فن العيش معاً .. أنا أتحاور مع غيري

يشكل الحوار الصحي جوهر إنتاج ثنائية الأنا والآخر، عبر مفاهيم إيجابية، تفتح أبواباً للتعايش السلمي والسلام المجتمعي، في إطار من التداول الخصب للمعرفة، التي تراعي تباين التأويل والتفاعل الخلاق بين المُختلفات. هذا ما يقوله الكاتب علي حرب، في كتاب "العالم ومأزقه: منطق الصدام ولغة التداول".

     لاشك أن الكتاب غني بالموضوعات، المتمحورة حول الأزمات التي يعرفها المشهد العالمي، مثل العنف والإرهاب، وكذلك موضوع العولمة وأزماتها، والعلاقة بين الإسلام والغرب، وقضية حوار وصدام الحضارات. لكن اللافت للنظر، هو تناول موضوع "فن العيش معا"، الذي يُعد من الموضوعات الهامة والأكثر إشكالية. ما يجعلنا نتساءل: كيف يمكننا العيش معا؟ وما السبيل لذلك؟ هل عبر تجاهل بعضنا البعض أم عبر ثقافة الحوار؟

  لا جدال في أن الحوار هو من القضايا الرئيسية، التي تستأثر باهتمام الإنسان المعاصر، وذلك على صُعد عدة، يذكر الكاتب منها ما يلي:

أولا، على "صعيد ثقافي إنساني، كما في الحوار بين الحضارات أو بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب. ثم على صعيد ديني عقائدي، كما في الحوار بين الإسلام والمسيحية، أو بين السنة والشيعة، أو بين الكنيسة الغربية والكنيسة الشرقية، أو بين أهل اللاهوت وأنصار العلمانية، ثم على صعيد سياسي مدني، كما في المناقشات الديموقراطية بين الكتل البرلمانية، أو الأحزاب السياسية، أو الهيئات النقابية والمنتديات الثقافية. وأخيراً على صعيد وجودي، ذلك لأن الإنسان بوصفه ناطقاً، إنما يمارس علاقته بوجوده كفعل تواصلي؛ عبر المحادثة مع الآخر. بهذا المعنى يشكل الحوار بُعدا من أبعاد الكينونة، خاصة إذا كان تعارفا أو تداولا معرفيا، حول معاني الكينوية والهوية والإنسان والحوار، "فالحوار ضرورة تفرض نفسها شئنا أم أبينا، إلا أن رفضه يعني لن نعيش بسلام، وهنا مربط الفرس.

المثقفون والحوار

  لأهمية الحوار في قبول الآخر والعيش معاً جنبا إلى جنبا، يقدم علي حرب صورة عن الوضع في لبنان، وانشغال الناس؛ بشكل خاص؛ بالحوار بين المسيحية والإسلام. يقول "بالطبع لا يهتم كل الناس بمثل هذا الحوار، وإنما ينشغل به المثقفون من دعاة بناء المجتمع المدني والدولة العلمانية، كما ينشغل به؛ بنوع خاص، رجالات الدين من علماء اللاهوت والفقه أو من رؤساء الطوائف والمذاهب، أي الذين ينتجون أساساً الاختلاف؛ بوصفهم حراس الهويات الثقافية، أو حماة الخصوصيات الثقافية". ويرى أن المشكلة ليست في الحوار بين المسيحية والإسلام. وإنما القضية الأساسية هي مشكلة العلاقة بين الأنا والآخر. فيتساءل: كيف يمكن للمرء أن يدير اختلافه عن سواه، وأن يمارس هويته بصورة عقلانية تواصلية؟

 يجيب الكاتب معتبراً، أن "مسألة الهوية، كعلاقة بذات النفس والغير، هي أعقد مما نحسب. إنها مسألة وجودية في نهاية التحليل. ذلك أن الآخر هو ما لا قوام لنا إلا به. ولذا فالعلاقة به هي ضرورية بقدر ما هي ملتبسة. هي ضرورية لأنه ما دام المرء يرمز ويتكلم أو يفكر ويعمل، إنما يحتاج إلى آخر يعينه ويقصده، أو يتجه إليه ويواجهه، أو يقيم معه علاقات تواصل وتفاهم أو تبادل وتداول. وقد تكون العلاقة في حدّها الأقصى علاقة تلاحم، إما من فرط الألفة والمودة، وإما من فرط الكره والعداوة، أي علاقة حب أو حرب". يعني ذلك أننا لسنا وحدنا، فلا أحد يشبه الآخر إلا في الانسانية أما الاختلاف فسنة كونية.

   ما يعني أن المرء، حيثما ولّى وجهه لا يجد سوى الآخر، أكان شقيقا أم غريبا، صديقا أم عدواً، أخا في الطائفة أم زميلا في المهنة، شريكاً في المواطنة أم نظير في الإنسانية. وهذا يعني بدوره "أن كل وعي للذات هو في الوقت عينه وعي بالآخر، آخر واقعي أو متخيل، لا انفكاك لواحدنا عنه؛ فيما يفكر فيه أو يقوله أو يسعى إليه".

أرض خصبة

   تساؤل آخر يطرحه علي حرب: هل العاملون في القطاع الثقافي هم أكثر قبولا للآخر من سواهم؟ وفي جوابه يقول: لا أعتقد ذلك. ودليله "أن الساحات الثقافية هي أرض خصبة؛ للحروب الرمزية ولاستراتيجيات الرفض والإلغاء، وذلك حيث الكلمات الجارحة، هي أحيانا، أقسى وأشرس من الرصاصات القاتلة. والحقيقة أن الشبيه ليس هو دوماً الفردوس، ولا المختلف هو دوما الجحيم. فالعلاقة بين الأنا والآخر متعددة الوجود، مركبة الأصعدة؛ بقدر ما ينطوي الوجود على انشقاق، والمعنى على التباس، والفكر على توتر. من هنا، العلاقة بالآخر هي في أساسها مشكلة وجودية، حيث يحتاج الحوار إلى إعادة النظر في المفاهيم، التي تنبني عليها ثنائية الأنا والآخر. ويكون ذلك، حسب الكاتب، عبر الخطوات التالية:

1- أول ما يمكن عمله، هو فك الارتباط بين الفكر وبين ديكتاتورية الحقيقة، إذ لا أحد يقبض على حقيقة الواقع كما هو. وإنما نحن نغيّر الواقع ونعيد تشكيله؛ بخلق الوقائع، وإنتاج الحقائق في مجال من المجالات. ف"هذا شأن الذي يخترع أداة من الأدوات، إنه يحدث تغييرا في علاقته بالأشياء؛ بقدر ما يخلق مجالاً للفعل والتأثير. وهذا شأن الذي يبدع صيغة سياسية، إنه يغير واقعه المجتمعي؛ بقدر ما يخلق مساحة للتداول والتواصل. وهذ شأن الذي يبتكر مقولة فلسفية، إنه لا يدرك بواسطتها صورة مطابقة لواقع الأمر، وإنما يخلق؛ بلغته المفهومية، عالما فكريا يتغير به العالم نفسه".

2- التخلي عن ديكتاتورية الحقيقة، وجهه الآخر، هو التخلي عن أمبريالية المعنى وأحادية الفكر. بحيث يتوقف الادعاء؛ بامتلاك معنى نص من النصوص أو حدث من الأحداث؛ لكي ينفتح المعنى على التعدد والتنوع، أو على النسخ والتبدّل. فما دامت الحقيقة لا تُفهم إلا على سبيل الخلق والإنتاج، فالمعنى لا يدرك إلا كتفسير وتأويل، أو كصرف وتحويل.

ثراء التعددية

  يرى علي حرب أن هذا ما تشهد به المواقف من الأحداث، بمعنى أن فهم ما يحدث ليس  قبضاً على ماهية مسبقة أو إدراكاً لحقيقة متعالية؛ بقدر ما هو التعاطي مع الحدث، من حيث ما يستخرج أو يجترح منه من الإمكانات، إما بفتح توجه وجودي أو استحداث أفق للمعرفة أو افتتاح خط للعمل. وهذا أيضا ما تشهد به العلاقة مع النصوص. فقراءاتها هي تفاسيرها المختلفة أو شروحاتها المتعاقبة أو نسخها المتعددة، أي سلسلة تأويلاتها التي لا تتوقف. وكل تأويل جديد، هو إعادة صياغة للمعنى، باقتحام مناطق جديدة للتفكير أو اشتقاق أدوات جديدة للتعبير. وهكذا لا سبيل إلى إدراك المعنى نفسه مرتين، تماما كما لا ينزل المرء نفسه النهر مرتين. وإنما الممكن دوما هو إدراك المعنى، أي إنتاج المعنى على سبيل الإحالة والزحزحة أو الخرق والتجاوز أو النسخ والتبديل. وهذا ما يفتح أفق التفكير واكتشاف الجديد، حيث يكتشف التأويل منافذ خادمة للإنسانية، خلافاً لتلك التأويلات الخطرة، المنافية لقيم التعايش.

منابع دلالية

  هذا التفجير للمعنى؛ بتعبير علي حرب، يؤول إلى رفع اليد عن النصوص المقدسة، وعدم احتكار الكتب الدينية، بحيث تُعامل بوصفها منابع دلالية، يمكن استلهامها أو حقولا معرفية، يمكن التنقيب فيها، أو رؤوس أموال رمزية، يمكن استثمارها، سواء من الناحية العقائدية والتشريعية، أو الروحية والخلقية، أو المعرفية والجمالية.

   ويرى أنه على هذا النحو، يمكن التعامل مع التوراة والإنجيل والقرآن. "فهي على الرغم من خصوصية لغاتها والناطقين بها، إنما هي كتب مصوغة؛ بلغة الغيب؛ لكي توجه الإنسان. ولا داعي لأن تحتكرها طائفة أو فرقة، أو تدعي امتلاكها هيئة أو مؤسسة، إذ هي سلع رمزية توضع برسم التداول للجميع. بهذا تتحول العلاقة مع عالم الله وأنبيائه وكتبه، من ملك خاص بديانة أو طائفة، إلى ملك عام، أي إلى مشاع معرفي، لا أحد أولى به من أحد. الأمر الذي يقوضّ الأسس، التي تقوم عليها الدعاوى والتهم المتعلقة؛ بالإساءة إلى المقدسات الدينية، وعلى نحو يلغي قاعدة الارتداد من أساسها، بإطلاق حرية الاعتقاد؛ لكي يؤمن من شاء أن يؤمن، أو يكفر من شاء أن يكفر، بل لكي يمارس كل فرد إيمانه، على طريقته، وبحسب تجربته وميدان عمله". لكن لا بد من الإشارة إلى أن الوصول إلى هذا المبتغى يحتاج إلى تربية وتعليم؛ لسنوات وسنوات، وهنا يأتي دور مؤسسات الدولة، فمن وجهة نظري، يجب أن تشرف الدولة على الحقل الديني، حتى لا تترك الساحة مفتوحة على مصراعيها للمغرضين.

   لا شك، أن المفكر علي حرب يعلم جيدا، خطورة التعامل مع النصوص الدينية، خاصة في جانب الـتأويل. فهناك تأويل للنص من أجل نشر خطاب التعايش معاً، وهناك تأويل آخر للنص، قد ينشر خطاب للتعايش فقط، داخل الطائفة الواحدة، ولكنه يقوم على إقصاء الآخرين.

3- ما سبق، يقود إلى إعادة النظر في مفهوم الوحدة بين النظراء؛ لإعادة بنائها من جديد. بمعنى أن الوحدة تنطلق من الاختلاف وتنبني عليه.

إنسجام المختلف

   آية ذلك، أنه لا يوجد أساساً، في الواقع الحي والمعاش أو المتحرك والمضطرب؛ سوى الفرق والاختلاف أو التفاوت والتفاضل، وسواء تعلق الأمر بأسرة أو أمة، شركة أو دولة، وطن أو معمورة. تلك هي بنية الواقع؛ سواء أكان عينياً أم ذهنياً، سياسياً أم اقتصادياً. ولذا فمن المستحيل التطابق بين شيء وشيء، أو بين شخص وشخص، كما يستحيل التطابق بين صعيد وصعيد، أو بين حقل وآخر. الممكن هو العمل على ابتكار الصيغ والتراكيب، التي تتيح جمع المتفرق وتوليف المختلف؛ بخلق القيم التبادلية والأفكار الوسطية، أو بناء المنظومات التواصلية والعقلانيات المفتوحة.

 هذا الأمل الذي ينتظره كل من يؤمن بالتعايش، لا يتحقق إلا بالحوار والتواصل، وليس بالانغلاقية والوحدة. يقول علي حرب "فالواحد منا لا يتحاور مع الآخر لأنه يشبهه أو لكي يصير مثله، ولا لكي يتطابق معه في الفكر والموقف. بالعكس أنا أتحاور مع غيري لكي أتعلم منه أو أتبادل معه، أي لكي أتقن فن العيش معه وبواسطته، بحيث أتغير معه عما أنا عليه؛ بقدر ما أسهم في تغييره، عبر ما نخلقه سويا من المناخات والمساحات أو اللغات والمجالات. ولهذا، لا يرمي الحوار إلى التطابق في وجهات النظر بين المختلفين؛ بقدر ما يرمي إلى خلق مناخ للتعايش، أو وسط مفهومي، أو مجال عام، أو قيمة تبادلية، أو فسحة تنويرية". فالحوار يترتب عنه إذن التعايش في إطار الاختلاف وهذا هو مبدأ الحوار الحقيقي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية