حرية التفكير والتسامح

الفكر هو محور إشعاع الحضارات البشرية، والأمم التي تختار وأد التفكير، وتقييد حرية الفكر، تحجب عن نفسها الرؤية، وتعيد سياقها الحضاري إلى الوراء، متجاهلة التقدم الهائل، الذي تزهو به البشرية في هذا المضمار. هذا ما يحاول أن يقوله جون بيوري فيكتاب "حرية الفكر".

   الشائع بين الناس أن الفكر حر طليق؛ بدليل أن الإنسان لا يمكن أن يمنعه مانع عن التفكير فيما يشاء، طالما هو لا يفعل شيئا في سبيل التنفيذ، هو حر، يستطيع أن يفكر كيفما أراد في حدود مواهبه الخاصة، وفي حدود نصيبه من اتساع الخيال.

  في نظر بيوري أن هذه الحرية الفكرية الطبيعية الشخصية، ليست ذات قيمة تستحق الاعتبار؛ لأنها حرية لا تجدي نفعاً للشخص عينه أو لجيرانه، لا بل هي حرية مؤلمة للإنسان المفكر، ما دام لا يقدر على إيصال أفكاره للناس، وما دام لا يستطيع بغير جهد جهيد، أن يكبت أفكاراً قوية ويخفيها في الظلام.

   ما يريد الباحث قوله هو أن حرية الفكر والتفكير، تعرف عقبات المنع والحجر، وهذا مناف للطبيعة البشرية، ومنافٍ كذلك للنص الديني، الذي يدعو إلى إعمال العقل، إلا أن إعمال هذا الأخير، يستدعي فتح الباب؛ للكلام بحرية في إطار القوانين والأعراف، حسب خصوصيات البلدان؛ حتى لا تكون تلك الحرية، وسيلة لنشر أفكار منافية، لقيم التسامح والتعايش.

الفكر الطليق

    في الفصل الثاني، "الفكر الطليق عند الإغريق والرومان"، يقول المؤلف: لو سئلنا عن فضل الإغريق على الحضارة، لقفزت أمامنا آثارهم في الآداب والفنون الجميلة قبل كل شيء. ولكن النظرة العميقة الفاحصة تبين لنا أن فضلهم السابغ علينا، هو ابتداعهم حرية الفكر وحرية المناقشة. لقد كانت طلاقة الروح هي طابع تأملاتهم الفلسفية وتقدمهم العلمي(...) لقد كانت مذاهب الأبيقوريين والرواقيين والشكاك، تهدف كلها إلى ضمان الهداية والسكينة للنفس الإنسانية"، وهو ما انعكس كذلك على الجانب السياسي، فبات الاتجاه العام للسياسة الرومانية، يجنح إلى التسامح مع الأديان والأفكار، في جميع أنحاء الإمبراطورية.

 

الفكر والأغلال

  يرى بيوري في الفصل الثالث "الفكر في الأغلال - القرون الوسطى" أن هذا العصر خطير. حيث "قرر قسطنطين أن يعتنق الديانة المسيحية بعد عشرة أعوام على صدور مرسوم التسامح. وكان هذا القرار الخطر، فاتحة لألف عام، عاشها الفكر في الأغلال، واستعبد فيها العقل استعباداً بيناً، وتوقفت فيها حركة العلم والعرفان". وقبل ذلك كانت الطائفة المسيحية منبوذة على مدى قرنين من الزمن، وكان أبناؤها يطالبون بالتسامح، محتجين بأن الإيمان الديني، أمر اختياري، لا يمكن فرضه على الناس. لكنهم بعد مسحنة قسطنطين باتوا أغلبية، فهجروا مبدأ التسامح هجراناً مطلقاً، وقالوا لا خلاص خارج الكنيسة، فهي الوحيدة القادرة عليه. ولا شك أن الدول الداعمة والراعية والداعية اليوم للتسامح، تعي تمام الوعي ذلك التاريخ، مستفيدة منه في تحديد المنهج الصائب، الذي يساعدها على تحقيق الهدف؛ دون انعكاس ذلك في المستقبل، على السير العام الديني والاجتماعي والسياسي.

تباشير الإصلاح

   في لفصل الرابع الذي يحمل عنوان "تباشير الإصلاح: عصر النهضة والإصلاح الديني" يتناول بيوري تلك الحركة العقلية والاجتماعية، التي بدأت في إيطاليا في القرن الثالث عشر. والتي كان من شأنها أن تبدد ظلمات القرون الوسطى، وتمهد الطريق لإنقاذ العقل من سجنه، فبدا قناع الضباب الذي نسجته سلامة النية وسذاجة الأطفال، الذي ظل معلقا على أرواح الناس، مانعاً لهم من فهم أنفسهم، وفهم العالم من حولهم، وبدأ ذلك القناع حينئذ في الزوال، وبدأ الفرد يحس بفرديته المتميزة. ويشعر بقيمته كإنسان له كيان. من هنا جاء ذلك التحول، الذي ما لبث أن امتد من إيطاليا إلى شمال أوروبا، الذي عرف باسم حركة النهضة.

   يرى بيوري أنه لم يكد يشعر الناس؛ بأنهم قادمون على عصر للحرية حديث في ذلك الحين، ولم تُحدث ثقافة "النهضة"؛ لأول وهلة ثورة عقلية صريحة عامة على المعتقدات السائدة، فالعالم رغم اتخاذه مظهر النفور، شيئا فشيا من تعاليم القرون الوسطى المسلم بها، لم ينفجر سخطا عليها، ولم تُعلن الحرب المنظمة بين الدين والسلطات الحاكمة، إلا في القرن السابع عشر. ومع ذلك يقول، "إن أصحاب "المذهب الإنساني" لم يخاصموا النقل والرواية الدينية، ولم يعارضوا مبادئ الدين، ولكنهم اكتشفوا لذة إنسانية خالصة في تأمل هذه الدنيا".

التسامح الديني

   في الفصل الرابع المعنون ب"التسامح الديني"، يستدعي بيوري حدثاً ضاربا في عمق التاريخ، فيروي حكاية من الموروث الشرقي، تقول: كان في القرن الثالث قبل الميلاد، ملك هندي يدعى "أزوكا"، وكان رجلاً ذا حمية دينية، ولكنه فسيح جنبات النفس. وحدث أن قام الصراع في عهده بين دينين متنابذين، هما "البرهمية والبوذية"، فما كان منه إلا أن قرر أن ينال هذان الدينان في ملكه، نصيباً متعادلًا من الحقوق، وأن يكونا في سمو المنزلة المقدرة عينها. وقد اشتهرت أوامره في هذا الشأن؛ بأنها أول مراسيم التسامح المعروفة". ويعني تأويل الحكاية، أن مبدأ التسامح ضروري في كل زمان ومكان، فبه يمكن تجنب الكوارث والحروب والعنف، وبه يتحقق السلام والتآخي والمحبة.

  لقد أثار النزاع الديني في القرن السادس عشر هذه الإشكالية، في صيغتها الحديثة التي ظلت أجيالا كثيرة، تعتبرها في عداد المشكلات الهامة، التي اعترضت رجال السياسة، وكانت مدار أبحاث ورسائل متناقضة لا حصر لها، حسب تعبير بيوري.

  يفصل المؤلف؛ بدرجات التسامح، حيث يقول: "إن التسامح معناه حرية دينية ناقصة، وللتسامح درجات متعددة، فإنه قد يمنح لطوائف مسيحية معينة ولا يمنح لغيرها. وقد يمنح للأديان جميعاً ولا يمنح للمفكرين الأحرار، أو يمنح لمن يؤمنون بالله؛ دون الرسل، ولا يمنح للكافرين، وقد يفهم من التسامح منح بعض الحقوق المدنية، وقد يعني حرمان من يتمتعون بالتسامح من الوظائف العامة، أو من احتراف بعض المهن".

تعقيبا على ذلك نقول: لا يمكن إنكار حساسية تلك الظرفية، وهي مختلفة عن عصرنا الحالي، ولعل هذا ما يفسر لنا اليوم، قبول الناس فكرة التسامح مع الجميع دون استثناء، مع العلم أننا في مرحلة التأسيس؛ لتسامح يؤدي إلى المؤاخاة الإنسانية، ولا شك أننا سنصل في يوم من الأيام، إلى جعل البشرية تفكر بمنطق الذات الكبرى؛ بوصفها ذاتاً واحدة، رغم الاختلاف في الدين واللغة واللون.

  يقارن بيوري بين ألمانيا وغيرها؛ بخصوص التسامح، فيقول: حدث في ألمانيا، كما يحدث في كل مكان، أن اعتبارات المرونة السياسية أعانت على ازدياد التسامح وخاصة في بروسيا. وحدث، كما يحدث في غير ألمانيا، أن الدفاع النظري عن التسامح ترك تأثيراً عظيماً في الرأي العام، لكن المدافعين عن التسامح في ألمانيا، بنوا دفاعهم في الأغلب على أسباب قانونية، على خلاف ما حدث في إنجلترا وفرنسا، حييث بني الدفاع على أسس خلقية وعقلية. كان المفكرون الألمان يرونه مسألة قانونية، وكانوا يناقشونها من حيث العلاقات القانونية بين الدولة والكنيسة". ويخلص الكاتب إلى أن الحرية باتت "أرحب جناباً وتسامح العقيدة أوسع مدى"، في ألمانيا وإنجلترا وإيطاليا، حيث الكنائس السائدة تحت إشراف الدولة. ما يعني أن رعاية الدولة؛ كمؤسسة رسمية، يساعد في تحقيق التسامح، ويقطع الطريق على أصحاب الفكر الأحادي الإقصائي، الذين لا يتسامحون إلا مع من يؤمن بفكرهم. 

ازدهار فكري

   في الفصل السادس والسابع، يتحدث بيوري عن "نمو المذهب العقلي وازدهاره"، وأبرز اشتغال المفكرين؛ بالكتاب المقدس، واهتمامهم بالأمور الدينية؛ باستخدام العقل. ويذكر لنا مثال فولتير، الذي اعتقد طيلة حياته أن طبيعة الكون، تثبت أنه مصنوع بيد مهندس، ذي عقل وإرادة، "مقتنع بأن الإيمان بوجود إله، لابد منه لضمان الأخلاق، ولهذا فقد كان يقاوم الإلحاد في حمية وحماس. وإن أهم آثاره تتجلى في جهوده الفعالة في قضية التسامح".

   لا شك أن استخدام العقل؛ بكل حرية، يفتح أفاقاً جديدة للتسامح. وهو ما يلاحظه الكاتب، حيث يقول: لقد نما التسامح في الأمم الأوروبية المتحضرة نموا مطرداً (ولست أعني التسامح القانوني بل تسامح الرأي العام)، خلال السنين الثلاثين الأخيرة، وقد كتب "لورد مورلي" منذ جيل واحد يقول: إننا قد وصلنا بصعوبة إلى مرحلة أولية، هي المرحلة التي يسمح فيها الرأي العام؛ لمن يشاء من الناس، أن يزاول حقه المطلق في تكييف معتقداته الشخصية، مستقلة عن معتقدات قومه، إننا اجتزنا الآن، فيما أحسب، هذه المرحلة". بلوغ هذه المرحلة من الحرية وإن كانت شاقة، فإنها حققت هدفها، وهو العيش في سلام مع الآخرين.

   وختم بيوري كتابه بفصل ثامن عنونه بـ "حرية التفكير وقيمتها"، مؤكداَ على أن مبدأ حرية الفكر، إذا ما تقرر يوما؛ باعتباره أقصى مراتب التقدم الاجتماعي، خرج من مجال الأمر العادي، إلى مجال الأمر السامي الجليل، الذي نسميه "عدلا" أو بعبارة أخرى، يصبح حقا، يستطيع كل إنسان أن يستند إليه(...). لقد "لقد انتهى الصراع بين المعقول" والمنقول، إلى نتيجة نستطيع أن نسميها، انتصارا حاسما وطيدا للحرية. وقد اعترفت الأمم الضاربة؛ بسهم في الحضارة، بحرية المناقشة؛ كمبدأ رئيسي جوهري، بل إنه ليمكن القول، إنه يعتبر اليوم مقياساً للتنور.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية