التسامح .. رؤية إنسانية تزهر الحياة

التأمل هو الزهرة والتسامح هو العطر. هذا هو الأمر، فالزهرة تتفتح، والعطر تحمله أكف الريح في كل الاتجاهات، تمضي به إلى أبعد نقطة في الأرض. فيما يتوقف كل شيء على تفتح زهرة الذات. هذا ما يحاول أن يقوله أوشو في كتاب "التسامح".

 

   يرى الكاتب أن البشر يمتلكون القدرة على التفتح كما الورود، "ولكن، إن لم تزهر ذات الإنسان، فمن المستحيل أن ينتشر العطر، عطر التسامح والعطاء. ولن يختبر أحد رائحته. إنه ليس نظاماً، وليس بمقدورك تدبر أمره. إنه أبعد.. أبعد بكثير مما تعتقد أو تتخيل". يعتقد أوشو أن التأمل هو باب تفتح الذات، ويفترض أنك "إذا مارست التأمل يوميا، وفجأة، أصبحت واعيا لظاهرة جديدة، ظاهرة غريبة كليا، تنبع من ذاتك، هذا يعني أن التسامح يفيض باتجاه جميع أنحاء الوجود، من دون توجيه، دون تحديد لمساره، إلى أبعد حدود الوجود". ما يعني أن الوصول إلى التسامح رهين بإرادة الإنسان، فإذا لم يكن هذا الأخير مريدا للتسامح والتعايش، فلن يكون هناك أي تسامح.

  ويوضح الكاتب أنه من دون تأمل، تبقى الطاقة نوعاً من العاطفة، ومعه، تتحول الطاقة إلى تسامح.. إلى عطاء. فالعاطفة والعطاء ليسا طاقتين منفصلتين، وإنما طاقة واحدة، حالما نعبر مرحلة التأمل تتحول، وتتخذ شكلا جديدا، وتظهر بنوع مختلف جدا عما كانت عليه.  التأمل حسب أوشو هو الزهرة، و"وللزهرة جذورها، المتواجدة فيك، أما حين يتحول التأمل إلى تسامح، إلى عطاء، إلى رحمة وشفقة وحنان، يكون قد قطع كل صلة بالجذور، وهذا ما يمنحه حرية الحركة، حرية الذهاب إلى حيث يشاء، أو إلى حيث تأخذه الريح". 

يرى الكاتب أن التسامح غير مرتبط بالزهرة. إنه يأتي منها، لكنه ليس من الزهرة. إنه ينتشر من خلالها، فالزهرة إذن هي مجرد ممر له، لأنه في الحقيقة ينبعث مما هو وراءها وأبعد منها، لكنه لا يأتي من دونها. إنها ضرورة لوجوده، مع أنه لا ينحني إليها، حالما تتفتح الزهرة، ينعتق التسامح ويصبح حرا. هذا ما يجب عليك فهمه بعمق، لأنه إذا ما عرفت كيف تبدأ اختبار التسامح، فلن يكون هناك عطر، التسامح دون فهمه هو العاطفة ذاتها، إنما باسم جديد. إنه الرغبة التي تقف وراء الطاقة، فتفسدها، والتي قد تصبح مصدر خطر للآخرين".

   يفرق أوشو بين العاطفة والتسامح، "العاطفة تتجه نحو الأسفل، والتسامح، يتجه نحو الأعلى. العاطفة تتحرك ضمن الرغبة، التسامح يتحرك بعيدا عن الرغبة. العاطفة، تلهيك عن المآسي التي تعاني. التسامح احتفال رائع، إنه رقص على إيقاع الحياة، إنه الامتلاء بالفيض، بالنور الذي يمكنك مشاركته الآخرين". ما يعني أن العاطفة مرتبطة بالذات، بينما التسامح يجمع الذات بالذوات الأخرى. وبالتالي إذ لم نعرف كيفية اختيار التسامح، فلن يكون هناك عطر، ويصبح آنذاك التسامح كنوع من العاطفة.

 

 ادعاء الوداعة ليس تسامحاً

في الحديث عن هذه الجزئية المتعلقة بالوداعة والتسامح، يقول أوشو "لا يمكن للأعمى أن يقود أعمى. أولئك القابعون في الظلمة، لا يمكنهم إخراج الآخرين إلى النور. أولئك الذين لا يعرفون الخلود، لا يمكنهم مساعدة الآخرين على التخلص من الخوف من الموت. أولئك الذين لا يعيشون حياتهم بكليتها وبشغف، أولئك الذين ينشدون الأغاني غير الصادرة من القلب، أولئك الذين ابتسامتهم مرسومة على شفاههم، لا يمكنهم مساعدة الآخرين ليكونوا سعداء منشرحي القلوب، ومخلصين. أولئك المنافقون المدعون، لا يمكنهم تعليم الآخرين الصدق والاستقامة". من خلال الفقرة يريد أوشو التأكيد على أن النفاق لن يوصل إلى الهدف النبيل طالما أصحابه ليسوا أهل استقامة. وهذا ما سيؤدي بالآخرين إلى التهلكة. وبتعبير أوشو الدقيق "إذا كانت شعلة حياتك منطفأة، فكيف ستضيئ للآخرين".

هنا يستحضر أوشو  قول إيمانويل كانط عن الأخلاق، والذي أكد فيه على "أن استغلال الغير عمل لا أخلاقي". فانعدام الأخلاق عند البعض لن تخلق سعادة ولن تحقق تسامحا ولا تعايشا.

سر الحياة

وهنا يقدم لنا أوشو قاعدة هامة وهي قوله "إن سر الحياة يكمن في ألا تعتبر نفسك دائما على حق. لا تتمسك بأي فكرة، ولا تعتبر أحدا غيرك مخطئا. إذا اعتبرت نفسك دائما على حق، فهذا يعني أنك تعتبر الآخرين مخطئين، وإياك ملامة أحد. تقبل الناس كما هم، ومن أنت لتقرر إن كانوا على خطأ أم على صوب، إن اخطأوا فهم الذين يتحملون نتيجة أخطائهم، وإن أصابوا فهم يجنون محصول أفعالهم". إذن فعدم الامتثال لهذه القاعدة، سيجعل بين الإنسان والناس حواجز وعداوة، وبالتالي غياب التعايش وسيادة الفرقة،  داخل المجتمع. فعلى الإنسان إذن أن يكون متسامحا، محبا للناس، وليس قاضيا يدين هذا ويبرئ ذاك.

يتساءل أوشو: ماذا تعني محاولتك مساعدة الآخرين؟ ويجيب أوشو بقوله "غالبا، تبدو وكأنك تحاول تغييرهم. أكثر من إظهار الاحترام والحب غير المشروط". مضيفا كذلك بالقول "هنا فرق كبير بين محاولاتك لتغيير الآخرين ومحاولاتك لمساعدتهم. حيت تمد يد العون لأحد، فأنت تفعل هذا ليبقى هو هو، أما حين تحاول تغيير شخص ما، فإنما تفعل ذلك لتجعله على صورة أنت تريدها، أو لتجعله صورة طبق الأصل عن إنسان ما. في هذه الحالة، أنت لم تكن مهتما بالشخص ذاته، إنما لديك فكرة معينة، لديك مثال، وأنت تحاول تغييره ليكون وفقا لما ترى أنت". ومن ثم يمكن القول أن مثل هذه المحاولات، هي في الحقيقة نوعا من العدائية والتعنيف، إنها جهد يبذل لتدمير الإنسان الآخر. إنها ليست حبا، ولا عطاء. العطاء يسمح للآخر أن يكون هو نفسه. يقول أوشو "ساعد الآخرين ليكونوا على طبيعتهم، ليكونوا أحرارا، ساعدهم ليكونوا هم أنفسهم، وإياك أن تضغط على أحد".

هكذا يكون أوشو قد أوضح معنى المساعدة المقصودة من قِبل البعض الذين يريدون جعل الناس تابعين لهم في الفكر واللغة والدين والعادات، وهذا في نظر أوشو تدمير للبشرية، لأن هذه الأخيرة مبنية على الاختلاف، والحل في ظل هذا الاختلاف هو التعايش والتسامح، وليس تغيير الناس ليكون تابعيين لاعتقاد معين، فالاختلاف أوجده الله وعلينا التعايش في ظل ذلك دون تضييق على بعضنا البعض، أو فرض آرائنا بالقوة على غيرنا.

العطاء في الممارسة

لفهم معنى "العطاء في الممارسة" بدأ أوشو بالإشارة إلى أن الأنانية أو اتباع الأهواء الشخصية، كلمة مدانة من الجميع لأن الجميع لا يريدك أن تكون أنانيا، ولكن لماذا؟ لتساعد الآخرين. للتوضيح أكثر ينقل لنا أوشو القصة التالية "ما زلت أذكر قصة قرأتها في طفولتي، كان طفل يتسامر مع والدته فطلبت منه مساعدة الآخرين. فسألها الطفل: وما الذي سيفعله الآخرون إذًا؟ وبعفوية أجابت الوالدة: سيساعدون الآخرين. تعجب الطفل وقال: ولماذا كل هذا التعقيد، فليساعد كل نفسه، أوليس هكذا الأفضل؟".

انطلاقا من هذه القصة يرى أوشو أن الأنانية أمر طبيعي في حياة الإنسان، مما يحول دون منح الآخرين ما عندك. ولكن يحدث أن تصل إلى حالة الامتلاء بالفرح ، وهنا واجب عليك أن تشرك الآخرين في فرحك. الحقيقة أن التعساء يساعدون التعساء، والعميان يقودون الآخرين الذين هم أيضا لا يبصرون، أي مساعدة هذه؟ إنه لأمر في غاية الخطورة نقوم به منذ قرون وقرون. يعني ذلك أن نغير من هذه الطريقة وأن نكون اجتماعيين نساعد بعضنا البعض ما دمنا نتقاسم هذا الكون ونشكل ذاتا إنسانية، فالأنانية تقتلنا؛ فإذا كان كل دين منغلق على نفسه ولا يفكر إلا في المؤمنين به، وكذلك الطوائف والمذاهب والأقليات، يعني أننا في نتجه الاتجاه المسدود المحدود، بذلك سيتولد العنف وتغيب الرحمة وكل القيم الأخلاقية النبيلة، وستدخل الإنسانية عالم اللاتعايش واللاتسامح حتى داخل المجتمع الواحد.

لذلك نجد أوشو يركز على مسألة جوهرية، هي اختلاف البشرية حيث يقول "الاختلاف بين البشر، يعود إلى بيئتهم، كذلك الألوان. أما الذات الداخلية، فهي لا لون لها، كلها الشيء نفسه. واعلم أن ألوان بني البشر هي انعكاس البيئة التي يعيشون فيها على بشرة وجوههم. الإنسان لا لون له. الإنسان ليس جسدا ولا عقلا ولا قلبا. تفكيرك يختلف عن تفكير الآخرين بسبب التربية التي تربيتها. جسدك يختلف، بسبب البيئة التي تعيش فيها وبسبب عامل الوراثة. فقط لهذه الأسباب، أنت تختلف عن غيرك".

إذن فإقرارنا بأن الاختلاف لا يعني الانفصال والانغلاق، بل يعني الوحدة الجامعة،  فإن ذلك يعني مباشرة أن المحبة الإنسانية يجب أن تكون شاملة للجنس البشري في اختلافه. يقول أوشو "كما تحب نفسك، عليك أن تحب الناس كلهم، لأنه وكتحليل نهائي في هذا العالم هو أنت، الذي ينعكس وجهه على مرايا متعددة... إنه أنت، غير منفصل عنك، جارك هو شكل من أشكالك، وكذلك عدوك. وإن كنت تستثني أحدا، فهذا يعني أنك غير قادر على رؤية نفسك من خلال الآخرين وأن عينيك لا تريان الحقيقة أو أن هناك خللا بهما". وبتعبير آخر عامل الجميع كما تحب أن يعاملوك بذلك نقضي على الأنانية ونحقق المحبة الصادقة، هذه المحبة يجب ألا تكون مبنية على المجاملة، بل يجب أن تكون علاقة تبادلية توثق احترام الآخر المختلف.

بهذا يكون أوشو قد قدّم لنا تصوراً رائعاً بخصوص موضوع التسامح، فعالم اليوم يحتاج إلينا جميعا، لذلك يجب أن نحب بعضنا البعض في إطار الإنسانية الجامعة، رغم كل صور الاختلاف التي أوجدها الله عز وجل.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية