحيوية في كل دين، أو هو على أي حال يعبر عن انفعال نحو ذلك الذي هو جوهر الكل. وقد نقول أن كلاً من الفن والدين هما من مظاهر الحس الديني للإنسان، إذا كنا نعني بـ "الحس الديني للإنسان" حِسَّه بالواقع النهائي، واهتمامه بالحياة اليومية، تهذيباً وإرشاداً إلى ما هو خير.

يقول كلايف، ليس بوسعي أن ألهو وأخضخض في بُرك الماضي وضَحلِه، قبل الاجابة عن سؤال هو من العبث، "ما هو التبرير الأخلاقي للفن". ويرى أنهم، على حق، أولئك الذين يُلحُّون على أن إبداع الفن يجب أن يُبرر على أساس أخلاقي. فجميع نشاطات البشرية يجب أن تبرر أخلاقياً.

بين اللذة والمنفعة

إن من صلاحيات الفيلسوف أن يطالب الفنان بإثبات أن ما يقوم به هو إما خير في ذاته، وإما وسيلة إلى الخير، وإن من واجب الفنان أن يجيب "الفن خير، لأنه يعلو بنا إلى حالة من النشوة، أفضل بكثير مما يمكن أن يخطر ببال الداعية الأخلاقي بليد الحس، وفي هذا وحده ما يكفي".

  ويوضح كلايف ذلك بالقول إن الداعية الأخلاقي يحقق فيما إذا كان الفن إما خيراً في ذاته وإما وسيلة إلى الخير. وقبل أن نجيبه علينا أن نسأل ماذا يعني بكلمة "خير"، لا لأن لدينا بها أدنى شك، بل لنحمله على أن يفكر.  والحق أن جورج مور قد أثبت، بصفة نهائية تقريباً، في كتابه "مبادئ علم الأخلاق"، أننا جميعا بكلمة "خير" نعني الخير، ولا أكثر، فكلنا نعرف جيداً ما نعنيه، رغم عجزنا عن تعريفه، فكلمة "خير" لا يمكن أن تُعرَّف أكثر مما تُعرَّف كلمة "أحمر"، فـ "الكيفية" لا يمكن أن تُعرَّف غير أننا نعرِف تماما عندما نقول عن شيء إنه "خير" أو "أحمر".

وحسب جورج مور، فإن الفلاسفة التقليديين لا يوافقوننا بحال، حول ما نعنيه بكلمة "خير"، وكل ما هم واثقون منه هو أننا لا يمكننا أن نعني ما نقول. ولا يزالون مغرمين بافتراض أن "الخير" يعني اللذة، أو أن اللذة على أي حالة هي الخير الوحيد الذي يُعد غاية: هاتان قضيتان مختلفان غاية الاختلاف.  أن الخير يعني اللذة، واللذة هي الخير الوحيد، كان هذا رأي أصحاب مذهب اللذة. وما زال هو رأي أصحاب مذهب المنفعة.

مفهوم متناقض

بناء على هذا الرأي يقول كلايف؛ سأوجِّه هذا السؤال إلى من يؤمن بأن اللذة هي الخير الوحيد: هل يتحدث، شأنه شأن جون ستيوارت مل أو شخص آخر سمعتُ به، عن لذات "أعلى وأدنى" أو "أجود وأردأ" أو "رفيعة ووضيعة"؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يدرك أنه قد تخلى عن قضيته؟ إذ عندما يقول بأن إحدى اللذات "أعلى" أو "أفضل" من الأخرى، فهو لا يعني أنها أكبر في "الكم" بل أرفع في "الكيف".

   لكن إذا صحَّ أن اللذة هي الخير الوحيد، لمَا أمكن أن يكون هناك سوى معيار واحد لتقدير اللذات: هو كمية اللذة، ولمَا أمكن لكلمة "أعلى" أو "أفضل" أن تعني غير الاشتمال على لذة أكثر. أما الحديث عن "لذَّات أفضل" بأي معنى آخر، فهو يجعل خيرية الخير الوحيد المعتبرة، كغاية في ذاته معتمِدة على شيء ما هو- بحكم الفرضية- ليس خيراً في ذاته.

إن مل Mill أشبه بشخص جعل صفة الحلاوة هي الصفة الخيِّرة الوحيدة في المربَّى، ثم أعلن أنه يفضل مربى تيبري على مربى كروس، لا لأنها أكثر حلاوة بل لأنها تحوز نوعاً أفضل من الحلاوة. وهو إذ يفعل ذلك يكون قد تخلى عن صفة الحلاوة كمعيار نهائي، ونصّب مكانها صفة أخرى. إذن عندما يتحدث مِل، شأن أي شخص آخر، عن لذات "أفضل" أو "أرفع" فإنه يتخلى عن اللذة كمعيار نهائي، وبذلك يعترف أن اللذة ليست هي الخير الوحيد. إنه يشعر أن بعض اللذات أفضل من بعض، ويقدِّر لكل منها قيمتها، وفق درجة اشتمالها على تلك الكيفية التي تميزها جميعاً، ولكن لا يقدر أحد على تعريفها. فحين نقول: لذات أعلى وأدنى، رفيعة ووضيعة، فنحن نعني ببساطة "لذات" أكثر "خيرا" أو أقل خيراً. فهناك إذن كيفيتان مختلفتان: اللذاذة والخيرية. فاللذة، بين غيرها من الأشياء قد تكون خيرا، ولكن اللذة لا يمكن أن تعني الخير. ونحن لا يمكن بكلمة "خير" أن نعني "لذيذاً"، لأن هناك صفة هي الخيرية، متميزة عن اللذة، بحيث إننا نتحدث عن لذات أكثر أو أقل خيراً دون أن نعني لذات أكثر أو أقل لذاذة، نحن إذن بكلمة "خير" لا نعني اللذة، ولا اللذة هي الخير الوحيد.

اختبار العزلة

    يستنتج كلايف أن من شأن الشيء الذي هو خير كغاية في ذاته أن يحتفظ، على كل حال، ببعض قيمته حين يُعزل عزلاً تاماً: إنه سيحتفظ بكل قيمته كغاية، أما الشيء الذي هو خير كوسيلة فحسب، فسوف يفقد كل قيمته بالعزل. إن ذلك الذي هو خير كغاية سيبقى ذا قيمة، حتى حين تُسلب منه كل نتائجه ولا يُترك له إلا وجودُه المحض. ومن ثم فنحن لن يسعنا أن نكتشف ما إذا كنا حقا نشعر تجاه شيء ما بأنه "خير كغاية" ما لم نتمكن من تصوره في انعزال تام، ونتأكد أن يظل ذا قيمة وهو معزول. إن الخبز خير؛ فهل الخبز خير بوصفه غاية أم بوصفه وسيلة؟ تصور رغيفاً موجوداً في كوكب غير مأهول وغير قابل للسُكنى؛ فهل يبدو كأنه يفقد قيمته؟ إن مثال الرغيف مغالٍ في السهولة بعض الشيء؛ فلننظر في العالم الفيزيائي. إنه يبدو لمعظم الناس خيراً بدرجة هائلة. ذلك أنهم يشعرون نحو الطبيعة باستجابة انفعالية عنيفة، تضع على شفاههم النعت "خير". ولكن هب أن العالَم الفيزيائي لا يَمُت لعقل بصلة، وأنه ليس من شأنه أبدا أن يثير استجابة انفعالية، وليس من شأن أي عقل أن يتأثر به، وأنه ليس له عقل خاص به، فهل يظل هذا العالم يبدو خيراً؟

جواباً على ذلك، يقول كلايف: افترض أيضا أن هناك كوكبين، أحدهما خالٍ من الحياة، وسيظل خالياً أبدا، والآخر توجد به شظة من بروتوبلازم حيٍّ بالكاد ولن ينمو ابداً، ولن يصير واعياً على الإطلاق.

غاية الأفعال الخيرة

    فهل يسعنا أن نقول بحق إننا نحس أن أحدهما خير من الآخر؟ هل الحياة نفسها خير كغاية؟ إن ما يجعل الحكمَ القاطعَ أمراً صعباً هو حقيقة أن المرء لا يمكنه أن يتصور أي شيء، دون أن يشعر نحوه بشيء ما؛ فتصورات المرء نفسها تثير حالات ذهنية وبذلك تكتسب قيمة كوسيلة. فلنسأل أنفسنا بصراحة: هل يمكن لأي شيء ليس له عقل وليس يؤثِّر في أي عقل أن تكون له قيمة؟ كلا بالتأكيد، بينما يمكن لأي شيء له عقل أن تكون له قيمة باطنة، ويمكن لأي شيء يؤثر في عقل ما أن يصبح ذا قيمة بوصفه وسيلة، من حيث إن الحالة الذهنية التي ينتجها قد تكون لها قيمة في ذاتها.  ولتَعزِل في تصورك ذلك الذهن، اعزل الحالة الذهنية للإنسان في حالة حب، أو إنسان مستغرق في التأمل. إنه لا يبدو أنه يفقد كل قيمته، رغم إن قيمته قد تنقص،  فمن الواضح أنه يفقد قيمته كوسيلة لإنتاج  حالات ذهنية خيرة لدى الآخرين. غير أن هناك قيمة معينة تدوم بالفعل، وهي قيمة باطنة.

بناء على ذلك، يرشدنا كلايف قائلا: اعمُر الكوكب الموحش بعقل إنساني واحد، يصبح كلُّ جزء من هذا الكوكب ذا قيمة كامنة كوسيلة، لأنه قد يكون وسيلة إلى ذلك الشيء الذي هو خير كغاية، أعني حالة ذهنية خيرة. إن الحالة الذهنية لشخص في حالة حب أو مستغرق في التأمل تكفي في ذاتها. فنحن لا نعود نتساءل "أي غرض نافع تقدمه هذه الحالة؛ أي شخص تفيده؛ وكيف؟" بل نقول بمباشرة واقتناع: "هو خير".

وختم كلايف بكلام رائع: يجب أن تكون غاية جميع الأفعال الخيرة في النهاية هي أن تخلق أو تحفز  أو تُمَكِّن لحالات ذهنية خيرة. ومن ثم فإن حث الناس على الأفعال الخيرة، بواسطة لوحات إرشادية هو حرفة جديرة بالاحترام، ووسيلة غير مباشرة من أي شيء آخر يمكن للكائن الإنساني أن يمارسه. في هذه الحقيقة، على وجه التحديد، تكمن الأهمية الهائلة للفن: فليس ثمة وسيلة إلى الخير أكثر من مباشرة الفن.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية