كيف يشيع البعض أنّ الإسلام دين عنف واعتداء وإرهاب؟

لا يمكن أن ننكر أنّ ما شهده العالم في العشريّة الأخيرة من ارتفاع منسوب العنف في العالم كلّه؛ قد ترك تأثيرا كبير في الرّأي العامّ الدّوليّ. ومن المؤسف أنّ عدداً من مرتكبي الجرائم الإرهابيّة يدّعون الانتماء إلى الإسلام، وهذا ما حمل كثيرا من النّاس، مختصّين وغير مختصّين، على التّساؤل: هل يوجد في القرآن، بما هو النّصّ المؤسّس، ما يبرّر العنف الإرهابيّ؟

    لقد تعدّدت وجهات النّظر في الإجابة عن هذا السّؤال. فهناك من أصيب برهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا)، وغدا ينظر إلى كلّ مسلمي العالم نظرة شكّ وريبة، موقنا أنّهم جميعا إٍرهابيّون بالقوّة، وأنّ دينهم يبيح لهم قتل الآخر المختلف؛ بل يأمر به. وهناك من حاول النّظر في المسألة موضوعيّا، مستندا إلى قراءة المصادر وتفحّص النّصوص في مظانّها. وكثيرا ما اعترضني السّؤال التّالي؛ إذ أسافر إلى بلدان غربيّة، أو أتحاور مع بعض الشّباب العربيّ: لماذا تدّعون أنّ القرآن يدعو إلى التّسامح، والحال أنّ فيه آيات تدعو إلى قتل المختلف وسحله والتّنكيل به؟

   وعندما أطلب من السّائلين هذه الآيات، يستشهد عدد كبير منهم بقوله تعالى: "إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدّنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم". (المائدة-33).

   واللّطيف أنّ جُلّ من يستعرضون أمامي هذه الآية؛ بكلّ فخر، لم يكلّفوا أنفسهم عناء العودة إلى التّفاسير القديمة، الّتي وإن اختلفت في سبب نزول الآية، تتّفق في إحالتها على شخصيّات تاريخيّة وأحداث واقعيّة. فمن ذلك أنّ القرطبي يقول: "اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية. فالّذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين. وهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله.. وقد حكى أهل التواريخ والسّير أنهم قطعوا يد الراعي ورجليه، وغرزوا الشّوك في عينيه حتّى مات، وأدخل المدينة ميتا. وقال ابن عباس كان قوم من أهل الكتاب، بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض. فخيّر الله رسوله إن شاء أن يقتلهم، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف".

   المهمّ ممّا سبق ليس اختيار خبر دون سواه أو واقعة تاريخيّة دون غيرها. المهمّ، الاتّفاق، أنّ هذه الآية ليست آية تأمر بالقيام بأفعال في المستقبل، وإنّما هي آية تنقل لنا أخبارا جرت في التّاريخ. وبعبارة أخرى فهذه الآية لا تحمل حكما وإنّما تثبت خبرا. وبلغة البلاغيّين، هذه الآية إخباريّة وليست إنشائيّة.

 

خطأ تأويلي

  قد يعترض البعض، مؤكّدا أنّه حتّى إن كانت الآية إخبارا تاريخيّا، فإنّها تؤكّد إمكان اللّجوء إلى مثل الأساليب العنيفة المذكورة في التّعامل مع المخالفين. وبغضّ الطّرف عن أنّ الآية ليست في المخالفين، وإنّما في المفسدين في الأرض، أي في ملحقي الضّرر بسواهم، فإنّه من المفيد الوقوف على خطأ شائع لدى بعض مؤوّلي القرآن المعاصرين؛ إذ تجدهم يسقطون مفاهيم حديثة على مرحلة تاريخيّة قديمة. ففي القرون الوسطى، وما قبلها إلى زمن نقل القرآن لأخبار تاريخيّة، كانت العقوبات الجسديّة هي السّبيل الوحيد للعقاب، وما كان يُتصوّر وجود سواها. وليس هذا الأمر مقتصرا على ديار الإسلام، وإنّما هو سمة شائعة لدى جميع الأمم، وهو ما يعبّر عنه بالمخيال الجمعيّ للشّعوب. ومن ثمّ لا يمكن أن تحاسب مجموعات بشريّة تنتمي إلى مرحلة تاريخيّة؛ لأنّها لم تفكّر فيما لا يمكن التّفكير فيه. فأنت في هذه الحالة، شأن ذاك الّذي يعيب على من عاشوا في القرن التّاسع عشر مثلا، أنّهم لم يخترعوا السّيّارة واعتمدوا ركوب الدّوابّ للتّنقل، أو شأن ذاك الّذي يعاتب شخصيّات من القرون الوسطى؛ لأنّهم لم يعتمدوا الإنترنت للتّراسل، والتجؤوا إلى الحمام الزّاجل.

نبذ العنف

  إنّه من اللازم التّعامل مع القرآن في بعده السّياقيّ؛ بصفته نصّاً ينقل وقائع تاريخيّة، وينغرس في تربته المقاميّة. ومن هنا فإنّ انتقاء بعض الآيات القرآنيّة الّتي تنقل صراعات حربيّة، أو أنماط سلوك عنيفة، يجب أن لا تنسيَنا أنّ القرآن جوهرا، ينبذ العنف ويحثّ على العفو.

   وننشد في هذا المقال بيان ذلك؛ من خلال تحليل قصّة الخلق، كما نقلها القرآن، وبصفة أدقّ من خلال ما دار بين ابني آدم. وإنّنا نقرأ سكوت القرآن عن اسميهما، سعياً إلى وضع القصّة في سياقها الرّمزيّ الشّامل، الّذي يتجاوز شخصيّات القصّة في ذاتهم. ومع ذلك فإنّنا للتّمييز وتيسير القراءة؛ سنعتمد ما شاع في كتب التّراث؛ من تسمية قابيل بالقاتل وهابيل بالمقتول.

  ينقل لنا القرآن أنّ منطلق "الخلاف" بين قابيل وهابيل، هو أنّ الله قد تقبّل قربان أحدهما، ولم يتقبّل قربان الآخر. يقول تعالى: "واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحقّ إذ قرّبا قربانا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر" (المائدة - 27). ولكن الاختلاف بين الشّقيقين سابق لهذا الخلاف؛ إذ إنّ هابيل هو من المتّقين، وقابيل ليس من المتّقين. وهذا ما يثبته قول هابيل: "إنّما يتقبّل الله من المتّقين" (المائدة - 27). وهذا الخلاف الأخلاقيّ بين الشّقيقين هو ما سيتجسّم في سلوك كليهما.

 

النواة الأخلاقية

   إنّ منطلق الخلاف الظّاهر أنّ قابيل قد غار من هابيل. وينتج عن هذه الغيرة أن يهدّد قابيل أخاه بالقتل، ولعلّه ليس تهديدا بل إخبارا بما قرّر قابيل فعله، قرارا لا رجعة فيه. وهو قرار يثبته اعتماد التّأكيد بنون التوكيد الثّقيلة، "قال لأقتلنّك" (المائدة - 27). ما كان يمكن لهذا القتل ألّا يتمّ. ولكنّ ما يعنينا هو موقف هابيل متجسّما في جملته الشّهيرة، "لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك". (المائدة - 28). إنّ هذه الجملة تنشئ تقابلاً واضحاً بين سلوك المعتدي وسلوك الضّحيّة. المعتدي ينشد القتل والمعتدى عليه يرفض أن يقتل المعتدي. صورة حكاية الخلق تبيّن لنا تحقّق قتل في الحالتين، فتطوّر القصّة لا يمنح الشّخصيّتين إلاّ دورين، إمّا دور القاتل أو دور القتيل. وقد اختار أحدهما دور القاتل ورضي الثّاني بدور القتيل لا لأنّه يرغب في هذا الدّور، وإنّما اختار هابيل دور القتيل؛ لأنّه لا يرغب في تقمّص دور القاتل.

   أن لا تكون قاتلاً هو النّواة الأخلاقيّة الجوهريّة الّتي تطرحها القصّة/القرآن. والقتل هنا يمثّل درجة العنف القصوى، وهذا ما ينفي أيضا كلّ درجات العنف الأخرى الدّنيا. أن لا تكون معتديا هو النّواة الأخلاقيّة الجوهريّة في القرآن/الإسلام. وهذا تعبير بالسّلب؛ يمكن التّعبير عنه بالإيجاب؛ بأن نقول: أن تكون مسالماً هو النّواة الأخلاقيّة الجوهريّة في الإسلام.

   إنّ هابيل لم يكتف بالإقرار أنّه لن يبسط يده لقتل أخيه، وإنّما فسّر ذلك بقوله، "إنّي أخاف الله ربّ العالمين" (المائدة - 28). فالاندراج في مجال العنف مجلبة لنقمة الله تعالى. على أنّ هذه النّقمة لا تتّصل فقط بالحساب الأخرويّ، وإنّما هي تتجسّم في هذه الحياة الدّنيا. ولعلّ هذا البعد في قراءة السّلم في الإسلام؛ ممّا تندر الإشارة إليه لدى الباحثين؛ إذ يذهب جلّ من يقرأ قصّة الأخوين إلى قراءة ترهيبيّة، تذكّر بعقاب الله تعالى للقاتل في أقصى الأحوال، وللمعتدي في أدناها. وهذا ما يجسّمه قول هابيل: "إنّي أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النّار..." (المائدة - 29). ولكنّ هذا العقاب الأخرويّ ليس العقاب الوحيد، وأغلب النّاس يغفلون عن أنّ كلّ من يقوم بالاعتداء على الآخر؛ إنّما هو في نهاية الأمر يلحق الاعتداء بنفسه من حيث لا يدري. وذلك لسببين على الأقلّ:

-السّبب الأوّل متّصل بدلالة علاقة الأخوّة بين قابيل وهابيل؛ إذ علينا أن نتذكّر هنا، أنّ علاقة الأخوّة بين قابيل وهابيل في مجال قصّة الخلق الرّمزيّة، تتجاوز دلالتها البيولوجيّة؛ بل لعلّها لا تحيل على العلاقة البيولوجيّة؛ قدر ما تحيل على علاقة التّآخي بين جميع البشر، وهي علاقة حظيت بدراسات سابقة في هذا الفضاء نفسه. والتّآخي بين البشر هو تعبير عن المشترك الأصليّ بينهم، وهذا ما يفسّر أنّ من قتل نفسا فكأنّما قتل النّاس جميعا. وعلينا أن ننتبه إلى أنّ من يقتل النّاس جميعا لن ينجوَ؛ إذ إنّه سيكون بالضّرورة واحدا من المقتولين. ومن يلحق الأذى بالآخر ومن يعتدي على الغير؛ إنّما هو يلحق الأذى ببشريّته ويعتدي على إنسانيّته. ومن هنا نفهم وصف الله تعالى له بالخاسر، "فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" (المائدة - 30).

-أمّا السّبب الثّاني لإقرارنا أن إلحاق الأذى بالآخر هو إلحاق أذى بالأنا، فمتّصل بالسّبب الأوّل، ذلك أنّ الشّخص الّذي يقتل البشريّة في نفسه، ويعتدي على الإنسان في ذاته؛ سيشعر ضرورة بالنّدم؛ طال الزّمان أم قصر. والقرآن يثبت بعد خسارة قابيل ندمه؛ إذ يقول، "فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النّادمين" (المائدة- 31). فما دلالة النّدم هنا؟ وألا تثبت لنا تجارب الحياة، استمرار بعض النّاس في تعنيف الآخرين؛ دون أن يشعروا بالنّدم؟

 

  بعد رمزي

 قد تتّضح المسألة؛ إذ نفهم أنّ النّدم ليس بالضّرورة وعي المعتدي أنّه أخطأ، وقراره عدم تكرار الخطأ. النّدم هنا هو تجسيم انفعاليّ نفسيّ؛ لعدم قدرة المعتدي على محو الفعل العنيف الّذي ارتكبه. إنّ القرآن من خلال قصّة الخلق، يذكّرنا أنّ كلّ ما يفعله الإنسان، ينغرس أثرا لا، يمكن الفكاك منه. وعقاب قابيل مثلا، ليس أنّه سيحاسب يوما، أو أنّه حمل جثّة أخيه سنوات؛ دون أن يدري ما يفعل بها؛ إلى أن صادف الغراب. قد يكون هذا عقاباً خفيفاً ظاهراً، أمّا عقاب قابيل الحقيقي العميق، فهو أنّه عندما قتل أخاه أصبح قاتلا. ذاك هو الوشم الّذي يحمله كلّ معتد معه، ولا يمكن أن يمحوه. تلك هي الصّفة الّتي تغدو جزءاً من ذات المجرم، فلا خلاص منها أبدا.

    إنّ قصّة الخلق ذات بعد رمزيّ شامل؛ إذ إنّها منطلق للأحكام الجوهريّة ضدّ القتل والعنف. ولا أدلّ على الأمر من عبارة، "من أجل ذلك" الّتي يعمد إليها القرآن، إذ يقول الله تعالى، "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعا ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعا". (المائدة- 32). وهذه القصّة تثبت لنا أنّ القرآن يشجب كلّ نوع من أنواع العنف، متجسّما في بعده الأقصى، أي في القتل. والله تعالى يؤكّد أنّ من يرفض الاندراج في حلقة العنف، هو من ينتمي إلى مجموعة المتّقين. أمّا العنيف، فهو يحمل وزر اعتدائه على الآخر خسرانا وندما. فكيف، بعد هذا كلّه، يشيع البعض أنّ الإسلام دين عنف واعتداء وإرهاب؟


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية