فن التواصل مع الآخر في الإسلام

لا يستطيع إنسان في هذا الكون، أن يعيش وحيداً منعزلاً عن بقية الناس، ومن هنا عرَّف علماء الاجتماع الإنسان بأنه كائن اجتماعي، وهذا يعني أنه في حاجة إلى غيره من الناس في شتى أمور حياته.

    لا يوجد كائن بشرى يستطيع أن يستغنى عن بقية البشر، فهو في حاجة إلى التواصل والتعامل معهم، وهذا التواصل يأخذ صوراً شتى وأشكالاً مختلفة، فقد يكون في صورة البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والتعليم والتعلم، وفي الأقوال والأفعال، وفي كل حال وعلى أي حال، في الرضا والغضب والسلم والحرب؛ سواءً أكان الفرد الذي سيتعامل معه قربياً أو بعيداً، يكبره في السن أو يساويه أو يصغر عنه، ذكراً كان أم أنثى، مثقفاً أو غير مثقف، متديناً أو غير متدين، أو يخالفه في الدين، فإذا كنا في حاجة إلى غيرنا، فإن غيرنا في حاجة إلينا، وهذه هي طبيعة الجنس البشري، فهناك تفاعل متبادل بين الناس بدرجات متفاوتة، وتعاون متواصل بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا يعني أن التواصل بين الناس يعد ضرورة حياتية؛ رغم اختلافهم الذي أكده الخالق في محكم تنزيله: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.

  إن التعارف هو الخطوة الأولى نحو التواصل بين الناس، والتعاون المثمر فيما بينهم من أجل خيرهم وسعادتهم، فهو محرك الحياة الأكبر، وقوة دفعها الهائلة والمذهلة، حتى لا يلحقها التوقف يوماً من الأيام، فلو توقف التعامل والتواصل بين الناس، لتوقفت الحياة ذاتها، فهو يشمل أنماطاً وأشكالاً كثيرة من الدوائر الاجتماعية، التى يرتبط بها الإنسان في حياته بصورة من الصور، أو شكل من الأشكال. ونوجز فيما يلي أهم الآليات والمبادئ، التي وضعها الإسلام في فن التواصل مع الآخر:

الاهتمام بالناس

   أول مبدأ من مبادئ الإسلام في التواصل مع الآخر، هو الاهتمام بالناس، وأول مظاهر هذا الاهتمام هو بدء الناس بالتحية والسلام، ولقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحية قلما نتفكر في معناها، وهي "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، فأي شر يتوقعه الناس من إنسان تطمئنه على نفسه بأنك مسالم له، ثم تدعو له أن يسبغ الله عليه رحمته ويعمه ببركاته، وقد جعل الخالق عز وجل، رد السلام فرضاً، فقال سبحانه وتعالى، "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيباً"؛ لأن ذلك يؤرث المحبة والألفة بين القلوب، فعن أبي هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". فإفشاء السلام وسيلة من وسائل الأمن والارتياح والسلام وتحقيق التعارف والتواصل بين بعضنا البعض.

 

البشاشة عنوان المودة

  إن الله سبحانه وتعالى، عندما خلق الإنسان في أحسن تقويم، جعل من وجه الفرد نافذة يطل منها على هذا الكون، ومن خلالها يتم التواصل عن طريق آليات عديدة، منها السمع والبصر والكلام وتعبيرات الوجه، وغير ذلك من وسائل، ومن خلال هذه النافذة البشرية، يمكن أن يكون التأثير لدى الآخر بالإيجاب أو السلب، فإذا ظهر الإنسان بوجه بشوش، أحدث لدى الآخر ارتياحاً نفسياً واطمئناناً يشعره بالتفاؤل في إمكان التواصل؛ لأن البشاشة عنوان المودة. أما إذا كان العكس فإن نتيجة ذلك هي النفور والصدود والتباعد والتشاؤم، ومن ذلك يتضح أن تعبيرات الوجه بصفة خاصة لها أثر بالغ الأهمية في سلامة العلاقات بين الناس أو اعوجاجها، ولأهمية الوجه وتعبيراته في إمكان التواصل بين الناس، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، وفي ذلك المعنى يقول النبى عليه الصلاة والسلام أيضاً: "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق"، أي بوجه بشوش، ونظراً إلى أن لكل إنسان جانباً باطناً لا يراه الآخرون، فإن تعاملهم يتم عن طريق الجانب الظاهر، وهو الوجه، وما يحمله من تعبيرات تفصح عما بداخله في العادة، فإذا أغلقنا هذه النافذة الظاهرة المتمثلة في الوجه، وما يعبر عنه استحال التواصل بين الناس، وأدى ذلك إلى إغلاق كل سبل التفاهم والتحاب بين البشر.

 

المشاركة بالأفراح والأتراح

   من مظاهر التواصل مع الآخر، مشاركته في أفراحه وأتراحه، فإن مثل هذا الاهتمام يورث المحبة، ويفتح مغالق القلوب، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل هذه الأمور من حقوق المسلم على المسلم ، حيث قال في الحديث الذي رواه أبوهريرة رضي الله عنه، "حق المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض، وأتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس".

 

مد يد العون للآخرين

    من مظاهر الإسلام في فن التواصل مع الناس أيضاً، أن نضع أنفسنا في خدمتهم، بمد يد العون لهم، فإذا فعلنا ذلك، كنا أهلاً لمحبتهم، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه، "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها"،  وقد رغَّب الرسول صلى الله عليه وسلم في قضاء حوائج الناس أيما ترغيب، فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، هذا الجانب الهام يدعونا إلى تقدير صنيع وجميل الآخرين، فإن ما يحبب إلينا الناس ويقربنا إلى قلوبهم، أن نقدر صنيعهم ، فمن أسدى إلينا معروفاً فلنسبغ عليه من تقديرنا، هذا التقدير الذي يجب أن يخلو من التملق، حتى يشعر بمدة أهمية عمله لدينا، ويكون مستعداً لتقديم معروفاً آخر، إذا ما أحتاج الأمر ذلك، وفي الحديث  الذى رواه ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكأفئونه به، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه".

حسن الاستماع للآخر

  يعد حسن الاستماع للآخرين من الأمور الهامة، التي تحقق التواصل مع الناس ، فإذا كنا نطلب من الآخرين الاستماع إلينا ، فيجب علينا أن نستمع إليهم، حتى نكتسب محبتهم وودهم وصداقتهم ، ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذلك أروع الأمثلة، حيث يروي أنس رضي الله عنه، أنه كانت الآمة من إماء المدينة، لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك من باب التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، الذي أمر به القرآن الكريم في التعامل معهم.

الاعتراف بأخطائنا

    الاعتراف بالخطأ فضيلة كبرى، وهو يؤدى بالآخرين إلى احترامنا وتقديرنا، وهو باب التواضع الذي حض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما قال "إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا"، فالتحلي بالشجاعة والاعتراف بأخطائنا يعني ذلك الرجوع إلى الحق؛ متى استبان الخطأ في القول أو العمل أو فيهما معاً؛ لأن الرجوع إلى الحق فضيلة، وخير من التمادي في الباطل.

معالجة أخطاء الغير

   معالجة أخطاء الغير تتطلب كياسة وحذاقة، تجعلهم يدركون خطأهم، مع الاحتفاظ بماء وجههم، فهذان سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحسن والحسين، رضي الله عنهما، رأيا رجلاً لا يحسن الوضوء، وقد منعهما الحياء أن ينبهاه إلى ذلك مباشرة، فتشاورا بينهما، ثم أتياه وطلبا منه، أن يحكم بينهما أيهما أحسن وضوءاً من أخيه، فأخذ يراقبهما وهما يتوضآن، وهكذا تبين له أنه لا يجيد الوضوء. فمعالجة أخطاء الآخرين يجب أن تكون مهذبة، لا أوامر أو نواهي صريحة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب لنا المثل الأعلى في هذا، عندما أراد إرشاد قوم ليتعلموا من إخوانهم فقال: "ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم"، فإذا ما وجدنا في الآخرين اعوجاجاً في سلوكهم، فيجب علينا أن نوجههم برفق ولين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

 

اختلاف الدين

    أما بالنسبة لمن يختلفون عنا في الدين والعقيدة، فإن الإسلام قد حث على معاملتهم بصورة حسنة، بعيدة عن التعصب والجدل والحدة في النقاش، الذي يورث البغضاء والتنافر والتباعد والخوف من الآخر، وذلك انطلاقاً من منهج الإسلام الخالد، " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن"، فهذا يفتح باباً واسعاً في فن التعامل والتواصل مع الآخر، من غير ديننا، فإذا ما وجدنا عنده استعداداً للتفاهم والتواصل والحوار، فنحن مأمورون بالإحسان والإقساط إليه، ما دام ذلك في إطار الأخوة الإنسانية والوطنية، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، فحرية الاختيار مكفولة، ولا يجوز أن يتدخل أحد في حرية الإنسان واختياره لعقيدته، دون تخوف أو إكراه. وهذا مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، التي ترفع لواء التسامح الذى لا نظير له في السابق ولا في اللاحق، وتاريخ المسلمين حافل بهذه الصور المشرقة في التعامل مع الآخر، والتي جعلت من الحضارة الإسلامية حضارة رائدة على مر العصور، في قبول الآخر والتعايش معه في أمن وأمان وسلام واطمئنان.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية