الإنسان المستلب وآفاق تحرره .. نزعة إنسانية جديدة شرط لعالم وحيد

الإنسان المعاصر مستلب بالاستهلاك، ويعيش حالة اغتراب عن ذاته، ولا خلاص له إنْ لم يدرك إنسانيتة؛ بخصوصية العقل والحب، التي تميزه عن الكائنات الأخرى، ومن خلال تطويرهما فقط؛ يستطيع فهم خصوصية وجوده، وطبيعته الإنسانية، وضرورة بناء عالم جديد، يسوده التناغم والانسجام مع ذاته، والتكامل مع الآخرين ومع الطبيعة.

 

  أريك فروم في كتاب "الإنسان المستلب وآفاق تحرره"، يعتقد أن مستقبل الإنسان المعاصر، يرتبط بالوعي والفكر النهضوي، الذي لعب؛ عبر التاريخ البشري، دوراً بارزاً في إحياء النزعة الإنسانية، وجعلها ممكنة. ويرى أننا بحاجة إلى أناس أحرار، يؤمنون بالتعاون؛ بإرادتهم؛ دون ممارسة العنف عليهم.

    ينتقد فروم الإنسان الكسول أو اللامبالي، المشغول بالاستهلاك؛ دون الإنتاج. ذلك لأن الاستهلاك غير الواعي، يقود حتما إلى السقوط في فخ مبدأ الامتلاك، الذي يختزل الحياة الإنسانية، ويحصر قيمتها في الأشياء والمواد التي تقدم له، فيجد نفسه تلقائياً، وقد استحال إلى سلعة تباع وتشترى في الأسواق، تماماً كما السلع الأخرى. وهو أمر نعيشه حالياً ونلحظه في مختلف بلدان العالم، شرقاً وغرباً.

  يظن الكاتب أن خلاص الإنسان، مرتبط بقدرته على اكتشاف مدى حاجته إلى نزعة إنسانية جديدة؛ كشرط لبناء عالم واحد أو موحد، يتعاون به الجميع؛ باتساق وتناغم وانسجام؛ بغض النظر عن التباين في الانتماءات العقدية أو العرقية، أو الاختلاف في الهُويات الثقافية. وهذا ليس ممكنا، من دون تطوير مُكنات العقل ومَلَكات الحب.

 

العالم الموحد

   يقول فروم: ليس هناك أي شك في كون العالم الموحد في طريق البناء. وقد يكون هذا الحدث هو الأكثر ثورية في تاريخ الإنسان. وتتمظهر وحدة العالم (المأمولة أو المفترضة)، في كون كل شعوب العالم؛ ستشارك في الإنتاج الصناعي؛ بفضل وسائط التواصل الحديثة، التي ستنجح في التقريب أكثر بين الناس. ولكن يبقى ثمة تساؤلين قائمين، حول ما إذا كان توحيد العالم؛ سيعلي من قيمة الحياة، أم سينتهي إلى ساحة حرب كبيرة؟ وهل الإنسان المعاصر مهيأ؛ بالفعل لكي يعيش في عالم موحد، أم أنه سيعيش في معازل رقمية، منغلقة على هُوياتها الإثنية والعرقية؟

   لذلك يرى فروم أنه دون نزعة مؤنسنة جديدة، لن يكون هناك أي عالم موحد، وستبقى البشرية غارقة في دوامة الصراعات والحروب المتواصلة. وهو ما يبرر عرضه مسيرة النزعات المؤنسة في التاريخ الإنساني، فيلاحظ أن جذورها تعود إلى التقاليد الرومانية واليونانية، وليس أقل الدلالات عليها "المسرحية الدرامية أنتيغون Antigone  لسوفوكل Sophokl، حيث تحارب أنتيغون ضد كريون  Kreon، الذي يمكن أن يعتبر اليوم كقيصر فاشي؛ لأنها كانت تعطي الأسبقية للقانون الطبيعي، أي قانون الإحساس بالآخر، على حساب قانون الدولة. ولذلك اختارت الموت للدفاع عن قانون الإنسانية؛ إذا ما تعارض هذا الأخير مع قانون الدولة. أي أن أنتيغون ترى أن القانون الطبيعي مهم جدا، لا يمكن التفريط فيه والإجهاز عليه، فهو بالنسبة لها قانون الإنسانية.

الأصل واحد

يضيف فروم أن النزعات المؤنسنة في تاريخ البشرية تأكدت مع الأديان، فوردت أولى الإشارات إليها في العهد القديم، من خلال التأكيد على أن أصل البشر واحد، هو آدم أبو البشر(عليه السلام)، ولذلك "لا يمكن لأي إنسان أن يقول إنني متفوق عليك؛ لأن أجدادي كانوا متفوقين على أجدادك".  وهناك إشارة ثانية، مفادها أن الذي يعتق حياة إنسان واحد، يشبه ذاك الذي يعتق كل الإنسانية، والذي يقضي على حياة إنسان واحد، يشبه ذاك الذي يقضي على كل الإنسانية. وهذه الإشارة القوية حاضرة ومؤكدة كذلك في النص القرآني، في قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. (المائدة – الآية 32).

المساواة والمحبة

   ويستدل فروم على وحدة أصل الإنسان وإنسانيته أيضاً، كون الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان على صورته، كما جاء في العهد القديم (والقرآن الكريم). ما يعني (حسب فروم) أن الجميع متساوون في كل شيء؛ رغم اختلافاتهم في الصورة والشكل أو المعتقدات. كما يلاحظ فروم أن العهد القديم، (والقرآن الكريم) يذخران بالدعوة إلى المحبة بين الناس، وغالبا لا نرى تلك الدعوة ولا نعيرها أدنى اهتمام. وهي دعوة لا تعني حب الأقارب فقط، وإنما حب الغرباء أيضا. فـ"الغريب هو بالضبط ذاك الذي لا نعرفه، أو ذلك الذي لا ينتمي لنفس القبيلة أو لنفس الشعب أو لنفس الثقافة"، وكما جاء في سفر اللاويين (19/22): كالوطني منكم؛ يكون لكم الغريب النازل عندكم، وتحبه كنفسك؛ لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر". في هذه الحالة لن يشعر الغريب بغربته، بل يعتبر نفسه مواطنا مثل باقي مواطني البلد الذي يوجد فيه.

الفكر النهضوي

  يتوقف فروم عند  ما اصطلح على تسميته "الفكر الإنساني النهضوي" الذي طور من بين ما طوره مفهوم الإنسانية "Humanitaet"؛ بحيث أصبح منذ عصر النهضة، يميز مجموع الفكر الحداثي. يقول "إن الإنسان هو كما هو، وواجبه يكمن في تطوره بالكامل. فالإنسان المثالي بالنسبة للنهضة هو الإنسان الكوني، الإنسان المتعدد والضليع في كل جوانبه، أكثر من هذا، ففي كل فرد على حدة تتحقق الإنسانية. كل إنسان يحمل في ذاته الإنسانية بكاملها. ولهذا السبب من واجب كل إنسان أن يطور الإنسانية في ذاته". فلا مبالغة إذن، لا بل المؤكد أننا لو طبقنا هذا المبدأ؛ لأمكننا الوصول بسرعة إلى الإنسان الكوني، متجاوزين القبلية والقومية.

   يقول بن علي عبد الغاني إن الإنسان الكوني هو الفضاء الواسع ،الذي يشمل الأخر ويشملفردانيتي، ويشمل كل النزعات الإنسانية من حب وخير وتعاون وتسامح، فكل المعانيوالدلالات التي تشكل مفهوم الحرية والاحترام هي جزء من الكل، أما الإنسان العالمي هوالأمل والإيمان العقلي، الذي يرجع الإنسان إلى استقلاليته وتحرره من الأوثان والعبودية، ففيالإنسان الكوني لا يوجد حرب ونزعات، ولا إنسان ضد أخيه الإنسان، كما يشير هوبز ولا حرب الكل ضد الكل؛ بل يمكننا بفضله الرجوع إلى الحالة الطبيعية، التي كان يعيش فيهاالإنسان في فردوس، أو حياة مسالمة، وهي الحياة الأصلية، التي تحترم قوانين الحياة، كمايشير روسو.

الضعف الإنساني

   من أهم الفلاسفة الذي كتبوا عن النزعة الإنسانية (حسب فروم)، هو الفيلسوف الألماني يوهان كوتفريد فون هردر (Johann Gottfrie  Von Herder)، الذي يعتقد أن الإنسان يخلق ضعيفا في العالم، ولا يستطيع أبدا – عكس الحيوان – الوصول إلى الهدف الذي يجب عليه الوصول إليه، انطلاقا من تنظيمه، يجب عليه قبل كل شيء أن يتكون في الإنسانية؛ لأن الغريزة المكتسبة، التي يجب أن تكونه، هي العقل، أي أنه بالعقل يستطيع تحقيق الهدف في إطار عالم الإنسانية المتميز والمختلف عن العالم الحيواني. ويتفق هردر مع التصور القائل بأن الإنسان؛ كوجود حيواني، هو أضعف وغير كامل، من بين الحيوانات الأخرى، لكنه يمتلك العقل؛ كشيء خاص بالإنسان.

تطوير الجوهر

 أيضاً، كوتهولد إفريم ليسنغ (Gotthold Ephraim Lessing) يمضي في الاتجاه السابق عينه، حيث يعتبر أن مهمة الإنسان، تكمن في تحقيق النوع الإنساني، حيث "يدافع كذلك عن الفكرة القائلة؛ بوجوب تحقيق وتطوير ذلك الشيء الخاص بالإنسان، جوهر الإنسان وجوهر إنسانيته، ويرى بأن هذه هي مهمة الإنسان. ومن سخريات التاريخ أن ليسنغ كان قد تحدث قبل هتلر؛ بنحو مائة سنة، عن الرايخ (كلمة ألمانية، تعني في الأصل الدولة، ثم أصبحت تعني معنى أوسع هو الإمبراطورية) الثالث؛ باعتباره الرايخ الإنساني الكامل، حيث تُتَجاوز فيه كل التناقضات الإنسانية عن طريق وجود واحد وانسجام الإنسان"، كما يقول فروم. فهذا الوجود إن لم يكن وجودا كونيا فلا فائدة منه؛ لأنه قد يتحقق وجود محلي وانسجام محلي، لكن في إطار العصبوي، القبائلي أو القومي، وشتان ما بين الكوني والمحلي القبلي.

من الفردانية إلى الكونية

  ومن أهم المفكرين الإنسانيين في القرنين الثامن والتاسع عشر، هو يوهان فولفكان غوته (Johann Wolfgang Goethe)  الذي لم يكن يرى الإنسان في فردانيته، وإنما ككائن يحمل في ذاته كل الإنسانية؛ بكل إمكانياتها، فيقول فروم "إن هدف الحياة، حسب غوته، هو التطور من الفردانية إلى الكونية، وبالنسبة لفكر القرن الثامن عشر، لم يكن المرء يعتقد بأن الوصول إلى الكونية سيحصل؛ عندما يصبح كل الناس سواسية ويشعرون بأنهم موحدون، بل إن المرء كان يعتقد بأن الإنسان سيصل إلى إنسانيته الخاصة –  أي الإنسانية عامة - عن طريق المرور بتجربة فردانيته الكاملة. فبالنسبة لفلاسفة الأنوار، يشعر الإنسان أنه موحد مع كل شيء، لأنه قد أصبح هو ذاته. وإذا لم يصبح هو ذاته، وبقي؛ من وجهة نظر نفسية، إنسانيا ميتا مع الولادة، فلن يكون بإمكانه الوصول إلى الإنسانية التي يحملها في ذاته".

التناقض الجوهري

   يضيف فروم قائلا "في اعتقادي أن هذا الأخير هو بالضبط تناقض وجودي. (يقصد فروم مسألة الخير والشر لدى الإنسان، أي الإنسان الواعي وإنسان الطبيعة المعروف بميله للعاطفة وقانون القوة)، وفي لغة تقنية نوعا ما، يمكن للمرء أن يقول بأن جوهر الإنسان هو ذاك التناقض بين الإنسان كحيوان يعيش في الطبيعة، وبين الإنسان باعتباره الوجود الوحيد في الطبيعة الذي يعي ذاته. ولهذا السبب، فإنه بإمكان الإنسان أن يكون واعيا بانشقاقه عن نفسه، بضياعه وضعفه، وعليه أن يجد سبيلا للوحدة مع الطبيعة ومع الناس الآخرين. فإذا كان الإنسان قد خلق وحيدا، أو فريدا، ووعى انشقاقه عن العالم، فإنه سيصبح أحمق، إذا لم يجد إمكانية لتجاوز هذا الانشقاق، والوصول إلى وحدة وجودية جديدة". لتجاوز الوحدة والانشقاق، على الإنسان الانفتاح على الآخرين والتعايش معهم.

 الوحدة الإنسانية الكونية

 يؤكد فروم أن الإنسان يمكنه الوصول إلى وحدته؛ دون الرجوع إلى الوراء، عن طريق تطوير قوته الإنسانية الخاصة للعقل وللحب؛ بمقدار يصبح العالم منزله. إذن سيصبح إنسانا كاملا وسيعيش في تناسق، وانسجام جديد مع ذاته ومع الناس الآخرين ومع الطبيعة. وقد كانت هذه فكرة الوحي المسيحي ولب الفكر الديني (عموماً) في العصر الوسيط المتأخر. كما كانت هذه الفكرة هي جوهر النزعة الإنسانية للقرن الثامن عشر. فالأساس الحقيقي (حسب الباحث بن علي عبد الغاني)، الذي يعبر عن جوهر الوجود وعن كينونة الإنسان هو تفعيلالجانب الروحي للإنسان، من خلال ازدواجية الأخلاق والحب، فالأخلاق هي التي يمكنهاإخراج الإنسان من مأزقه المادي، الأخلاق الإنسانية القائمة على التجربة الإنسانية، ويضربلنا مثالا بالأخلاق البوذية. أما الحب فهو تفاعل إنساني بين الذوات الإنسانية، قائم علىالاحترام، فالحب هو اعتراف بالآخرين من حيث مكوناته وثقافته، أما ما نشترك فيه في كلهذا الاختلاف، هو إنسانية الإنسان، حيث يتوجب على كل فرد المشاركة في هذه المسؤولية.

وخلص فروم إلى أنه بمجرد ما نولد تصبح الحياة بالنسبة لنا سؤالاً؛ من اللازم أن نجيب عنه، وهو سؤال لا يمكن أن نجيب عنه عن طريق عقلنا ودماغنا فقط،، وإنما عن طريق كل وجودنا الإنساني. وليس هناك سوى جوابين: إما أن نتقهقر أو نطور إنسانيتنا.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية