تعدد الثقافات وتقارب الهويات مدخل للتسامح والتآخي

على الرغم أن البشر يحملون هُويات عامة وخاصة، إلا أن الهُوية الإنسانية هي المظلة الجامعة بينهم أجمعين، لذلك يتوجب احترام ما يجمعنا، كما يتعين علينا إعادة قراءة تلك الهُويات في ضوء الهُوية الجامعة، خاصة أن الإنسانية المشتركة تفرض التكامل والاندماج؛ حتى نتعايش بسلام. ما يحتم التصرف بروح التضامن، وتفعيل هُويتنا الإنسانية في كل القضايا، فاحترامنا للهويات يجعلها أكثر تقارباً وتعايشاً في إطار الإنسانية.

في كتابه "سياسة جديدة للهوية: المبادئ السياسية لعالم يتسم بالاعتماد المتبادل"، يعالج الباحث الهندي، بيكو باريك، ، قضية "تعدد الثقافات وتقارب الهويات"، في لحظة غير مسبوقة السرعات؛ لجهة انتقال الأشخاص من مكان إلى آخر؛ على المستويين المادي والمعنوي. ما يجعل مسألة المهاجرين، تثير إشكاليات كبرى؛ لدى معظم دول العالم؛ شعوباً وحكومات، حيث تحضر قضية الهوية والدين والعرق والعادات والتقاليد بقوة؛ في نقاش قضية التعايش والتسامح بين المهاجرين والسكان الأصليين.

التنوع الثقافي

 يستهل الكاتب موضوعه؛ بالتأكيد على أن التنوع الثقافي، بات حقيقة حتمية من حقائق الحياة الحديثة، حيث تشير الثقافة إلى نظام متأصل تاريخياً في المعنى والدلالة، يتم على أساسه فهم وبناء جماعة من الناس؛ لحياتهم الفردية والجماعية. فالثقافة توضح معنى ومدلول الأنشطة الإنسانية، والعلاقات الاجتماعية، والحياة بصفة عامة، والأهمية أو القيمة الملحقة بالتعدد أو التنوع. والقول: إن كل مجتمع حديث يتنوع ثقافياً، أو هو مجتمع متعدد الثقافة، يعني أن أعضاءه يوافقون على هذا التنوع، ويعيشون بأنظمة مختلفة المعنى والدلالة، على الرغم من تداخل هذه الأنظمة.

   تتكون المجتمعات الحديثة من مجموعات عرقية ودينية وثقافية متعددة؛ بكل ما يصاحبها من معتقدات وممارسات، ولطالما مُنعت هذه الجماعات من التعبير عن نفسها، باسم بناء الأمة أو الآيديولوجية المهيمنة. أما الآن فيتطلعون إلى ممارسة حرياتهم التي نالوها مؤخراً. فما هي مصادر التنوع؟

مصادر التنوع

يرى بيكو أن الهجرة مثلاً، تُعد مصدراً مهماً للتنوع، حيث تضم الهجرة  العمال المهرة وغيرهم، الذين يجندون أنفسهم لتلبية احتياجات المجتمع، الذي يعيشون فيه ويندمجون مع أفراده الأصليين. فالأفراد من جنسيات متعددة يتحركون من بلد لآخر، وينتج عن ذلك التنوع الثقافي والتعدد اللغوي  والعرقي والديني أو المذهبي. ما يجعل الكاتب يدعو إلى ضرورة الانتباه؛ لتجنب أربعة أخطاء شائعة في نقاش موضوع الهجرة:

  الأول: إن الهجرة ليست هي المصدر الوحيد للتنوع الثقافي، ومن جهة أخرى، لا ينبغي الاعتقاد أن المجتمع كان متجانساً ثقافياً قبل بداية الهجرة، ومن الممكن أن يصبح متجانساً مرة أخرى؛ إذا ما أنهينا الهجرة؛ لأن التباين والاختلاف قائم في السكان الأصليين بين مدينة وأخرى .

  الثاني: بما أن المهاجرين ينتمون إلى جماعات دينية وعرقية ولغوية مختلفة، فينبغي علينا ألا نصبغهم بصبغة عرقية معينة، كما لو كانوا جميعهم سواء، أو نجعلهم متجانسين، ونتجاهل تطلعاتهم المختلفة، ومواردهم الثقافية وأساليبهم المرتبطة بالمجتمع الأشمل.

   الثالث: إن التنوع الثقافي الذي يضيفه المهاجرون، ليس بالضرورة أكثر عمقاً وشمولية، من نظيره الموجود؛ بالفعل في المجتمعات التي تستقبل المهاجرين. فالتنوع الثقافي في هذا المجتمعات، يشمل الأفراد والجماعات الذين لديهم وجهات نظر حول موضوعات كثيرة، مثل: العلاقة بين الوالدين والأطفال والنظام الأسري، وهذا التباين، يُفترض أنه لا يبرر التعامل مع المهاجرين كغرباء؛ إذ كما يوجد لدينا تعدد وتنوع، فالأمر كذلك بالنسبة لهم. وبالتالي  يكون التعدد والاختلاف سنة في هذه الحياة.

   الرابع: اختلاف الهجرة المعاصرة عن الهجرة في العصور القديمة في كثير من الجوانب؛ فالمهاجرون الأوائل كانوا يتركون أوطانهم ويذهبون إلى بلد آخر؛ باعتبارهم لاجئين، فارين من الظلم والاضطهاد الموجود ببلدهم، ويشعرون بامتنان عميق للمجتمع الذي يستقبلهم؛ نظراً لأن هذا المجتمع يمنحهم وطناً جديداً، وفي بعض الحالات يحفظهم من موت محقق، وبالتالي يكون لديهم حماس للاندماج والاستيعاب داخل المجتمع. وعلى العكس من ذلك نجد المهاجرين المعاصرين، غالباً ما يهاجرون طلباً للعمل الذي يعتمد على المهارة في الأساس، لذا فإن علاقاتهم مع المجتمعات المُستقبلة لهم، هي علاقات تعاقدية بصفة عامة. وهم متحمسون لاستعادة روابطهم واتصالاتهم مع أوطانهم الأصلية؛ بخلاف المهاجرين الفارين من جحيم الحروب والكوارث.

الاستيعاب

كيف يمكن التعامل مع موضوع المهاجرين وغيرهم من الأقليات؛ دينية كانت أو عرقية؟

يقدم لنا بيكو مجموعة من المبادئ؛ لترشيد العلاقة بالمهاجرين، نذكر منها:

  لا يمكن لأي مجتمع أن يكون متماسكاً ومستقراً، ما لم يندمج مهاجروه مع الثقافة السائدة، ويصبحوا مثل باقي أفراد المجتمع الأصليين. غالباً ما تروج هذه المقولة. ولكن في الواقع إن هذه الفكرة ليست دقيقة، فالتعايش والتسامح لا يستدعي الفرض على الآخر، التخلي عن عاداته وتقاليده الأصلية؛ لكي يتم استيعابه في المجتمع، وإنما يتوجب استيعابه كما هو، رغم اختلافه عنا في الدين واللغة واللون والعرق، فالأساس هو استيعابه كي يندمج في المجتمع، ويتحقق التعايش معه؛ كأنه مواطن أصلي وليس مهاجراً.

 كذلك، يرى البعض، أن المهاجرين كي يكونوا مقبولين كمواطنين، ينبغي عليهم الاندماج في الثقافة الوطنية للبلد المضيف، ويغيروا هوياتهم المتأصلة فيهم، ويوافقوا على إعادة ميلادهم من جديد ثقافياً. أما إذا تمسكوا بثقافتهم ووطدوا علاقاتهم ببلدهم الأصلي، ومن ثم ظلوا مختلفين، فينبغي عليهم في هذه الحالة ألا يشتكوا، إذا رفض باقي أفراد المجتمع الاندماج معهم.

   هذه فكرة خاطئة وغير مقبولة، ويكذبها الواقع. يقول بيكو "ليس حقيقياً أن الناس يفضلون ويعاشرون من هم من نوعهم فقط، ولو كان الأمر كذلك، فكيف نفسر الصداقات وحالات الزواج والجوار بين أفراد من ديانات وأعراق مختلفة؟ وكيف نفسر أيضا نجاح المجتمعات متعددة الثقافات، مثل كندا وأستراليا والولايات المتحدة؟ في واقع الأمر لا يوجد كائنان متشابهان تشابهاً كاملاً، لا أزواج ولا أطفال، إنما هم يتقاسمون بعض المعتقدات والقيم والميول والاتجاهات، لكنهم يختلفون في بعضها الآخر، ويتعلمون بمرور الوقت أن يحيوا مع هذه الاختلافات، ويجدون متعة ولذة في هذه الاختلافات". ما يعني أن استيعاب الآخر لا يعني سلخه من دينه وهويته وتقاليده، فالاستيعاب الحقيقي هو تحقيق التعايش والتسامح؛ كي يكون المهاجر مواطناً صالحاً داخل البلد المضيف، مساهماً في بنائه.

التكامل

  كمرحلة أكثر تقدماً من الاستيعاب، تم اقتراح مبدأ التكامل؛ كنموذج بديل للاستيعاب. ويصر "أنصار التكامل بحق على أن المهاجرين، ينبغي أن يلزموا أنفسهم بمجتمعهم الجديد، وأن يحترموا مؤسساته وقيمه، وأن يكون الولاء الأساسي لهذا المجتمع، وأن يقيموا روابط مع أعضاء المجتمع الآخرين؛ كإشارة جادة إلى استعدادهم؛ لأن يصبحوا أعضاء في المجتمع، يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات".

إن أنصار التكامل لا يقفون عند هذا الحد، بل يرون أن عملية التكامل هذه ذات اتجاه واحد؛  بمعنى أن عبء التكامل يقع على عاتق المهاجرين، ومن ثم يوجه اللوم لهم وحدهم عند فشل التكامل. وحسب هذا الفريق، فإنه لو اندمج المهاجرون في المجتمع، واحترموا القوانين وتفاعلوا اقتصادياً وسياسياً، لكنهم قصروا التزاوج فيما بينهم – مهاجر يتزوج مهاجرة- فأنصار التكامل يرون أن هذا الاندماج جزئي؛ بل يعتبره البعض، دلالة على الانفصالية ورفض للتكامل الكلي. وفي نظر بيكو أن أصحاب التكامل وفقاً لرؤيتهم قد جانبوا الصواب؛ لأنه لا يمكن، على سبيل المثال، أن نفرض على المهاجرين الزواج المشروط، أي الزواج قهراً؛ بمواطنة من البلد المضيف، أو نمنع مسلمة مثلا من ارتداء الحجاب، فهذه أمور ترتبط بالحريات الشخصية، ولا يمكن إدخالها ضمن نقاش مسألة التكامل.

العقد الأخلاقي

  ولكن، بدلاً من التساؤل، عن كيفية استيعاب وتكامل المهاجرين، علينا أن نسأل: كيف نستطيع أن نصبح؛ كمواطنين متساوين، وتربطنا بباقي أفراد المجتمع، روابط الانتماء المشترك؟ يقول بيكو إن "الانتماء إلى المشاعر المشتركة على وجه العموم بين المواطنين، الذين يشكلون جزءاً من المجتمع نفسه، وينتمون معاً إلى هذا المجتمع، ويتقاسمون المصالح المشتركة، ويرتبطون ارتباطاً وثيقا ببعضهم البعض، عن طريق منظومة من الحقوق والالتزامات، ويعتمدون على بعضهم البعض، من أجل الوصول إلى رغد العيش، ويرغبون أن يحيوا معاً بسلام في المستقبل المنظور. يعطي عمقاً عاطفياً للمواطنة". وبالتالي يمكن التأكيد أنه كلما توفرت مشاعر مشتركة، فيعني ذلك أننا أمام أخوة إنسانية جامعة، تقضي على كل التوترات التي يمكن أن تحدث.

لذلك يرى الباحث أن الاستيعاب والتكامل هما وسيلتان، وليسا من الغايات، وينبغي أن يتم البت في طبيعتهما وأشكالهما وحدودهما، عن طريق قدرتهما على خدمة أهدافهما الكلية، في سياق العلاقات المتغيرة؛ باستمرار بين المهاجرين والمجتمع الأوسع؛ لأن "عملية الانتماء المشترك تسير في اتجاهين وليس في اتجاه واحد. فالمهاجرون لا يستطيعون أن ينتموا إلى أي مجتمع، ما لم يتم تهيئة هذا المجتمع؛ للترحيب بهم، وعلى العكس من ذلك لا يستطيع المجتمع أن يدمج هؤلاء المهاجرين؛ ما داموا لا يرغبون في الانتماء لهذا المجتمع. الانتماء المشترك لا يستلزم اتفاقاً في الآراء حول ما يُتوقع عمله من كل جماعة، ومن الممكن أن تتحقق هذه الأشياء فحسب؛ إذا اضطلع كل جانب بنصيبه من عهد أخلاقي".

حريات والتزامات

 إن المهاجرين يعبرون عن التزامهم؛ نحو المجتمع المضيف بطرق عديدة، إذ "ينبغي عليهم أن يقدروا قيمة استيعابهم وتكاملهم ورغد العيش الذي يعيشون فيه، وأن يحترموا السلطة والقوانين، وأن يؤدوا بصفة عامة التزاماتهم كمواطنين. وينبغي أن يساهموا في الحياة العامة، وأن يشتركوا في المسؤولية الجماعية، وأن يجدوا وظائف مربحة، كما ينبغي أن لا يسيئوا استخدام شروط الرفاهية المتاحة، وهكذا.. المشاركة في الحياة العامة لا تعني أنهم يعيشون أو يتزوجون من بعضهم البعض، أو يرسمون مجالات ثقافية مجتمعية؛ بطريقتهم الخاصة بهم، أو يعيشون حياة منفصلة جزئياً. فالزواج والحياة الثقافية، وما شابه ذلك، هي أمور فردية قائمة على الاختيار الفردي، ولا ينبغي أن تكون عرضة للإرغام القانوني والضغط الاجتماعي. وبما أن المواطنين الآخرين لديهم مطلق الحرية في أن يعيشوا حياتهم الاجتماعية والثقافية، كما يروق لهم، فإن إنكار هذا الحق على المهاجرين، يُعد من قبيل المعاملة غير المتكافئة. وطالما يشارك المهاجرون في الحياة العامة للمجتمع، ويؤدون التزاماتهم وواجباتهم كمواطنين، فإن حياتهم الشخصية والاجتماعية هي شأن خاص بهم". وهذه ملاحظة دقيقة، فلا يمكن أن نلزم الآخر بأمور خارج طاقته، خصوصاً عندما تكون متعلقة بالحرية الشخصية.

وهكذا، نصل إلى نتيجة مفادها، أن الشعور بالانتماء المشترك يكون أيسر عندما تشعر الأقلية والأغلبية؛ بسلام مع أنفسها ومع الآخرين. أما إذا شعرت الأقليات بالتهديد والحصار والخوف على مستقبلهم، فسوف يضمرون هذا في أنفسهم، ويصبحون في موقف دفاعي، ويؤثرون العزلة وعدم الاتصال؛ بباقي أفراد المجتمع، إلا في أضيق الحدود. وهذه حقيقة تنطبق، حسب بيكو، على الأغلبية أيضا، فإذا شعرت أنها لم تعد مسؤولة عن مستقبلها، وأن أسلوبها في الحياة معرض لتآكل لا هوادة فيه، فسوف يتولد لديها شعور بعدم التسامح. لذا، يكون أمامها خياران: إما غلق باب الهجرة، وهو أمر يصعب تحقيقه، وإما أن تقع فريسة؛ لمشروع استيعاب غير واقعي، يفسد نفسه بنفسه.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية