الصداقة .. حاجة إنسانية أصيلة لتحقيق الخير الأسمى للبشرية

يصعب أن يعيش الإنسان؛ دون علاقات تربطه بمحيطه الخارجي؛ بغض النظر عن انتماء الآخرين دينياً أو آيديولوجياً، ولعل أهم رابط لهذه العلاقة هو الصداقة الحقيقية، حيث لا يمكن اكتمال أي نظرية أخلاقية؛ دون النظر في الصداقة؛ كقيمة جوهرية في الحياة الإنسانية.

  يستهل ميشيل حنا متياس كتاب "الصداقة قيمة أخلاقية جوهرية"؛ بفرضية مؤداها، أنه إذا كانت الصداقة حاجة إنسانية، فيتعين الاستنتاج بالضرورة، أنه لا يمكن للنظرية الأخلاقية أن تكون وافية، إذا لم تتضمن الصداقة؛ كمكون مركزي في تحليل الحياة السعيدة أو الخير الأسمى.

  وينهض الادعاء بأن الصداقة حاجة أنطولوجية، في تصور الكاتب، وفق الاعتقاد الشائع بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع؛ بأن الكائنات الإنسانية اجتماعية بطبعها، أي لديهم ميل طبيعي إلى أن يعيش بعضهم مع بعض، وأن ينظموا أنفسهم؛ كجماعات واتحادات ودول وأسر، ولديهم هذا الميل؛ لأنهم يكتسبون إنسانيتهم ويحققونها في المجتمع. ما يعني أن الصداقة "حاجة إنسانية جوهرية، وهي ميل متأصل في الطبيعة الإنسانية. وهذا الميل عنصر فيها، كما أن العين والأذن عنصران بالجسد. وهكذا فلا يمكن للناس أن يتطوروا إن لم يشبعوا هذه الحاجة، كما أن الجسد لا يمكن أن ينمو ويتطور على خير ما يرام، إذا فقد عينيه وأذنيه. تتمثل هذه السمة الأنطولوجية للصداقة، في حقيقة أنها شرط لا يمكن الاستغناء عنه؛ للنمو والتطور الإنسانيين، وهي أساسية؛ لدرجة أننا لا نستطيع تحقيق أنفسنا من دون تلبية هذه الحاجة".

ضامن التعايش

  من هذه الفكرة يصح القول إن الصداقة، بهذا الحجم الإنساني، ضامن أساسي للتعايش؛ كونها لا تقتصر على أولئك الذين ينتمون للعشيرة أو الطائفة أو الدين. ولأن الصداقة حاجة أنطولوجية، فذلك يعني أنها عنصر أساسي في نسيج الطبيعة الإنسانية، أو أنها توجد في هذا النسيج كميل طبيعي، ومنه يأتي الادعاء؛ بأنها عنصر مكون في الدافع للوجود الاجتماعي، الذي يتضمن بدوره، فكرة أنها موجودة في الطبيعة الإنسانية كقدرة. فيقول الكاتب "ويبدو لي أن هذا هو السبب الذي مكَّن أرسطو من القول إنها قيمة؛ بموازاة العدالة والشجاعة والاعتدال والحكمة، والذي أيضا مكنه من القول؛ بأنها حاجة إنسانية"، أو على الأقل "شرط للحياة الصالحة، إن لم تكن حاجة إنسانية جوهرية".

  يتكأ الكاتب على أقول بعض الفلاسفة، فمثلاً دي مونتين، يعتبر "أن الطبيعة لم تجهزنا لأمر من الأمور بأفضل مما جهزتنا للصحبة". أما أرسطو فيلاحظ أن المشرعين أبدوا اهتماماً بالصداقة أكثر من العدالة. إن ذروة الكمال في الصحبة تتمثل في الصداقة؛ لأن أي نوع آخر ينتج عن اللذة أو المصلحة أو الضرورة العامة أو الخاصة، أو بسببها، يكون أقل جمالاً ونبلاً من الصداقة الحقيقية، ولهذا السبب لا يعد صداقة حقيقة، لأن هذه الأنواع تحقق غاية أو هدفاً أو ثمرة تختلف عن الصداقة بذاتها.

  لا شك أن صداقة اللذة والمنفعة، تعكر جو العلاقات الإنسانية؛ لمحدوديتها الزمنية، حيث تموت بتحقيق اللذة. وتنبه لهذه القضية فرانسيس بيكون، الذي يرى أن الكائنات الإنسانية مفطورة على أن تعيش حياة اجتماعية، لا حياة عزلة، و"أي إنسان يستمتع بالعزلة إما أنه إله أو حيوان". ولكن هذه العزلة لا تنتهي؛ بمجرد التواجد مع الآخرين، والتفاعل معهم اجتماعياً أو رسمياً، أو حتى التعاون معهم على مشروع ما. فالإنسان يمكن أن يشعر بمرارة العزلة وسط الجماهير. "لأن الجمهور ليس صحبة، والوجود البشري ليست سوى متحف صور، والكلام ليس سوى صنج رنان، إذا لم توجد محبة" بتعبير فرانسيس بيكون.

شروط الصداقة

   يعتقد الكاتب أن التفاهم والاحترام والثقة المتبادلة شروط ضرورية للصداقة. إنها الصمغ الذي يبقي شخصين في الصداقة. قد لا يكون هذا النوع من الصداقة مصدر سعادة الفرد الكاملة، ولكن كونها مبنية على الخير المتبادل، يجعلها مصدراً للسعادة، وهكذا تصبح الصداقة بين البشر واجباً. ويمكن الإقرار بسهولة أن السعي وراء الصداقة؛ كشعور بالخير الأسمى نحو الآخر، ليس واجباً عادياً، وإنما واجب مشرف يفرضه العقل. ويرى أنه على الرغم من أن الصداقة صعبة المنال، رغم أنها مثال، فإنها تبقى حاجة جوهرية، ولا نستطيع الاستنتاج أنه يمكن تجاهلها أو إهمالها أو التقليل من أهميتها. فمن المتعارف عليه أن السعادة، كما العدالة والحرية والحقيقة والجمال، مثال أعلى؛ ولكن رغم ذلك، لم يتوقف الناس عن محاولة اكتشاف طرق ممكنة لتحقيقها. ما يعني أن المسالة التي يجب الانتباه إليها، هي أن النمو في الإنسانية، هو مهمة لا يمكن التخلي عنها.

ثروات الإنسانية

 يطرح متياس السؤال التالي: من قال إن هذا النوع من النمو سهل، أو أن ثروات الإمكانيات الإنسانية الكامنة في صميم الإنسانية قد تنضب، أو قد تكون قابلة للتعريف بصورة نهائية؟ ويجيب: النقطة المهمة ليست ما إذا كان يمكن تحقيق هذه الإمكانيات هنا والآن، أو في هذه اللحظة، ولكن ما إذا كان يمكن تعزيز وسيلة لتحقيقها. وما إذا كنا نشطاء، وما إذا كانت قدرتنا على تحقيقها في ازدياد. ولكن إذا كانت السعادة جديرة بالاهتمام ومبررة، وإذا كان وجودها ممكناً؛ بغض النظر عن درجة وشكل وجودها، فعندئذ علينا أن نبحث عنها ضمن مسيرة البحث عن الحياة. الاختبار الأعلى لوجودها، ليس شعورنا الذاتي أو ما نملكه عقليا وماديا، ولكن مدى نجاحها في تلبية الحاجات، التي تعرف إنسانيتنا بصورة بناءة ومثمرة، ومدى نجاحنا في تحقيق الإمكانية الإنسانية.

هذا هو التحدي، فتحقيق سعادة الإنسانية جميعاً، والمدخل لذلك، هو الصداقة المبنية على المحبة الإنسانية والصدق فيها.

وعليه يرى الكاتب أنه إذا كانت الصداقة حاجة أنطولوجية، وإذا كانت تنبثق عن هذا النوع من الحاجة، فنستطيع استنتاج أن العلاقة التي توحد كائنين إنسانيين في رباط الصداقة هي علاقة أنطولوجية أو إنسانية؛ وعليها أن تكون من المادة نفسها التي تشكل عناصر الطبيعية الإنسانية، وإلا فستكون شيئا خارجيا مفروضا عليها؛ ومن ثم سوف لا تكون استجابة أصيلة للحاجة. فإذا كانت الغاية من العلاقة، هي أن تقوم بوظيفة الربط بين شخصين على المستوى الإنساني، يجب أن تكون علاقة إنسانية؛ وإلا لا تكون لها صلة بالحاجة المنشودة. وبالتالي، فهي إذن نمط للوجود، أو بصورة أدق، هي نمط للوجود الإنساني.

رباط الصداقة

  يتساءل متياس حول نوع الرباط الذي يميز الصداقة، فإذا الكائنات الإنسانية تترابط مع بعضها البعض بطرق مختلفة، وبما أن نوع الرباط تحدده نوعية الأصدقاء، فما الذي يجعل الصديق صديقاً؟ وللجواب على هذا التساؤل، يتوقف الكاتب مع كلمة صديق في الانجليزية، حيث يقول: "إذا   ألقينا نظرة إلى أصل كلمة صديق friend)  )، التي تعني باللغة الإنجليزية القديمة ( (Freondأي المُحِب وهي الكلمة المجانسة للكلمة الألمانية (Freund) ذات الصلة بكلمة (Frijon) التي تعني أن تحب. هذه الدلالة تعبر عنها كلمة صديق، أي الشخص الذي يعرفه الفرد ويكون مولعا به، حيث مولع تعني حنون ورقيق ومحب. الصديق هو ذلك النوع من الناس الذي يتبادل شعور المحبة مع شخص آخر. يحسن بنا القول إن السمة التي تعرف الصديق، وأيضا الصداقة هي المحبة".

الإرادة الخيِّرة

   نجاح هذه الصداقة، حسب متياس، رهين بانبثاقها من الإرادة الخيرة للإنسان، فيقول "هذا ما دفع أرسطو إلى القول بأن الفضيلة هي أساس الصداقة. لذا، فلا يمكن لأساس الصداقة الحقيقية أن يكون عاطفة ذاتية، بل هو نوع من العاطفة المنبثقة من الإرادة الخيِّرة، وبشكل أكثر دقة، من الشخصية الصالحة الخيرة. يوجد “الخير" عند الإنسان الخير الصالح كحالة، يوجد كنزعة أو ميل، وهذه النزعة مستنبطة من قيم أخلاقية ذات صلاحية موضوعية، على الأقل بالنسبة للفرد عينه. وهي تستخلص صلاحيتها من حقيقة إقرار المجتمع أو العقل بها. ما نؤكد عليه هنا هو أن الخير، كحالة أخلاقية، لا يمثل عند أرسطو شعوراً ذاتياً، وإنما يشكل نسيج الشخصية الأخلاقية: هو ترجمة لشبكة من التبرعات الأخلاقية ضمن هذه الشخصية. هو السمة التي تمكننا من الحكم على الأشخاص بأنهم خيرون إن كانوا خيرين. وهؤلاء ينطلقون من إرادة خيرة أمام أي ظرف أخلاقي، سواء تعلق الأمر بالصدق، أو الشجاعة، أو العدالة، أو التعاطف".

وعليه يرى الكاتب أن الصداقة، بوصفها علاقة إنسانية، هي أعلى صور التواصل الإنساني، إنها تواصل في الفعل، فيه ذاتان تتمتعان بأكثر لحظات الوجود ثراء، على مستوى الفكر والفعل والحميمية، فهما يتشاركان أفكاراً ومشاعر وتجارب، ويتعاونان على مشاريع قيمية، ويبذلان جهدهما للعناية بنفسيهما وبالآخرين. علينا أن نميز هذا النوع من التواصل عن التواصل الرسمي أو الذرائعي أو العبثي، حيث يبقى الأفراد منفصلين أحدهم عن الآخر، وحيث حالة التواصل تعتبر مناسبة؛ لنقل معلومات معينة، أو لإرضاء رغبة معينة. مقارنة بهذا النوع من التواصل، الشائع في الأوساط الاجتماعية والسياسية والتعليمية والدينية والمهنية والعائلية، يبدو التواصل الوجودي كحدث، ويمكن القول إنه حدث متواصل للحضور الإنساني، للوجود مع شخص آخر، للاستمتاع بهذا الشخص، وليس فقط؛ لتبادل معلومات أو حالات نفسية باطنية، ولكن للمشاركة والتواجد مع كائن إنساني آخر.

هذا المحبة تنمو وتتطور في وسيط من التواصل الوجودي. ليست مجرد عاطفة أو شعوربالانجذاب والارتباط، بل هي مودة حية، مشاعر مشبعة بالحياة، ترقص فيها قلوب الأصدقاءرقصة الحياة. هذه الرقصة تشكل التربة الأنطولوجية التي ينمو فيها شعور المحبة في قلوبالأصدقاء؛ وهي أيضا التي تغذي هذا الشعور وتحوله تدريجياً، من عاطفة جزئية، وإلى حدما منعزلة، إلى عاطفة قصدية تجاه الآخر، وتحول وحدة مبادئهما الأخلاقية والعقلية المتبادلةفي قلبيهما، إلى عاطفة متجانسة ومتماثلة عقلياً، في ذات كل منهما؛ لأنهما يشربان الماء منالينبوع نفسه، ويستحدثان غذاءهما من التربة نفسها.  وكلما نمت هذه العاطفة، نما كل منهمافي داخل الآخر ، وازداد رباط المحبة بينهما قوة وعمقاً.  هذا الرباط ليس رباطا مجرداً أو نفسياً، وإنما  هو رباط أنطولوجي. إنه رباط يعيش به الأصدقاء ويشعرون به في عمليةالعيش. ولا يرتكز هذا الشعور إلى حجج أو تفسيرات أو براهين، بل إلى الشهادة على حقيقة أن كلاً من الأصدقاء، يشهد بوجود وحيوية هذا الرباط أو الوحدة. لهذا السبب يمكن القول إنهذا النوع من الصداقة لا يتأسس في التوافق ظاهرياً، أو ضمنياً، أو على نحو طبيعي، حيثالمصلحة تشكل مصدراً للانجذاب، ولكن على الخطاب أو المحادثة العقلانية، على صوتيصدر من عمق وجود الإنسان.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية